صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، هو الشاعر المثقل بهموم الأمة في الخارج، كما هو المثقل بهموم الشعب والدولة في الداخل، لذلك فإنه كلما أراد أن يبتعد عن هموم الحياة ومشاكلها لينام قرير العين راودته الأحلام، فتذكر أيام الصفا التي كانت تجمعه بإخوته وأصدقائه، لكن هاجس البعد والبون والفراق الذي تسبب فيه الصديق يرهق فكره، ويجعل اللقاء والتقارب إلى المستحيل أقرب، لدرجة أنه هو محروم حتى من الحدّ الأدنى من التلاقي وهو زيارة الأطياف في الحلم. يعيش شاعرنا الكبير مع نفسه في مثل هذا الجوّ في سواد الليل فيتعكّر مزاجه ويتكدر خاطره، فهو لا يتمنى مفارقة الأحباب ولا هجر الصديق لصديقه أبداً، كيف وهو الذي يستحضر في نفسه قول أبي فراس الحمداني:
ما كنت مذ كنت إلا طوع خلاّني
ليست مؤاخذة الإخوان من شاني
يجني الخليل فأستحلي جنايته
حتى أدلّ على عفوي وإحسانــي
إذا خليلي لم تكثــر إساءته
فأين موضع إحساني وغفراني؟
يجني عليّ وأحنو صافحاً أبداً
لا شيء أحسن من حان على جاني
يقظة وحلم
نعم... وإنني كشاعر أشعر بمدى المرارة التي يشعر بها صاحب السمو من خلّه الذي جفاه في اليقظة وجفاه في الحلم فيقول:
زاد الجفا حتى وصل لين الأحلام
وما عدت أشوفك زاير في منامي
واحترت ف أمرك هاجرني من العام
لين اختفى اسمك ما بين الأسامي
كني أطارد ظل غيمة فلا دام
غيمة يزاغيها يمانيي وشامي
أو كنّك إنته طيف ساكن في الأوهام
في قلب شاعر به جنون الهيامي
أرواح مجندة
إن الشاعر متعلق بصاحبه وليس له بد من صداقته، لأنه صديقه ورفيق دربه، لكن الصديق لا يبادله الإحساس نفسه، فكلما زاد الشاعر مقاربة زاد الصديق مباعدة، ذلك أن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.
ومما يروى عن أبي الأسود الدؤلي أنه كان له جار في ظهر داره له باب إلى قبيلة أخرى، وكان بين داره ودار أبي الأسود باب مفتوح يخرج منه كل واحد إلى قبيلة صاحبه إذا أرادها، وكان الرجل ابن عم أبي الأسود الدؤلي وكان شرساً سيئ الخلق فأراد سدّ ذلك الباب.
فقال له قومه لا تفعل فتضر بأبي الأسود وهو شيخ في قومه، وليس عليك في هذا الباب ضرر، فأبى إلا سدّه، ثم ندم على ذلك لأنه أضرّ به، فكان إذا أراد سلوك الطريق التي يسلكها منه بَعُد عليه، فعزم على فتحه وبلغ ذلك أبا الأسود فمنعه منه وقال فيه:
بُليت بصاحب إن أدنُ شبرا
يزدني في مباعدة ذراعـــــــا
وإن أمدُد له في الوصل ذرعي
يزدني فوق قيس الذرع باعا
أبت نفسي له إلا اتباعاً
وتأبى نفسه إلا امتناعا
كلانا جاهد أدنو وينأى
فذلك ما استطعت وما استطاعا
حالة جفا
نلاحظ هنا أن الشاعر الكبير الشيخ محمد بن راشد وصل مع صديقه إلى هذه المرحلة من الجفا والتنافر حتى استحال اللقاء، فيقول سموّه: لم يكن يتوقع ما حصل إذ على الأقل إذا انقطعت حبال الودّ في اليقظة فلا تنقطع حبال التزاور في الأحلام، لكن لم يحصل ذلك أيضاً.
وهذا كناية عن رسم أصعب صورة لفقد الأمل وتعبير عن منتهى اليأس، لذلك فإنه الآن في حيرة من تمرد هذا الصديق وقسوة قلبه وطول هجره له، وقد أدّى هذا الهجر إلى تناسيه من الذاكرة فلم يعد خياله يمرّ بباله رغم أنه كان قريباً منه فيما مضى من الأيام، بل أكثر من ذلك فإنه الآن عندما يتصفح أسماء أصدقائه وخلاّنه يجد هذا الاسم مفقوداً بين الأسامي حتى في دفاتره، ولا يحصل مثل هذا إلا إذا طال الزمن واستفحل أمر الهجر.
فسموّه الآن بدأ يشك في هذا الصديق الذي اختفى بهذه الصورة الرهيبة، ويشك في صداقته التي كانت تأخذ طول الوقت الذي مضى شكل المجاملة والمسايرة التي تبقى لبعض الوقت ثم تنمحي من الذاكرة.
شبّه الشيخ محمد بن راشد صداقته بظل غيمة دام لساعة ثم تحرّك مع تحرك الغيمة، وشبّه انبهاره به بمن ينخدع بالأوهام والأورام، في حين أن الشيخ محمد ليس إنساناً عادياً حتى ينخدع، وهو عندما أحب صديقه أخلص له وأسكنه في شغاف قلبه، ولا يزال يحبه لدرجة الهيام.
لكن ماذا يفعل إذا كان صاحبه متقلِّب المزاج مثل الريح تميل مرة إلى الشمال ومرة إلى الجنوب، والشاعر يقول في مثل هذا:
ولا خير في ودّ امرئ متلوّن
إذا الريح مالت مال حيث تميل
ثم يقول صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد:
خذني معاك وخلني عنك جدام
ستر وغطا يحميك والوقت حامي
وارجع لمن يغليك يا وحش الآرام
ما دام لك فرصه ع جذب اهتمامي
لأني إذا صديت في دور الايام
حرً وخرط منك سبوقه وحامي
ما ترده الصيحه مدبر ولا رام
حدً يرده واختفى في الغمامي
زراعة الأمل
ما أجمل هذه الأبيات التي يعود سموّه فيها يتفاءل بالأيام القادمة، أو يزرع أملاً أمام صديقه الشارد فيقول: ما زال أمامك فرصة، فأنت ما زلت في قلبي ولك في سويدائه بقايا الحب والود، وكأني به وهو يقول كما قال الشاعر.
لا شيء في الدنيا أحبّ لناظري
من منظر الخلاّن والأصحاب
وألذّ موسيقى تسرّ مسامعي
صوت البشير بعودة الأحباب
يقول إنني صديقك الدائم العهد الذي يحبك ويقف معك في الشدّة قبل الرخاء، ويدافع عنك إذا وقع عليك الضرر، فالصديق للصديق بمنزلة الترس والدرع الواقي، والصديق الصادق كما قال الشاعر:
إنَّ أخاك الصدق من يمشي معك
لكي يضرّ نفسه وينفعـكْ
ومَن إذا ريب الزمان صدَعك
شتَّت شمل نفسه ليجمعك
أعذب الألفاظ
يخاطبه الشيخ محمد بأعذب الألفاظ: «وارجع لمن يغليك يا وحش الآرام» وكم في هذا الأسلوب من الرجاء والمناصحة والاستعطاف، ويدعوه إلى ترك المكابرة والتعالي والتنافر والطيش، ويخاطبه هكذا لأنه ما زال موضع اهتمام الشيخ محمد الذي يتمنى عودته إليه وإلى صف إخوته، وهو ربما يعذره أحياناً لأنه تحت تأثير غيره، لذلك يصبر عليه ويداريه كما دارى المتنبي الذي يقول:
أصاحب نفس المرء من قبل جسمه
وأعرفها في فعله والتكلم
وأحلم عن خـلّي وأعلم أنه
متى أجزه حلما على الجهل يندم
الشاعر الحكيم
ثم يقوم الشيخ محمد بن راشد وهو الشاعر والحكيم والحازم الذي فرض هيبته على الدنيا، يقوم بتنبيهه أو إنذاره نهائياً، بأنه إذا ضيّع على نفسه فرصة العود إلى طاولة التفاهم والمصالحة والفرصة وهي ما زالت سانحة، فإنه بعد ذلك يستحيل أن يقبل منه أي اعتذار أو استعطاف لماذا؟ لأنه صبر عليه طويلاً، والمثل يقول: اتق غضبة الحليم.
وختاماً فالعتاب لغة الأحباب والأصدقاء التي يتبادلها المعاتبون قديما وحديثاً، وهو صابون القلوب إلا القلب الذي ران عليه صدأ الحقد الدفين، فمن لم يفهم لغة الإشارة لم ينفعه العتاب بل العقاب.