«ترق القلوب كلما تقدم بها العمر»، هكذا نسمع من أصحاب الخبرات الذين يعيشون معنا تحت سقف بيتنا أو مكتبنا أو في الشارع. ونتعلم ونحن نكبر كيف نتعامل مع الآخرين، ونحاول أن لا نقع في الإثم ولا نحصد السيئات، مع غياب واضح للحب، الكلمة الحرام في مجتمعات ترزخ تحت وطأة الجهل، وتفتقر إلى الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، البعيدة عن تعاليم ديننا الحنيف، والمتمسكة بعادات جاهلية موروثة.

الحب هو نشر للقيم الإنسانية التي دعا إليها الإسلام منذ 1400 عام، ليعم الخير سائر أرجاء المعمورة. ومن تلك القيم الإيجابية: التسامح، الذي انتقلت عدواه اللذيذة إلى العالم الجديد مع ظهور ملامح الحداثة الأوروبية في القرن الثامن عشر الميلادي، وبفضل توفر عدة شروط اجتماعية وسياسية، من أهمها: تأسيس دولة القانون والمجتمع المدني ونمو الثقافة النقدية والقانونية، حيث اقترن ما تقدم بالفكر الليبرالي والتعددية وحرية التفكير والمساواة والحقوق الطبيعية.

من هنا، ظهر التسامح في أوروبا كفضيلة أخلاقية فردية، جاءت ضمن مفاهيم حرية الرأي والفكر والتعبير بصفة عامة. وظهرت عدة مؤلفات حول التسامح، خاصة ما كتبه الفيلسوف التجريبي والمفكر السياسي الإنجليزي جون لوك، في رسالته عن التسامح عام 1689، وبعده الكاتب والفيلسوف الفرنسي فولتير، الذي يعتبره الكثيرون .

فيلسوف التسامح بامتياز، لأنه ارتفع بالتسامح واقترب به من المعنى المعاصر، يقول: «كلنا ضعفاء وميالون للخطأ، لذا دعونا نتسامح مع بعضنا البعض، وذلك هو المبدأ الأول لقانون الطبيعة، المبدأ الأول لحقوق الإنسان كافة».

التسامح طريق الأقوياء نحو السعادة، والذي لا يقدر عليه الضعيف، فاحترام الآخر وتقبله والتعايش معه، ومنحه فرصة التعبير عن رأيه وتفهمنا لفكره وثقافته، يضفي مزيداً من الفرح على حياة الناس عامة.

وتبدأ غرسة التسامح بالنمو في أطفالنا يرافقها الحب لتتكون لديهم «قلوب ذكية»، حيث الأسرة هي المعلم الأول ومن ثم تعاونها المؤسسة التعليمية والمؤسسات الأخرى، وذلك بهدف تنمية «الذكاء العاطفي» لديهم، بما ينمي قدراتهم ومهاراتهم العقلية والذهنية، وتوسيع مداركهم ومعارفهم، وتهيئة البيئة المستقرة المناسبة لتنشئة أطفال إيجابيين، يمكنهم التعامل مع صعوبات الحياة ومواجهة تحدياتها.

القدوة هي التي تشكل الصفات الحسنة الأولى للطفل، ومن ثم تصبح عادات أصيلة لديه حين يكبر. يمكن للوالدين أن يلعبا هذا الدور المهم، فسلوكهما مرآة أطفالهما، والحب الذي يبديانه في البيت والعمل والشارع، مع الأهل والصغير والكبير والجار والصديق، يؤثر في علاقتهم الأسرية ومن ثم العلاقة مع الحياة في الخارج.

ومثال على ما تقدم، كنت في زيارة لصديق لديه ابن (6 سنوات) وبنت (4 سنوات)، الصغيرة وقعت على الأرض وبدأت بالصراخ، وشاهدت الاهتمام الذي تلقته من أخيها الذي أخذ يحتضنها ويقبلها، وهي بدورها هدأت وركنت إلى عطفه وحنانه. إذن فالحب سلوك يمكن تعليمه وممارسته وتنميته لدى الأطفال، ومن ثم نتمكن من بناء «مجتمع الجسد الواحد».