العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    قصيدة بديعة الاكتمال مبنىً ومعنىً

    الــزِّمَــنْ رَحَّــــالْ والــدِّنـيـا تــــدورْ

                                  غــيــرْ أنَّــــا مــــا يـغـيّـرنا الــزِّمـانْ

    حين يكون مطلعُ القصيدة هو عنوانها فهذا يعني أنها قصيدة بديعة الاكتمال: مبنىً ومعنىً، وهذه القصيدةُ الفائقة الجمال: لغةً وإيقاعاً وتصويراً ومضموناً أخلاقياً، تصطفُّ إلى جانب أخواتها من قصائد صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي يفيض قلبه بالوفاء ومراعاة العهد والاحتفاء بالحياة الماجدة المنتجة، ويتغنى بكل الشمائل الحميدة التي تنطوي عليها فكرة الفروسية وما تقتضيه من أخلاق الكرام وشمائل الفرسان، فهو كما سبقت الإشارة إليه في قراءة سابقة يمارس الفروسية فعلاً وقولاً وإدارة وأخلاقاً، ولا يزهو بشيء مثلَ زَهْوهِ بالحفاظ على أخلاق العرب الكرماء الذين يفتخرون بميراث الآباء، ويصونون هذا المجد مهما كانت التضحيات.

    وهذه القصيدة في جوهرها هي باقةُ ورد مُنسّقةٌ من أجمل الأزهار، قد أبدع صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في نظمها وبنائها وإيداعها الكثير الكثير من القيم الأخلاقية النبيلة التي تدور حول محور الوفاء للوطن ورجالاته الذين بنوْهُ بعرق الجبين وصانوه، وتكاتفت أيديهم في سبيل إعلاء بنيانه والارتقاء به إلى ذُرى المجد ومدارات الكمال.

    «الــزِّمَــنْ رَحَّــــالْ والــدِّنـيـا تــــدورْ» ينطلق صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، من هذه الحقيقة الصادقة البسيطة التي يعرفها الإنسان بخبرته الإنسانية، ويتلقاها من مدرسة الحياة دون الرجوع إلى كتب الفلسفة وعلوم الاجتماع، بل هي حقيقة عادية من عادات الحياة وتقلباتها، وهي على بساطتها إلا أنها عميقة التأثير في خَلْق المواقف الصادقة للرجال، فالمرْءُ لا يُعرف في الرخاء وإنما تُعرف الرجال عند الشدائد وعند دورة الأيام بالعسر واليُسر، فالناس جميعاً أصدقاء القوي الغني، حتى إذا دارت الأيام ظهر الصديق الوفي من المتملق الكذوب، وما أحسن ما قال الشاعر في وصف دورة الأيام فيما ذكره الجاحظ في (البيان والتبيين) من شعر بعض الأعراب حيث يقول:

    أرى الناس يبنون الحصون وإنما

                                    غوائلُ آجال الرجالِ حصونُها

    وإنّ من الأعمال دوناً وصالحاً

                                      فصالحها يبقى ويهلكُ دونُها

    فالوفاء والثبات على العهد هما خير أخلاق الرجال الصالحة التي تبقى على الدهر، ويتمدح بها الناس كائناً من كان فاعلها، وما زالت العرب تتمدّح بأخلاق الشاعر العربي اليهودي الجاهلي السَّمَوْأل بن عاديا الذي ضرب أروع الأمثلة في الوفاء بالعهد والحفاظ على أمانة الجار والمستجير، وهو ما عبّر عنه صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أروع تعبير بهذه اللغة الصافية الحاسمة الجازمة حين قال: (غــيــرْ أنَّــــا مــــا يـغـيّـرنا الــزِّمـانْ).

    وتأكيداً على دورة الأيام المتبدلة التي تكشف أخلاق الرجال، يأتي البيت التالي ليوضح جوهر الموقف الأخلاقي لصاحب السموّ من الوفاء بالعهد للوطن وقادته الذين تعاهدوا على حمايته ورفعته فقال:

    كــــلْ عـــامْ إيــمـرْ تِـتْـبَـدَّل إمـــورْ

                          ومـا إنـتبدَّلْ خـذْ عـلىَ هـذا ضمانْ

    بسالة وإقدام

    ثم يعلو صوت (الأنا / نحنْ) الجماعية الدالة على التلاحم الاجتماعي في نظرة صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حيث يتمّ التأكيد على الثبات عند حَزّة الامتحان التي تختبر معادن الرجال ولا يثبت لها إلا الفرسانُ الشجعان الذين يحضرون ببسالة وإقدام عند الفزعة والحاجة لحماية الوطن، تماماً كما قال الشاعر القديم في وصف شجاعة قومه وعدم ترددهم في إغاثة الملهوف والصريخ:

    لا يسألون أخاهم حين يندبهم

                             في النائبات على ما قال بُرهانا

    وهو ما عبّر عنه صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بقوله:

    نـحـنْ لــي وافـيـنْ لـلفَزعِهْ حـضورْ

                             ونـحـنْ لـي كـافينْ حَـزَّةْ الإمـتحانْ

    والحزّةُ هي الشدة التي تُختبر بها صلابةُ الرجال وثباتهم وصبرهم، فالرخاء ليس مجالاً للامتحان والكشف عن المعادن الأصيلة من الزائفة، لكن الحزّة هي المعيار الذي يميّز بين الباكي والمتباكي وبين الصادق والكذوب.

    وأحياناً يستحلي الشاعر كلمة مخصوصة في شعره، ويرى فيها نافذةً لبَوْحِ القلب ولمعة العقل، فجاء البيت التالي تأكيداً على مضمون البيت السابق بل على مضمون القصيدة كلها التي هي في جوهرها دفقةٌ نابعةٌ من أعماق الروح والقلب، وكانت كلمة (نـحـنْ) هي الكلمة السحرية في هذه القصيدة باعتبارها التعبير الصادق العميق عن وحدة القلوب والكلمة والسيف والقلم:

    ونحنْ لي شافينْ منْ عوقْ الصِّدورْ

                              ونـحنْ لـي عـافينْ مـعطينْ الأمـانْ

    فبالكرم والحزم والسماحة والشجاعة يتمّ استيعاب الناس بالعفو والعطاء وقيادة الجموع بالشجاعة التي تستخرج من الصدور كل أمراض القلب التي تعوق الإنسان عن الانطلاق والإبداع، لكن هذه الأخلاق الكريمة لا قيمة لها إذا لم تكن محروسة بالشجاعة والفروسية والمخاطرة في سبيل الوطن وحماية عموده من السقوط، فهو الخيمة التي تجمع أبناء الوطن في ظلها، وواجب القائد حماية البيت من السقوط بالوقوف جنب العمود (واسطة البيت) كي يظل البناء مرتفعاً، حماية للوطن ودفاعاً عن حماه حين يثور الخطر وينكص الجبان:

    لــي نـخـاطِرْ سـاعَةْ الـمخطِرْ يـثورْ

                                ولــي نـشَمِّر سـاعَةْ إيـبورْ الـجبانْ

    ويبدو أنّ هذه اللحظات الحميمة في القصيدة، لحظات الشجاعة والحميّة هي المحرّك الأساسي في هذا الاندفاع الشجاع نحو حومة الوغى دفاعاً عن الوطن وحِماه الأثير:

    عَـــنْ حـمـانا حَــزَّةْ الـحَـزِّهْ حِـضـورْ

                                ومـنْ لـقانا يـخافْ فـرسانْ الـطِّعانْ

    فرسان الوطن

    وتزداد الروح اندفاعاً في تمجيد روح الدفاع عن الوطن، والافتخار بقيمة الشجاعة؛ شجاعة الفرسان الذين يمتشقون السيوف المواضي اللواضي ويطعنون الفرسان في صدورهم ويأنفون من ضربة الغادر في الظهر، فالفرسان لا يضربون في الظهر، وإنما يجندلون الخصم وجهاً لوجه، وهو ما عبّر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أروع تعبير في قوله:

    بـالـمـواضي والـلِّـواضـي لـلـشِّـرورْ

                               مـا نـصَـوَّبْ فــي الـظـهورْ ولا نـهـانْ

    فبيّن بوضوح أنّ هذه الروح المحتدمة بالفروسية لا تخاف من جبروت الجبابرة ولا تنكص عن ملاقاة المعتدي، فمن يعادي الفرسان المخلصين في الحب لوطنهم يكون مصيره هو النهاية لا سيما حين يشتبك مع فرسان الوطن أصحاب الأيدي الطويلة على الخير (وافين الشبور)، فعلى هؤلاء الفرسان الكرام يراهن صاحب السموّ، وهم منذورون لحماية وطنهم والذود عن حياض كرامته وعزته.

    ومــــا عـلـيـنا يـــومْ جــبَّـارٍ يــجـورْ

                           ولــي يـعـادينا بـوقـتْ الـكـونْ حـانْ

    جـنـدنا الـشِّـجعانْ وافـيـنْ الـشِّبورْ

                               الأسـودْ الـلِّي بـهمْ كَـسبْ الرِّهانْ

    هؤلاء الجنود ليسوا مرتزقة، بل هم كأشجار الوطن متجذرة في ترابه يحفظون عهده ويصونون ترابه، ويقدمون الأرواح رخيصة في سبيل مجده وعنفوانه:

    حـافـظـينْ الـعَـهـدْ مـوفـينْ الـنِّـذورْ

                                يـــومْ جَـــوْ الـمـعـركَهْ نــارْ ودِخــانْ

    والـصِّوارمْ فـي الـصِّدورْ وفي النِّحورْ

                                   والــمــنـايـا حـــاضـــراتٍ لــلـعـيـانْ

    ثم تأتي هذه الصورة البديعة التي تُشبّه فرسان الوطن بالصقور الجارحة، التي تنقضّ على الصيد وتجثم عليه وتبدّد إحساسه الزائف بالأمان:

    وهُــمْ لـهـا عـنـدْ الـمـلاقاهْ الـصِّقورْ

                                والـمـعادي الـصِّـيدْ مـا حَـصَّلْ أمــانْ

    وتزداد الصورة توضيحاً وتقترب من حدود السخرية بالأعداء الذين لا يعرفون حدودهم ولا يعرفون شكيمة أبناء الإمارات وشجاعتهم، حين يصفهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بالضباب في جحورها وقد انقضت عليها الصقور فأخرجتها من تلك الجحور في صورة مُزرية:

    لــوُ تـلايَـوْا مـثـلْ ضـبَّـانْ إفْ جـحورْ

                                        نظهِرْ اللِّي في السَّرَبْ يبغي مكانْ

    عزيمة لا تلين

    وحين يفرغ صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من تصوير هذه اللحظات الحاسمة في الموقف الرجولي ينعطف بالفخر بأبناء الوطن: قادة وشعباً، وأنهم مشهورون بالعزيمة وعدم التخاذل في نصرة الوطن، وأن سيرة الأجداد هي سيرة رجال أمجاد، قد ارتوت أسنّة رماحهم من دماء الأعداء الطامعين في كبرياء الوطن وتوهين عزّته:

    عـزمنا مـشهورْ فـي سـنينْ ودهورْ

                             كــمْ رووهـا الـنَّاسْ فـي كـنَّا وكـانْ

    وسـيرَةْ الأمـجادْ تـنوِرْ فـي السِّطورْ

                              عَــنْ قـيـودْ الأرضْ مـروينْ الـسِّنانْ

    وهؤلاء الأمجاد هم أجداد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وارث حكمة والده الجليل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي ما كانت تنام عيناه عن مصلحة البلاد، ولم يغادر الدنيا حتى ضمن مكانته الخالدة في نفوس أبناء شعبه الذين أحبوه من أعماق قلوبهم، لما لمسوه من الحكمة والحب الصادق لهم والحزم في إدارة الدولة، فكان ملكاً على عرش قلوبهم لا ينسون ذكراه الطيبة مهما تبدلت الدنيا ومهما دارت الأيام:

    وعَـــنْ زعــيـمٍ زادْ نــورٍ فــوقْ نــورْ

                          ولـلـوطَنْ والـشَّـعبْ بـالـتَّدبيرْ صـانْ

    ذاكْ بــوخـالـدْ بــــهْ إتِّــــمْ الأمـــورْ

                          اللهْ لِــهْ عَ الـخـيرْ والـمـعروفْ عــانْ

    نـعـمْ بـمـحمَّدْ لـهـذي الــدَّارْ سـورْ

                              ونـعـمْ بـإخـوانِهْ لـهُمْ مـنِّي إمـتنانْ

    وما زالت الرجال تستند في إدارة البلاد إلى الرجال، وهذه الدولة يقوم على مصالحها وإدارة شؤونها أبناء المغفور له الشيخ زايد، رحمه الله، ممن يقفون إلى جانب صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، كالسيوف الصقيلة، كي يقوى بهم ظهر الوطن وتشرق شمسه الوهاجة.

    أمنيات بالخير والأفراح

    ثم يختم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم هذه القصيدة الجميلة، برفع أصدق أمنيات السعادة بالعام الجديد، وأن يكون عام خير وبركة، وأن تظل الإمارات بلد خير وعطاء وإنجاز:

    إنـتـهـىَ عـــامْ وبــدىَ عــامٍ يــزورْ

                           وإسـتِـلَمْ الأوَّلْ مـنْ الـثَّاني الـعنانْ

    اللهْ يـجـعَـلْ عـامـنـا كــلِّـهْ ســـرورْ

                         والـوطَـنْ فــي خـيرْ وأفـراحْ وجـنانْ

    نعم، إن الوطن بخير ما دام محفوفاً برعاية أمثالكم يا صاحب السموّ، فأنتم من يحمل هموم الوطن بقلبه، وأنتم من يسعى في بناء مجده والارتقاء به نحو مكانته اللائقة به بين الأمم، وستبقى هذه الدار عَماراً بعون الله وتوفيقه.

    طباعة Email