استعرضت الدورة الثانية للحوار العالمي للسعادة أبرز التجارب العالمية في تحقيق السعادة والارتقاء بجودة الحياة، واستضاف الحوار ضمن محور «تجارب عالمية في سياسات السعادة وجودة الحياة»، كلاً من ألكسندر ستاب نائب رئيس بنك الاستثمار الأوروبي، رئيس وزراء جمهورية فنلندا الأسبق، ومايك ويكينغ، رئيس معهد بحوث السعادة في الدنمارك، وغابرييل كيلي، مديرة مركز جودة الحياة والمرونة في معهد جنوب أستراليا للصحة والبحوث الطبية.
الدول الاسكندنافية
وفي جلسة بعنوان «ما هو سر السعادة في الدول الاسكندنافية؟»، تحدث ألكسندر ستاب نائب رئيس بنك الاستثمار الأوروبي، رئيس وزراء جمهورية فنلندا الأسبق، عن دور السياسات التي اعتمدها العمل الحكومي في الدول الإسكندنافية لتحقيق مؤشرات متميزة في مجال السعادة. وتحدث ستاب عن السعادة انطلاقاً من 3 نقاط رئيسية هي السعادة الفردية، والسعادة في الدول الاسكندنافية، وكيف سيكون شكل السعادة في المستقبل.
فعلى صعيد السعادة الفردية، أكّد ستاب على ضرورة الاهتمام بثلاثة عناصر لتحقيق السعادة على مستوى الفرد، ألا وهي العقل والجسد والعلاقات الاجتماعية، مشيراً إلى أهمية أن يكون العقل متفتحاً وفضولياً لتعلم أشياء جديدة كل يوم والاستماع إلى الغير، وأن يُمنح الجسد الراحة والنوم اللازمين وتناول الأطعمة الصحية، وأن يتم تكوين علاقات اجتماعية وعلاقات صداقة دائمة من شأنها أن تعزز مستويات سعادة الأفراد.
أما على صعيد السعادة في الدول الاسكندنافية، فقال ستاب إن هذه الدول تؤكد أهمية إحقاق الحرية والعدالة الاجتماعية وتوفير منظومة تعليمية ذات جودة عالية، منوهاً بأن الحكومات بإمكانها أن تدفع الجهود قدماً لتحقيق السعادة، ومؤكداً كذلك بأن الدول الاسكندنافية ليست كاملة بحال من الأحوال، لكن ما يميزها هو السعي الدائم لجعل السعادة واقعاً ملموساً.
وفي هذا السياق، قدّم ستاب نصائح عدة لتعزيز السعادة والتخلص من سيطرة التقنيات ووسائل التواصل الاجتماعي على حياة الأفراد، مثل النوم لثماني ساعات والعمل لثماني ساعات وقضاء أوقات قيّمة مع أفراد العائلة والأصدقاء لثماني ساعات، إضافة إلى قضاء ساعة واحدة كل يوم لمزاولة التمارين الرياضية، وساعة للقراءة، وحصر استخدام منصات التواصل الاجتماعي لساعة واحدة فقط في اليوم.
يذكر أن 5 دول اسكندنافية هي الدنمارك والنرويج وآيسلندا وفنلندا والسويد تصدرت المراتب الأولى في مؤشر السعادة العالمي خلال السنوات الأخيرة، وبرزت كأكثر الدول سعادة في العالم.
البحث عن السعادة
وفي جلسة بعنوان «البحث عن السعادة حول العالم» تحدث مايك ويكينغ، رئيس معهد بحوث السعادة في الدنمارك، عن تجربة الدنمارك التي حققت أعلى المراكز العالمية في تصنيف السعادة العالمي. وقال ويكينغ: «إن معهد أبحاث السعادة في كوبنهاغن يستخدم النتائج العملية التي يتوصل إليها لنشر السعادة ورفع مستويات جودة الحياة في المجتمع».
وتناول ويكينغ التجربة الإسكندنافية في تحقيق السعادة بالإجابة عن 3 أسئلة رئيسة: كيف نتعلم من أكثر الناس سعادة حول العالم، كيف ننشر السعادة بين الشعوب، كيف نجعل الأفراد محركي التغيير الإيجابي في مجتمعاتهم موضحاً أن الشعب الدنماركي استطاع أن يحقق هذا المستوى من السعادة رغم الطقس البارد الذي تعيشه الدنمارك في معظم أيام السنة ويدفع الدنماركيون ضرائب هي الأعلى على مستوى العالم، إلا أنهم لا ينظرون إلى الضرائب على أنها عبء على كاهلهم، بل استثماراً في تحسين جودة الحياة والتعليم وتحقيق المساواة بين جميع أفراد المجتمع.
ولفت إلى أن غالبية سكان مدينة كوبنهاغن يستخدمون المواصلات العامة والدراجات الهوائية للذهاب إلى أماكن عملهم حيث قامت الحكومة بالاستثمار بشكل مكثف في تطوير البنية التحتية سواء للمشاة أو أصحاب المركبات، مما ساعد الناس على الاستغناء عن مظاهر الرفاهية والبذخ المبالغ فيه مما قلص لديهم الشعور بالتوتر والقلق على مستقبلهم.
جنوب أستراليا
بدورها، تحدثت غابرييل كيلي، مديرة مركز جودة الحياة والمرونة في معهد جنوب أستراليا للصحة والبحوث الطبية، عن تجربة جنوب أستراليا في السعادة، واستعرضت بعض نتائج أبحاث السعادة التي توصلت إليها عبر 3 عقود من الدراسة. وذكرت عدداً من الأنشطة الإيجابية التي تعزّز الشعور بالسعادة مثل مساعدة وإسعاد الآخرين، والتحلي بالإيجابية، وكتابة رسائل الامتنان، والرياضة، وتعداد النعم.
وأكدت غابرييل كيلي على دور علم النفس الايجابي في تعزيز الصحة العقلية والقدرة على الصمود في مواجهة التحديات مما يساعد على الحد من الأمراض النفسية ويعمل على تحسين جودة حياة الأفراد وتنمية الكفاءة الذاتية لديهم. وأوضحت أن البرامج الترفيهية التي تقدمها جنوب استراليا إلى مواطنيها تشكل نموذجاً للحكومات وأنها قابلة للتطبيق في جميع دول العالم، كما ركزت على أهمية التعليم ونسبة عدد المتعلمين كمقياس لجودة الحياة في المجتمع.
خطورة التقنيات
أشار ألكسندر ستاب إلى أن أننا نعيش عصر الثورة التكنولوجية وبروز تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات وتقنيات الواقع الافتراضي والمعزز، لكن الخطر المتمثل من هذه التقنيات، بحسب ستاب، يكمن في إمكانية تجرد الأفراد من مشاعر الإنسانية والحب والعطف، فضلاً عن بروز العديد من المشاكل الأخلاقية مثل طرق جمع البيانات، والمعلومات الهائلة التي تملكها الآلات عن البشر.
30
قال الدكتور ساكي سانتوريلي، الأستاذ في كلية الطب بجامعة ماساتشوستس، في جلسة بعنوان «اليقظة الذهنية في العصر الرقمي»، إن مجتمعاتنا اليوم تعاني من تفكك الروابط الاجتماعية بفعل تنامي استخدام الأجهزة التي صممت أصلاً لكي تزيدنا ترابطاً مع بعضنا البعض إلا أنها تزيدنا انعزالاً ووحدة، وهذه تحديات تحتاج منا العمل على مواجهتها».
وتحدث سانتوريلي عن تقنية يستخدمها في مجال عمله وتسمى: «اليقظة الذهنية» وهي حالة عقلية يعمل على إدخالها في سياق العملية الطبية علما أنها موجودة كممارسات في الثقافات القديمة وتدعى بالتأمل.
وأضاف أنه بدأ هذا المسار المهني مع زميل له في كلية الطب بجامعة ماساتشوستس، مما ساعد في التخفيف من آلام المرضى والمعاناة، حيث أمضى آلاف الساعات طوال 30 عاماً لتعليم المرضى كيفية تخفيف آلامهم باستخدام طرق غير تقليدية وجديدة على الأساليب الطبية الكلاسيكية.
560
توجه سانتوريلي في جلسته التفاعلية إلى الحضور بسؤالهم عن عدد المرات التي ينظرون فيها لهواتفهم المتحركة، وقال إن الدراسات تشير إلى أننا ننظر لهواتفنا 560 مرة يومياً في المتوسط، واستذكر قولاً لمفكر اسمه «جون كابت زن» يقول فيه: «اليقظة تبدأ من الانتباه إلى غايات لا تؤدي لإصدار أحكام في اللحظة الآنية».
واستنتج من ذلك أننا لا يجب أن نهدف لإصدار الأحكام في حياتنا ولكن إلى امتلاك المعرفة، وهذا يتطلب القدرة على التوقف والنظر إلى الأمور من الخارج لنتمكن من تحديد خياراتنا ولذلك فإن المشكلة حسبما يرى الدكتور سانتوريلي ليست بالنظر للهاتف ولكن أن يكون ذلك الخيار الوحيد، ففي هذه الحالة الهاتف هو ما يتحكم بنا.
20
استضاف الحوار العالمي للسعادة مايك ويكينغ، الرئيس التنفيذي لمعهد بحوث السعادة في الدنمارك في جلسة بعنوان «البحث عن السعادة حول العالم»، تحدث عن كتابه الجديد The Little Book of Lykke، الذي يركز على مكونات السعادة المشتركة بين الدول، ويلقي الضوء على تجارب أكثر من 20 دولة.
وسلط المهندس فيصل بن سعيد بافرط الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للترفيه في المملكة العربية السعودية خلال الجلسة الضوء على جودة الحياة في رؤية المملكة العربية السعودية 2030.
12
قدمت منصة الحوار العالمي للسعادة عدداً من القصص الإنسانية الملهمة في العالم، حيث استضافت ماثيو ريكارد الكاتب العالمي، الذي شارك في دراسة استمرت لمدة 12 عاماً تحت إشراف عالم الأعصاب ريتشارد ديفيدسون من جامعة ويسكونسون، الذي ربط ريكارد بنحو 265 جهاز استشعار لدراسة تأثير ممارسة التأمل على عقله، في جلسة بعنوان «الوصول إلى قمة السعادة».
