خصص الحوار العالمي للسعادة عدداً من الجلسات ضمن محور علم السعادة وجودة الحياة، استضافت علماء وباحثين ناقشوا القيم الأساسية لتحقيق السعادة والارتقاء بجودة حياة المجتمعات.

وفي جلسة بعنوان «ما هي القيم الأساسية للسعادة؟»، ناقشت الدكتورة سونيا ليوبوميرسكي، أستاذة علم النفس في جامعة كاليفورنيا ريفرسايد، القيم الأساسية للسعادة والمفاهيم المتعلقة بها، وقالت: «على الأفراد قياس مدى سعادتهم من خلال مراقبة النشاطات التي لا تجلب لهم السعادة، والابتعاد عنها».

واستعرضت ليوبوميرسكي بعض نتائج أبحاث السعادة التي توصلت إليها عبر ثلاثة عقود من الدراسة، وذكرت عدداً من الأنشطة الإيجابية التي تعزّز الشعور بالسعادة مثل مساعدة وإسعاد الآخرين، والتحلي بالإيجابية، وكتابة رسائل الامتنان، والرياضة، وتعداد النعم، وأشارت إلى أن الأبحاث التي قامت بها دفعتها إلى الاستنتاج أن فرط القيام بهذه الأنشطة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، وأن التركيز الكبير على الذات يعيق تحقيق الرضا والسعادة.

قوة المعنى

أما في الجلسة التي حملت عنوان «قوة المعنى: كيف نعيش حياة هادفة؟» فتحدثت الكاتبة إميلي اصفهاني سميث، عن أهم العوامل التي تؤثر في رسم مستقبل أي شخص وتحديد طموحه، وأهمية وجود أهداف واضحة في حياة كل شخص وتطلعاته نحو الأفضل.

وقالت سميث: «عندما كنت طفلة، نشأت في منزل محاط بالباحثين الصوفيين، وكان والدي يدير اجتماعاً للصوفيين في منزلنا بمدينة مونتريال مرتين أسبوعياً، حيث كانوا يجلسون على الأرض ويبدأ كل منهم سرد قصته، كيف تمكن من خدمة الآخرين، وعلى الرغم من أنهم جميعاً من الطبقة الفقيرة، إلا أن لديهم هدفاً واضحاً في حياتهم، وهو تكريس أنفسهم لخدمة الآخرين».

وأضافت: قررت الالتحاق بكليةٍ للدراسات العليا متخصصةً في علم النفس الإيجابي لأتعلم ما الذي يجعل الناس سعداء، وكيف يمكن أن يكون لديهم هدف واضح في حياتهم.

وأكدت سميث على أربع ركائز للحصول على حياة ذات مغزى. أولى تلك الركائز هي الانتماء، مشيرة إلى أن الانتماء هو المصدر الرئيس لحياةٍ ذات مغزى.

وأضافت، أن ثاني تلك الركائز هي «الهدف» ومفتاح تحديد هدفٍ في الحياة هو استثمار الوقت والجهد لخدمة الآخرين.

أما ثالث الركائز، فهي أهمية أن تخطي الذات، وحددت سميث الركيزة الرابعة التي تتمثل في سرد الأحداث اليومية بشكل إيجابي.

وقالت سميث: «لكل شخص أهداف يرغب في تحقيقها سواء كان واعياً لها أم لا، ولكن ما يميز إنساناً عن آخر قوة الإرادة والتركيز على أهدافه، في حين لا يفعل ذلك الآخرون».

السعادة الداخلية أولاً

قال الدكتور جيمس دوتي، أستاذ جراحة المخ والأعصاب في جامعة ستانفورد، خلال جلسة حملت عنوان: «حل ألغاز العقل والقلب لتحقيق السعادة»: «لا يمكن أن يعمّ السلام في العالم قبل أن ننعم بالسلام الداخلي، ولن نتمكن من تحقيق السعادة في الحياة من دون الوصول إلى السعادة الداخلية أولاً»، وأشار إلى أن الطريق إلى ذلك هو من خلال الحب غير المشروط، وتقبل الآخرين كما هم دون أحكام مسبقة.

وأكد دوتي أهمية الوعي بتأثير الجهد العصبي على السعادة، مشيراً إلى أن المعاناة وعدم الشعور بالسعادة هما انعكاس للضغط والإجهاد العصبي، ويتسببان بأزمات صحية غالباً ما تكون مرتبطة بأمراض القلب.

تأثير الطعام في المزاج والإحساس بالسعادة

تحدث الدكتور جون كريان، أستاذ ورئيس قسم علم التشريح وعلم الأعصاب، في كلية كورك بجمهورية أيرلندا، في جلسة بعنوان «كيف تؤثر الميكروبات في مزاجنا؟» عن آخر ما توصلت إليه الأبحاث والدراسات الأكاديمية حول دور ما يتناوله الإنسان من طعام وشراب في التحكم بمزاجه اليومي وإحساسه بالسعادة.

وعرّف كريان المايكروبيومات، بأنها ميكروبات تعيش داخل جسم الإنسان، وبشكل خاص داخل معدته وأمعائه، وتؤدي وظائف حيوية عديدة متصلة بالمناعة ضد الأمراض، والأيض، لافتاً إلى أن هذا البحث العلمي الحديث نسبياً يكشف باستمرار تفاصيل جديدة عن العلاقة بين محتوى الأمعاء ونشاط الدماغ، مؤكداً تأثير ما يتناوله الإنسان على أدائه الذهني ومزاجه وشعوره بالسعادة.

وعرض كبير الباحثين في معهد «أي بي سي للمايكروبيومات» خلال الجلسة لأبرز نتائج الأبحاث التي أجراها حول التأثيرات الإيجابية للمايكروبيومات المعوية، لافتاً إلى أن وزنها مجتمعة في الجسم قد يعادل وزن الدماغ، مؤكداً قدرتها على تحفيز عمل الغدد الصماء في الجسم، وتفعيل مختلف وظائف الجسم كالنمو والأيض.

وأشار كريان إلى أن التجارب المخبرية دلت على أن النظام الغذائي المتنّوع ينتج تنوعاً في مايكروبيومات الجسم ويعزز المناعة والصحة التي تؤدي بالنتيجة إلى حياة أسعد وأقل توتراً، مبيناً أن المايكروبيومات تعمل كمصانع مصغّرة تعزز تجاوب الخلايا العصبية وتقوي الغشاء الدماغي، وتحسّن التواصل بين الخلايا الدماغية، وتقلّص التوتر، داعياً إلى اعتماد نظام غذائي متوازن قائم على تناول الخضراوات والألياف، وزيت أوميغا 3، والبذور، والقهوة، والشوكولاتة الداكنة، والزيتون، والتوت، واللبن الرائب.

وشدد على أهمية الرضاعة الطبيعية في تعزيز مناعة الجسم عبر نقل المايكروبيومات من الأم إلى طفلها، مؤكداً ضرورة تجنّب تناول المضادات الحيوية دون وصفات الطبيب، والابتعاد عن الأطعمة المصنّعة والمستحلبات والمواد المستخدمة لتحلية الأطعمة، لما لها من آثار في زيادة التوتر والتأثير على المزاج والحالة النفسية للإنسان، وهي حالات لحظها وفريقه البحثي خلال دراساتهم في المجتمعات المتقدمة والنامية على حد سواء.