هذه أبياتٌ يمتزج فيها الكبرياءُ بالألم، والعتابُ بالشجَن، ولو لم تكن مكتوبةً بتوقيع صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد لعرف القلبُ أنها من شِعره، فلهذا الرجلِ نَمَطٌ من الشعر يكاد يكون بصمةً خاصةً له، لا سيّما ما يتعلّقُ منه بنمطَيْن اثنين من الشعر: الابتهالات الخاشعة في محراب الجلال الإلهي، وهذه الآلامُ العَذْبةُ التي هي من بَوْحِ القلب وعذابات الفرسان، ومهما حاول القارئ أن يتجرّد من مشاعره.

فإنه يجد نفسه منغمساً في هذا اللهيب النابع من قلب صادقٍ وروح مُلذَّعةٍ بجفاء الحبيب، وهذا هو الشعر الجليل: أن يُجبرَ القارئ على الدخول في مدار الشاعر ويتذوّق كلامه وحنينه وجِراح قلبه، سواءٌ كان شعراً فصيحا أو شعراً نبطيّاً هو أحدُ مفاخر البداوة العربية الأصيلة. وحين يتذوق الإنسان هذه القصيدة يجد أنها مثلُ سَبيكة الفضة، فلا بيتَ فيها يُغني عن بيت، بل هي مُتلاحمة الأجزاء كأنها بيتٌ واحد، وفي هذا إشارةٌ ودلالةٌ على عُمق الإحساس الشعري وأصالته وكَوْنِه دَفْقةً واحدة نبعت من حنايا القلب المسكون بالشوق والعتاب والحنين.

زاد الجفا حتى وَصل لين الأحلامْ

وما عِدْتْ أشوفكْ زايْرً في منامي

إنّ هذا المطلعَ الرائع يلخّص العاطفة الأساسية في القصيدة، وأنها نابعةٌ من قلب قد أوجعه جفاء الحبيب حتى زاد عن الحدود، ولا شيء يُذيبُ الكبد مثل جفاء الحبيب، بل إن الذُّلّ مُستعذَبٌ في سبيل الوصال، وهو ما عبّر عنه أبو العتاهية أبدعَ تعبيرٍ حين قال:

ولي فؤادٌ إذا طال العذابُ به

هام اشتياقاً إلى لُقيا مُعذِّبِهِ

قلوب الفرسان

إنّ الرقّة العاطفية هي إحدى السمات الأصيلة في قلوب الفرسان، وإن الخشونة ممّا لا يليق بالحب وخطاب الحبيبة، لذلك جاء مطلعُ القصيدة ناعماً رقيقا فيه استعطافٌ وكبرياء، وفيه حبٌّ وعتاب، وفيه تمهيدٌ للآتي من الكلام، فهو مطلعٌ اجتمع له كل معايير النجاح الفني، وهو شَمعة الليل التي تضيء النصّ كاملاً، فالحبيبة قد انقطعت أخبارها وزاد جفاؤها حتى لم يعُدْ طيفها يزور في المنام، وهذا جفاءٌ ما بعده جفاء، وقديماً تمنّى الشعراء النوم في غير وقت النوم طمعاً في رؤية الحبيب في النوم، وهو ما عبّر عنه قيسُ بن المُلوّح بقوله:

وإني لأهوى النومَ في غير حينه

لعلّ لقاءً في المنامِ يكونُ

تُحدّثني الأحلامُ أني أراكمُ

فيا ليتَ أحلامَ المنامِ يقينُ

بعد ذلك يبدأ التصريح بالبوح والأوجاع، وتعلو نَبْرةُ العتاب، فالشاعر قد سيطرت عليه مشاعرُ الحَيرة، وهذا الهجرُ المتطاول مما لا يحتمله القلب الصادق في الحب، فقد مضى عامٌ على الجفاء، وغاب طيفُ الحبيبة حتى اختفى اسمها من بين الأسماء كنايةً عن عُمق الجفاء والقطيعة، فالحبيب دائم اللهَج باسم الحبيب، لا بل إنه يُحبُّ من الأسماء ما وافق اسمَ الحبيب، فكيف وصل إلى هذه المرحلة من القطيعة لولا أن هناك غياباً مقصوداً أدى إلى جفاف نبع الحب، وسكوت الحَمام عن الهديل:

واحترتْ ف أمرك هاجِرْني من العامْ

لين اختفى اسمك ما بين الأسامي

أشواق مع الريح

ولا شيء يجرح القلب مثل انقطاع أخبار الحبيب، وقد كان الشعراء القدماء يرسلون أشواقهم مع الريح لتبليغ السلام للحبيب، بل إنهم كانوا يتنسَّمون الريحَ القادمة من بلاد الحبيبة، ويرون فيها سلاماً خاصّاً لا يفهمه إلا قلب العاشق الصبور الجسور، ومن أكثر الأبيات رقّةً ودلالةً على هذا المعنى البديع قول الشاعر يخاطب جَبَلي نَعمان، وهما جبلانِ من جبال الجزيرة التي كانت تحجب الريح القادمة من بلاد الحبيبة:

أيا َجَبَلَيْ نَعمان بالله خلّيا

نسيمَ الصَّبا يخلُصْ إليّ نسيمُها

أجِدْ بَرْدها أو تَشْفِ مني حرارةً

على كبِدٍ لم يبقَ إلا صميمُها

فإنّ الصّبا ريحٌ إذا ما تنسّمتْ

على نفسِ مغمومٍ تجَلّتْ غُمومُها

وفي نظرية العشق العربية، فإنّ الحبيبة المتمنعة هي الأغلى، وإن العاشق الفارس لا يكفّ عن مطاردة طيفها مهما كلّفه ذلك من المتاعب والأخطار، والمرأة العربية تفهمُ هذه المعادلة جيّداً، وتعيشها بقلبها وإحساسها، وتُحبّ أن ترى نفسها ذات قيمة في عين الحبيب، لذلك فهي مِثلُ الغيمة الراحلة التي لا تكاد تقف في مكان، والحبيبُ خلفها يطاردها، وهي مسرعة يسوقها ويداعبها ريح اليمن والشام، وبرغم كل المتاعب، فإن لهذا الإحساس لذّةً خفيّةً لا يظهر أثرها إلا بعد لقاء الحبيب، بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى القطيعة والجفاء:

كَنّي أطاردْ ظِل غيمة فلا دامْ

غيمه يزاغيها يمانيي وشامي

وفي كلمة «يزاغيها» من الدلالة على التعب والمطاردة ما هو واضح الدلالة على رهافة مشاعر صاحب السموّ في اختيار ألفاظه الشعرية الدالة على عمق إحساسه ورهافة مشاعره.

غَلا ودلال

وزيادةً في إيضاح الموقف والصورة، يأتي البيت التالي تعزيزاً للبيت السابق في رسم صورة الحبيبة المتحكّمة التي تشعر بالغَلا والدلال، وتتعمّد هذا الأسلوب لاختبار صبر الحبيب وثباته على العهد ولرعاية الصفاء والودّ، وهذا الموقف يذكرنا بقول الشاعر العربي إبراهيم بن العباس، واصفاً هذه المعادلة الظالمة بين الأحباب، حين قال:

بنفسي مَنْ إساءتُه اعتمادٌ

ومَنْ إحسانهُ من غير عَمْدِ

ومَنْ أصفيتُه في الوُدّ جُهدي

فعاوَض في الجفاء بمثل جهدي

وهذا هو ما عبّر عنه صاحب السموّ بقوله:

أو كَنّك انتهْ طيفْ ساكن في الاوهام

في قلب شاعر به جنون الهيامي

فهذا هو السرّ: قلب الشاعر المجنون برضا الحبيب وطلعته الجميلة، ولذلك فهي تعرف سطوتها على القلب، وتتحكّم عن عمدٍ واختيار بهذا القلب المسكون بحبها والحنين إلى طيفها الفتّان.

درع الحبيبة

ويزداد القلب رقةً واستعطافاً للحبيبة الهاجرة، ويذكّرها الشاعر بفروسيته وشجاعته، وأنه هو الذي يحميها حين يجدّ الجدّ، ويطلب منها أن تأخذه إليها، وأن يكون فارسها الذي يسير أمامها «جِدّامها» كي يكون ستراً لها وغطاءً من العاديات يحميها من نسمة الريح، وهذا مُنتهى الشجاعة والفروسية، أن يجعل الفارس من نفسه درعاً لحماية الحبيبة، ويصونها عن العيون تعبيراً عن منزلتها الرفيعة في قلبه الكريم:

خُذْني معاك وخَلّني عَنْكْ جِدّامْ

سِتْر وغَطا يِحميك والوقتْ حامي

ثم يزدادُ القلب رقّةً وحنيناً، فيطالب الحبيبة بالرجوع لمن يُغْليها ولا يفرّط في عهدها، عهد الظبية الجميلة التي تُشبه وحش الآرام، فالفرصة ما زالت قائمة، والقلب ما زال نابضاً بالحب، والعهد ما زال في الحفظ والصون، ولم يبقَ إلا أن تعود الحبيبة إلى فارسها الجسور الصبور الذي ما زال محافظاً على العهد ونداء القلب:

وارجع لمن يِغليك يا وحش الآرام

ما دام لك فرصة ع جذب اهتمامي

وعلى الرغم من هذا الوفاء النادر والرقة البديعة التي تليق بالفرسان، فإن ذلك لا يعني أن تظلّ الحبيبة مُعرضةً عن نداء الحبيب، لأنها إذا فعلت ذلك، فإن هناك تحذيراً وتلويحاً بأنه لا يرتضي الإقامة مع مَنْ لا يعرف الوفاء، فإذا حصل ذلك فإن الصدود سيكون هو الحلّ، وإذا صدّ الفارس فهو الصدود النهائي، صدود الحرّ والصقر السّبوق الذي لا تربطه الحبال، الذي إذا طار فلن يتلفّت إلى الوراء تعبيراً عن شهامة القلب، وكبرياء الفارس الذي بذل كلّ الحب، ولم يظفر من الحبيبة إلا بالجفاء والصدود:

لأني إذا صَديت في دور الايام

حرً وخرط منك سبوقه وحامي

النفس الأبية

وإمعاناً في التعبير عن الجرح والارتفاع بالنفس عن الحبيبة الجافية، يأتي البيت الأخير كي يُغلقَ القصيدة على إحساس عميق بالحزن برغم مظاهر القوة والتصميم على الغوص في أعماق السحاب، تماماً مثل النسر الذي لا يرضى بالقاع حين يتنكر له القاع، ويُحلّق عالياً حيث الهواء الصافي والإحساس العميق بالحرية وتحقيق الذات الحرّة الأصيلة:

ما تردّه الصيحه مِدْبر ولا رام

حدً يردّه واختفى في الغَمامي

صحيحٌ أن القصيدة انتهت عند هذه اللحظة العنيفة من الكبرياء والارتفاع عالياً عالياً، لكنني أكاد أجزم أنّ قلب صاحب السموّ ظل ينزف من جرح الحبيبة حتى وهو يعانق السماء، فالحبيبة مغفورة الذنب، ومهما بدا منها فهي أقرب إلى الروح من سماء المجد العالية، ورحم الله ذلك الشاعر الحزين حين قال:

لعَمْرُك ما قُرْبُ الديارِ بنافعٍ

إذا لم يَصِلْ حبلَ الحبيبِ حبيبُ

وليس غريباً مَنْ تناءتْ ديارهُ

ولكنّ مَنْ يُجْفى فذاك غريبُ

ومَنْ يَغتربْ والإلْفُ راعٍ لعهده

وإن جاوزَ السّدَّيْنِ فهو قريبُ

صاحبَ السموّ، طوبى لك بهذا القلب الكبير الجميل، القلب الذي يتسع للفروسية والحب ورعاية الدولة والوفاء للأصدقاء، ويحنُّ إلى الحبيبة حتى نظنّه عاشقاً من عُشّاقِ العرب القدماءِ الذين كانوا يذيبُ الحبُّ قلوبهم وأكبادهم، لكنهم يكتمون ذلك عِفّة وفروسية وإجلالاً للحب عن الرُّخْص والابتذال.