في أحد أيام شتاء عام 1982، وكعادة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي كان كثيراً ما يتجول في المدن الإماراتية، ليطمئن على أحوال الناس ويستمتع بالأجواء الجميلة والإنجازات اليومية التي تظهر في الإنسان والبناء والشارع الإماراتي.

يومها كان يقود سيارته بنفسه في أبوظبي، وأولوية المرور في بعض الدوارات المغلقة في العاصمة للقادم من اليمين على عكس باقي الدوارات، ولم يكن على السيارة علم أو إشارة إلى أن صاحب المركبة من الشخصيات المرموقة كما هو معتاد من قبل رؤساء الدول، ولم يكن أمام سيارته ولا خلفها أرتال سيارات الحراسة.

وصل، رحمه الله، بسيارته إلى دوار مغلق، ليفاجأ بسيارة تاكسي يقودها سائق آسيوي تصطدم بسيارته بقوة، وبعد أن أدرك المغفور له أن أولوية المرور كانت للسائق، عفا عنه وأرضاه، ليقدم بذلك نموذجاً عالمياً في التسامح.

كما يزخر تاريخنا الإسلامي بنماذج رائدة في التسامح، ولنا في سيدنا - محمد صلى الله عليه وسلم - القدوة والمثل والأسوة الحسنة، وفي سيرته العطرة ما نعجز عن حصره. ومن المواقف الكريمة لصاحب أعظم وثيقة للتسامح: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، التي قالها الرسول صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، وصفح من خلالها عمن أساء إليه.

وهذا موقفه مع أهل الطائف عندما ذهب ليدعوهم إلى الإسلام فأخرجوا الصبية الصغار يطاردونه سباً وقذفاً بالحجارة حتى دميت قدماه الشريفتان، فنزل ملك الجبال وقال يا محمد لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين، فيقول صلى الله عليه وسلم قولته التي سطرها التاريخ بأحرف من نور: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»، ويرفض قائلاً: «لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحد الله»، وهذا هو العفو عند المقدرة في أبهى صوره.

جاء الإسلام لتقويم وتهذيب سلوك الناس، وجعل التسامح حرية، فأطلق بدورك العنان لروحك وحرر نفسك من الماضي بالصفح والعفو عن المسيئين إليك، لتتمكن من توجيه قدراتك نحو ما يحقق لك النجاح في البيت والعمل والشارع، وبالتالي لتلعب دوراً في إنعاش أخلاقيات التسامح ضمن فصل ليبرالي عربي جديد، ومنظومة حقوق الإنسان في بعدها الكوني.

ديننا الحنيف جاء لمحاربة التعصب والعصبية واللا تسامح، التي تشكل تضاداً وتعارضاً لمفهوم التسامح، وتنشر العنف والكراهية والتعصب وعدم الاعتراف بالآخر واختلافاته وحرياته ومعتقداته.

لذا، كان لابد من توفير تربة خصبة تنمو فيها الأخلاق العربية والإسلامية الأصيلة، لتسهم بشكل مباشر في الحد من الصراعات والقضاء على الحروب والتعايش من دون خوف أو إكراه بين جميع فئات المجتمع العربي بشكل عام، والإماراتي على وجه الخصوص.

التربة الخصبة هي نتيجة تضامن جميع مؤسسات الدولة التي تعمل جاهدة من أجل بناء الإنسان أولاً، ومن ثم تحفزه على بناء الأوطان من خلال تأسيس تصور جديد للتسامح، يرتبط بعلاقة وثيقة مع حقوق الإنسان ومفهوم الديمقراطية والسلام العالمي، وبالتالي يتحول التسامح من قيمة في البداية إلى قانون يسري تطبيقه على الجميع، ويعاقب من يخالف قواعده وتعليماته.

التسامح في دولتنا أسلوب حياة، فكلما تعلمت أن تغفر كلما تحولت الطاقة التي كنت تفقدها في التفكير السلبي، والمشاعر التعيسة، إلى طاقة لخلق الحياة التي ترغب بها وتتمناها.