«أطباء» الذكاء الاصطناعي «وصفة» إماراتية لتعزيــــــــز الصحة النفسية - البيان

برنامج «إمكان» لأصحاب الهمم وتطبيق «كيف تشعر؟» نموذجان ناجحان

«أطباء» الذكاء الاصطناعي «وصفة» إماراتية لتعزيــــــــز الصحة النفسية

«كيف حالك اليوم؟» و«ماذا يحدث في عالمك الآن؟» و«كيف تشعر؟» قد تبدو هذه الأسئلة بسيطة التي يسألها الطبيب أو المعالج النفسي ومع ذلك، فإنها في الوقت الحالي وضمن الرعاية الصحية النفسية، فإنها يمكن أن تكون أيضاً بداية محادثة مع المعالج الآلي.. هل تتخيل ذلك؟

هذا ما حدث فعلياً من خلال تجربة الطبيبة النفسية «الروبوت إيلي»، وهي عبارة عن برنامج كمبيوتر طورته إحدى الشركات وقامت بتغذيته بكل المعلومات والدراسات التي يدرسها الأطباء والمختصون والطلبة حول العالم وقاموا بتصميم الطبيبة بتقنية 3D، حيث استطاعت مقابلة 239 مريضاً نفسياً، والذين أكدوا أنهم شعروا بالخصوصية أكثر من محادثتهم لطبيب حقيقي.

وهو ما حدث تماماً مع خلود الحوسني التي واجهت صراعاً مستمراً جراء معاناتها من مرض الاكتئاب، إلا أنها باتت اليوم تتحسن حالتها فوراً بعدما بدأت تتحدث مع تطبيق افتراضي عبر الإنترنت ساهم في تحسين حالتها النفسية لمجرد أنه شخص حالتها وفقاً لبيانات معينة لها.

وأكدت الحوسني أنها تعد واحدة من الحالات التي تم وضعها ضمن تجربة ظروف صحية نفسية معينة «الواقع المعزز» في مستشفى بالولايات المتحدة الأمريكية، وكانت نتائجها إيجابية، ولا تزال تتحدث بفخر عن تجربتها في مزج الذكاء الاصطناعي في علاج صحتها النفسية كواقع حقيقي، ما قد يجعلنا قريباً نرى المزيد من دور الذكاء الاصطناعي في سبر غور بيانات البيئة المعيشية والاجتماعية للأشخاص بالإضافة للبيانات الوراثية، من أجل تقديم خدمة طبية أفضل.

هذه الآفاق المستقبلية مهّدت لها دولة الإمارات بإدخال الذكاء الاصطناعي نطاق العمل الحكومي وعينت وزير دولة لهذه المهمة، كما أنها في الوقت نفسه أولت الصحة النفسية عناية فائقة، فكان العمل على الاستفادة من تجربة الذكاء الاصطناعي في تطوير الصحة النفسية والعناية بها، بدل أن يكون خطراً يهددها، وقد بدأت بالفعل هذه التجارب تدخل حيز الواقع عبر تجربة «برنامج إمكان» في مؤسسة الجليلة والذي يقدم للأشخاص مبتوري الأطراف أو من لديهم تشوهات شديدة أطرافاً اصطناعية لتحسين حركتهم واستقلاليتهم ما انعكس إيجاباً على صحتهم النفسية، وتطبيق ذكي آخر تحت عنوان «كيف تشعر؟» الذي ابتكره أحد أبناء الإمارات يتضمن طرقاً للعلاج عبر إرفاق محتويات لمقالات ودراسات علمية تصف علاج كل حالة أو صفة نفسية على حد سواء بالمراجع العربية والأجنبية، والذي يمكن الاعتماد عليه ليكون في المستقبل طبيباً روبوتياً ناطقاً كثمرة لنجاح الذكاء الاصطناعي في الدولة.

92 %

يقول الدكتور علي عبدالله هلال النقبي أستاذ مشارك بجامعة الإمارات ومدير أبوظبي بوليتكنك بأبوظبي: إن التطرق إلى الذكاء الاصطناعي في تحسين الصحة النفسية يعد مجالاً نادراً والبحث فيه قليل، وبالتحديد على المستوى العربي، وإن كان يؤكد قدرة الذكاء الاصطناعي على تبني أنظمة ذكية وتطويرها بتحقيق نسبة ما تقدر بـ92% من نتائج صحيحة في تحليل الحالة النفسية للأشخاص وتحقيق معدل عالٍ على اعتبار أن تعلم الآلة يصل إلى 93% على سبيل المثال، مع توقع 8% من هامش الخطأ، الذي يعد بمثابة ميزة إيجابية تعمل على التمكن من تحليل بيانات جديدة تساهم في تفادي حالة أخرى شبيهة في موقع آخر من العالم استناداً إلى أن الأدوات أو التطبيقات المستخدمة تعمل على تحليل بيانات ضخمة ومعقدة بسرعة عجيبة. مستعرضاً تجربة الأمازون في تبنيها الذكاء الاصطناعي لتحليل الحالة النفسية لدعم القوة الشرائية للمستخدمين في مدة قصيرة بدلاً من المحللين النفسين الذين كانت تعتمد عليهم في التحليل وإيجاد الحلول وفقاً للبيانات المرصودة، لافتاً إلى أن هناك توجهين في مجال الذكاء الاصطناعي، أحدهما يدرس طبيعة السلوك البشري ويحاول ابتكار أنظمة شبيهة، والثاني يطور أنظمة ذكية بغض النظر عن تشابهها مع السلوك والذكاء البشريين. ولا يزال دور التكنولوجيا في حياتنا اليومية يتزايد مع مرور كل عام، من التقدم في عالم الهواتف الذكية والتكنولوجيا الصوتية يجعلنا أكثر اعتماداً على العلاقة الديناميكية بين البشر والمساعدين الرقميين لدينا. هذا هو مجرد غيض من فيض، ومع ذلك، بمعنى أن التقدم في التكنولوجيا يمتد إلى ما هو أبعد من المجال الشخصي لدينا؛ أصبحت سياراتنا على نحو متزايد متصلة في العالم، و«الروبوت» واستخدام الطائرات من دون طيار تسير بشكل كبير والتطبيقات الرقمية للعلوم تنمو في المجتمع الطبي والصحة النفسية، كما أنه في العامين الماضيين، كان صعود الذكاء الاصطناعي لا مفر منه، قد وضعت مبالغ ضخمة من المال في الشركات الناشئة للذكاء الاصطناعي. وقد فتحت العديد من شركات التكنولوجيا القائمة - بما في ذلك عمالقة، مثل: (الأمازون، فيسبوك، ومايكروسوفت) مختبرات أبحاث جديدة.

وفي ضوء هذه التغيرات في مجتمعنا، وكثيراً ما يأخذ كثير من المشككين وجهة نظر حول كيفية هذه التكنولوجيا يمكن أن تحسن حياتنا اليومية، وبالتأكيد هناك وجهان لكل عملة، وكانت هناك دراسات مختلفة تسلط الضوء على بعض المخاطر أو الآثار السلبية التي يمكن أن تأتي من هذا الاندماج بين الاثنين.

ومن المقرر أن يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً كبيراً جداً في المساعدة على الكشف عن المخاطر المتعلقة بتطوير قضايا الصحة النفسية، فضلاً عن مساعدة المعالجين على تعافي المريض والمساعدة على تعزيز الاحتياجات الشخصية لكل مريض، والنتيجة الإجمالية لمزج قطاعي الذكاء الاصطناعي بالصحة النفسية من جانب الأطباء الحاليين والمستقبليين والمعالجين والمتخصصين هو للمساعدة على جعل العلاج أكثر كفاءة.

نجاح ساحق

إلى ذلك، أفاد عضو المجلس الوطني الاتحادي سالم النار الشحي بأن الدولة تولي اهتماما كبيرا في هذا الجانب الصحي، حيث وضعت برامج مؤسسية ضمن الشراكة المجتمعية، إلى جانب أنها تدعم كافة السياسات والخطط المتعلقة بالصحة النفسية، مع تشجيع العقول الطبية المبدعة التي تساهم في إنجاح التكنولوجيا في دعم الرعاية الصحية النفسية وتمكين الأطباء المتميزين في الابتكار والإبداع ما يساهم في تنمية وتعزيز الصحة النفسية في المجتمع.

وبيّن أنه خلال السنوات الماضية شهدت هذه الجهود والبرامج خطوات حثيثة تمثلت في تعميم ثقافة الإبداع والابتكار في المجتمع الإماراتي، ناهيك عن جعل هدف تمكين الإبداع والابتكار عاملا مشتركا ضمن الخطط المستقبلية للدولة وفي كافة القطاعات والمجالات من أجل الوصول إلى مجتمع المعرفة.

هيئة خاصة

بدورها، قالت خديجة الطنيجي باحثة وكاتبة في مواقع التواصل الاجتماعي، إنه لا ينبغي أن تركز السياسة الوطنية للصحة النفسية المستقبلية اهتمامها على اضطرابات الصحة النفسية فحسب، بل ينبغي لها أيضاً الاعتراف بالقضايا واسعة النطاق المتعلقة بتعزيز الصحة النفسية، والعمل على معالجتها ومن تلك القضايا العوامل الاجتماعية الاقتصادية والبيئية، فضلاً عن قضية السلوكيات وقيم الأخلاق، وتتطلب هذه العملية دمج مسألة تعزيز الصحة النفسية في السياسات والبرامج المستقبلية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والابتكار على مستوى الدوائر والجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع الأخرى وإن تطلب الأمر إنشاء هيئة أو لجنة للصحة النفسية تربط بوزارة السعادة أو مجلس القوة الناعمة، ومن الجهات أيضاً تلك التي تحظى بأهمية خاصة الأشخاص المعنيون باتخاذ القرارات الحكومية على المستويين المحلي والوطني، الذين تؤثر قراراتهم في الصحة النفسية بطرق عدة قد يجهلونها عن المستقبل.

تجارب ناجحة

وقال الدكتور عبدالكريم سلطان العلماء الرئيس التنفيذي لمؤسسة الجليلة: «يواجه الأشخاص ذوو الإعاقات الجسدية عدداً من التحديات التي تؤثر في نوعية حياتهم وسعادتهم وهم أكثر عرضة للمعاناة من الاكتئاب ومشاعر النقص». مشيراً إلى «برنامج إمكان» في مؤسسة الجليلة والذي يقدم للأشخاص مبتوري الأطراف أو من لديهم تشوهات شديدة أطرافاً اصطناعية لتحسين حركتهم واستقلاليتهم. حيث يتم العمل مع أفضل الممارسين في مجال الرعاية الصحية لتقديم أحدث التقنيات للأجهزة المساعدة بما في ذلك الأطراف الصناعية الإلكترونية وحتى أجهزة اليد المطبوعة 3D. مبيناً أن المرضى المستفيدين أكدوا أن الأطراف الاصطناعية غيرت حياتهم وأنهم استطاعوا استعادة السيطرة عليها وأصبحوا أكثر سعادة، لافتاً إلى أن مؤسسة الجليلة دعمت أكثر من 25 مريضاً، من بينهم 7 أطفال، واستثمرت أكثر من 1.5 مليون درهم لتمكين الأفراد من خلال برنامج إمكان.

تطبيق نفسي

وقد نجح المواطن المهندس إدريس القريشي مستشار تقنية المعلومات المدير التنفيذي لشركتي الاتصال العالمي لتمثيل الشركات وإي كيو للبرمجيات ذ. م. م. في تأسيس تطبيق ذكي (كيف تشعر؟) يعتمد نظامه على الواقع الافتراضي في التعرف على حالة الشخص. ويتضمن كذلك طرقاً للعلاج عبر إرفاق محتويات لمقالات ودراسات علمية تصف علاج كل حالة أو صفة نفسية على حد سواء بالمراجع العربية وأيضاً الأجنبية. مؤكداً أن التطبيق قابل للقياس والتعديل على اعتبار أن هدفه الأساسي قياس الصحة النفسية للشخص من كافة النواحي وصولاً إلى سبيل للتنبؤ بالحالة النفسية الحقيقية وتشخيصها ومن ثم علاجها سواء بالعلاجات التقليدية أو إن كانت بحاجة للتوجه إلى جهات الاختصاص.

وأوضح في سياق المقترحات المبتكرة وغير المألوفة لتنمية هذا المجال، أنه كان هناك العديد من الابتكارات والأفكار غير المتصورة عقلاً أن يتم تنفيذها على أرض الواقع، ابتكارات وأفكار لم نكن نتوقعها يوماً تترجم على أرض الواقع يوماً بعد الآخر فمن منا من 20 عاماً فقط تخيل ما يتحدث عنه هذا التحقيق، وأن يصبح واقعاً يتم التعامل معه والتفكير في الأكثر من ذلك، في الحقيقة إن الذكاء الاصطناعي استطاع أن يحقق طفرة في كافة المجالات وليس فقط في الجانب الطبي ولكن في شتى المجالات.

وأضاف قائلاً: «من منا تخيل أن تقوم الهواتف الذكية بما تقوم به الآن وقد كانت مجرد أفكار لابتكارات يتمنى الإنسان تحقيقها، لم يعد الأمر متوقفاً على التواصل بين البشر ولكنه امتد بشكل كبير في مجال الصحة فها هي التطبيقات التي يمكنها بسهولة أن تقوم بمعالجة الرسوم المؤلفة من 12 نواة، وكذلك وحدة التشغيل العصبية التي تعزز إمكانيات الحوسبة التي تقوم في الأساس على الذكاء الاصطناعي. وكما رأينا أن الابتكارات والأحلام دائماً يمكن تنفيذها فستظل منظومة الذكاء الاصطناعي دائماً في تطور وتقدم طالما هناك أفكار يسعى البشر إلى أن يحققوها».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات