العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    قراءة في قصيدة «آحِبْ» لمحمد بن راشد

    ترتيلةُ حُبٍّ للبادية

    صورة

    في قلب كل شاعرٍ صراعٌ بين الأمكنة، وتحديداً بين المدينة والطبيعة (الريف أو البادية)، وقليلةٌ هي اللحظات التي تنتصر فيها المدينة في هذا الصراع، فالتكوينُ الروحي العميق للإنسان يظلّ وفيّاً للترانيم الأولى التي تشرّبتها روحه، ومهما كانت المدينةُ لامعةَ الأضواء فإنّ البادية ببساطتها وعَفْويتها تظلُّ أكثرَ جاذبيةً وإلهاماً للأرواح التي تشربّت إيقاعَها، وتنسّمت خُزاماها، وشربتْ من شيحها وقيصومها، وطاردت غزلانها، واصطادت بصقورها وعُقبانها.

    هذه القصيدة على كثافة أبياتها ترسم لوحةً فنيةً فريدة لمجموعة من الصُّور المستلهمة من حياة البادية الأصيلة، تعبيراً عن الحب المتجذّر في حنايا القلب لهذا الأُفق الروحي لصاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد الذي يتحمّل الأعباء الجسيمة في إدارة الدولة ورعايتها بعَيْنِ الصقر ومن صميمِ القلب والروح، والتصميم على البلوغ بها إلى مصافّ الأمم المتقدمة.

    لكنّ ذلك كله لا يمنع هذا الفارسَ الوفيّ لتقاليد الحياة البدوية الأصيلة من الترنُّم بهذه الأحاسيس الرائعة التي تعبّر أصدق تعبير عن اكتمال الفروسية والأصالة الروحية والثقافية والأخلاقية لسموّه، فهو الرجل الذي أسهم إسهاماً مشهوداً في بناء واحدة من أرقى المدن الحضارية (دُبَيّ) التي يتدافع إليها الناس للاطلاع على القفزة الحضارية الهائلة التي بلغتها بجهود صاحب السموّ، لكنّ ذلك كلّه لم يجفف ينابيع الحب للبادية وتقاليدها الأصيلة، فجاءت هذه القصيدة الشجية المتأملة الهادئة الإيقاع مثل (صلاة الناسك) في محراب العشق الجميل.

    آحِبْ شمسْ الضُّحى بالنور تِهْديني

    وآحِبْ صوتْ المطَرْ إذا جرى وِدْيانْ.

    لا يخفى على أي متذوّق للشعر أنّ سرّ الشعر يقوم على ثلاثة أركان أساسية، هي: الصورة الجميلة، والموسيقى البديعة، والمضمون الرصين، وإنّ من يتذوّق شعر صاحب السموّ في جميع قصائده يتأكد من هذه الحقيقة حيث تموج قصائده بالموسيقى الساحرة، وتُبدع في تشكيل الصُّوَر الفنية الجميلة، فإذا أُضيفَ إلى ذلك هذه المضامينُ الأخلاقيةُ والاجتماعية، كانت تجربته الشعرية في مدارج الكمال الفني والمضموني.

    لكن قراءتي لشعر سموّه تعتني أساساً بالمضامين الأخلاقية والدلالات الاجتماعية والثقافية في المقام الأول، إلا أنّ ذلك لا يقف حائلاً بين التحليل المضموني وبين بعض الإشارات إلى ملامح الإبداع الفني بين الحين والآخر، فهذه القصيدة قد جاءت مكتملة على المستوى الفني من حيث موسيقاها الرائعة والتصوير البديع للفكرة من خلال مجموعة من الصور التي تدلّ أعمق الدلالة على صدق التجربة الشعرية وأصالتها.

    تصاوير بديعة

    (شمسُ الضحى): واحدةٌ من أجمل الصور التي اعتنى بها القرآن الكريم والشعر العربي القديم، فقد كان العربي شديد الإحساس بهذا الجمال الفريد للشمس في هذا الوقت الذي يحمل في مغزاه بداية دورة الحياة، وانطلاق الروح نحو العمل والإنجاز، فهي أمارة العافية، وسِراجُ العزيمة، وإشارة الحيوية والإقبال على دورة الحياة والإبداع.

    وقد أقسم الله تعالى بهذا الوقت الشريف تعبيراً عن جلالته وتفرده فقال سبحانه:﴿ والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها ﴾، وللضحى عند أهل العرفان أسرارٌ تَخْلِبُ القلب والروح، فهم يقولون إن الله تعالى كلّم موسى، عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام، وقتَ الضحى، كما جزم به الإمامُ البيضاوي في تفسيره، وهم يترنمّون في خلواتهم بالشوق إلى شمس العرفان والحضور، حتى قال قائلهم في هذا المعنى البديع:

    متى القلب الشجي المُضْنى لمَغْناكم يعودْ

    وشمس الحضرة الحَسْنا تُوافي بالشهودْ

    فالشمسُ هي دلالةُ النور والهداية، وإذا طلعت شمسُ المعرفة الإلهية في القلب فقد اكتمل نصيب الإنسان من السعادة والتوفيق، لذلك قال سموّه تأكيداً لهذا المعنى الروحي اللطيف (بالنور تِهْديني)، والنور اسمٌ من أسماء الله سبحانه، بل هو نور السماوات والأرض كما جاء مُصرّحاً به في قوله تعالى:

    ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: 35]، قال ابن عباس فيما نقله البغوي في (تفسيره): «الله هادي أهل السماوات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهُداه من الضلالة ينجون، فالنور سرُّ الهداية ورمزُها، والشمسُ رمزٌ لهذه الهداية حسّاً ومعنىً».

    سر الحياة

    (وآحب صوت المطر إذا جرى ودْيان): والمطر هو غيثُ القلوب والعباد والبلاد، به امتنّ الله تعالى على الخلق، وبه أحيا الله الأرض وبثّ فيها من كل دابة وأنبت فيها من كل زوج بهيج، فهو سرُّ الحياة وسرُّ الجمال والبهجة، كيف وقد قال سبحانه:

    ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11﴾[ق:9-11]، ولا تجري الأودية بماء المطر إلا إذا كان غزيراً نافعاً، فإن الجريان فيه النفع والخير، بل إن صوتَه يُثير في النفس السعادة والسكينة والاستبشار برحمة الله، بخلاف السيول الجارفة التي ربما تُفسد الحرثَ والزرع، فصوت المطر هنا تعبير عن هذه النعمة السابغة في الغيث الذي تحيا به البلاد، وتُزْهرُ به الصحراء بنباتاتها الرقيقة النافعة، وانفعال النفس بهذه النعمة الجليلة هو تعبير بلسان الشكر لله تعالى، وتعبير عن الإحساس المرهف بالجمال الذي يروق للعين والسمع، وهذا من كمال الشاعرية، فالشاعر المبدع هو الذي يلتقط كل معالم الجمال في الحياة، ويصوغها في هذه القلائد الفنية الفريدة، وهو ما تشهد به أشعار صاحب السموّ الذي يجري الشعر على لسانه غريزة طبيعية تعبّر بصدقٍ وعفوية عن أدق المشاعر الإنسانية تجاه الحياة والأشخاص والطبيعة.

    وفي البيت الثاني يتلفت صاحب السموّ إلى شاعر العرب الأكبر أبي الطيب المتنبي حيث يقول:

    (والخيلْ والليلْ وأشواقٍ تناديني)

    لنتذكر جميعاً ذلك الإنشاد الخالد للمتنبي حين يقول:

    الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني

    والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ

    فالفروسية ميراث يتوارثه الرجال الشجعان، يترنمون به تعبيراً عن مطالب الروح والقلب، وها هنا يصرّح صاحب السموّ بأن الخيل وسَمَرَ الليل وسهره والسير فيه هي من محبوباته الدالة على كمال فروسيته، فالليل هو عنوان الشجاعة في الحياة البدوية، وكم تمدّح الشعراء بالسير ليلاً ودَوْسِ الظلماء، في إشارة إلى ثبات القلب وشجاعته وعدم الخوف مما يخاف منه الناس، ثم يزداد التصميم على قطع المفاوز حين يكون الحنين داعياً للقلب، وهو ما تم التعبير عنه في قول سموّه: (وأشواقٍ تناديني)، فالحنين إلى الحبيب نداءٌ لا بدَّ من تلبيته مهما كان الثمن، وكم تحسّر المتنبي أيضاً على بُعد الأحباب من المَزار حين كان في مصر وحنّت به الأشواق إلى العراق فقال:

    أمّا الأحبّةُ فالبيداءُ دونهمُ

    فليت دونك بيداً دونها بيدُ

    ولا تكتمل الصورة إلا بالقصيد، فهو سرُّ السرّ في الروح العربية الأصيلة، ولو اجتمع للعربي البدوي كلُّ طيبات الدنيا ما طابت نفسه بالعيش إلا بِجَرّة الربابة على سَجْع القصايد، فهنا تكتمل دائرة الطرب والكِيْف والفروسية، وقديماً قال الفاروق المِقدام عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: «لا تَدَعُ العربُ الشعرَ والغناء حتى تدعَ الإبلُ الحنين»، تعبيرا عن استحالة ذلك، وها هنا يقابل صاحب السموّ بين صوت الماء العذب الجاري كما تمّ تصويره في البيت السابق، وبين صوت القصائد العذبة وهي تجري بألحانها بما يُشنّف السمع، ويُرشرشُ على القلب رَذاذَ الأصوات العذبة، فلذلك جاء هذا التصوير اللطيف البديع في قوله:

    (وسَجْعْ القِصايد فَرايد جارياتْ ألحانْ)

    فإذا اشتعلت الروح بالطرب، تاقت إلى الصيد والقنيص، وللبادية تقاليدها الراسخة الفريدة في الصيد بالطيور، ولا سيما الصقور، وهو ما عبّر عنه صاحب السموّ بقوله:

    (وآحبْ وقتِ الهَدَدْ والليل يِضويني)

    (على سوالفْ قَنَصْ ومَزامَطْ وحِلْفانْ)

    (ووقت الهَدَدْ): هو وقت إرسال الصقر على الصيد، فهي لحظة فريدة في تقاليد البادية، حيث ينقضّ الصقر على القنيص، ويطارده ولا يزال به حتى يمسك به، فإذا كان ذلك مقروناً بالمزامطة، يعني التحدي، كان أكثر بهجة للروح، وأكثر إثارة ومُتعةً للفارس القنّاص، فتعليم الجوارح ليس بالأمر السهل، وهو من دلالات الخبرة والرجولة، وقد حثّ الإسلام على تعليم الجوارح من الطيور والسباع فنّ الصيد والقنص، وجعل صيدها حلالاً طيباً، قال تعالى مبيّناً ذلك بأجلى بيان:

    ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مكلّبين﴾ [المائدة: 4]، والطيور من الجوارح كما ذكره البغوي في تفسيره الجليل. وما استمتع الفارس البدوي بشيء مثل استمتاعه بصيده الذي يُشْلي عليه صقره وشاهينه، فهو مُتعة للروح، وممارسة لنعمة امتنّ الله بها على عباده في إباحة الطيبات.

    هذا أنا

    (هذا أنا): بهذا الصدق والوضوح والعفوية يقول صاحب السموّ مخاطباً سائلته على عادة الفارس البدوي الذي لا بد له من استحضار طيف امرأة في القصيدة قد تكون الزوجة وقد تكون الحبيبة، لكن القصيدة لا تكتمل مطلقاً دون وجودها، فهي الجوهرة، وهي التي يتمّ تقديم المجد إليها من يد الفارس الشجاع (وإنْ سألتي وِشْ يسلّيني) ليأتي الجواب مثل دُرّةٍ بدويةٍ صافية:

    (باقولْ لكْ لي يسلّي قايد الفرسانْ)

    وليس من المجاملة في شيء أن يقول الإنسان: إنه أحياناً يشعر بالغيرة من مطاوعة اللغة لصاحب السموّ، وكيف يستطيع أن يعبّر بكل هذه البساطة والصدق عن أدقّ خلجات النفس، ليتمّ التأكيد مرّة أُخرى أن الشعر في نفس سموّه طبيعةٌ وغريزة لا يحتاج معها إلى تكلُّف القول أو اصطناع التعبير.

    وبنبرة لا تخلو من الفخر والإحساس العميق بالمجد يأتي هذا التعبير البديع (قايد الفرسان)، ليلخّص الحكاية كلها، وأن محبوبات سموّه محبوبات الرجال الكرام والفرسان الشجعان، وأنه لا يُعرّج إلا على المطالب العالية كما تبلورت في حياة البادية المسكونة بالشعر والحنين والصيد والفروسية وشمس الضحى والخُزامى والبَهار.

    ثم كانت الخاتمة التي تليق بهذا الغناء الصافي الفياض من نبعة القلب:

    مُهْرَهْ بميدانْ والعاصِفْ يباريني

    وآحسْ أنِّي مَلَكَتْ الأرضْ والأكوانْ

    خاتمة فارس يعشق المجد وركوب الخيل في أعنف لحظات التحدي، في الميدان الذي تعصِفُ به الريح وتباري الفارس ويواجهها بقلبه الشجاع، ويشعر مع ذلك كله بأنه يملك الأرض كلها، ولا غرابة في ذلك، فإن لحظة تحقيق الذات هي لحظة امتلاك كل شيء، والفروسية عند صاحب السموّ ليست مقصورةً على ركوب الخيل وارتجاج الأرض من عصف الصوت، بل إنه يمارسها في كل مناحي الحياة، فهو يسابق الزمن في الارتقاء بالوطن، وتسكنه روحُ الفروسية والتحدي في مواجهة المعضلات التي ينكص أمامها الفرسان، وها هي دولته شاهدة له بأنه الفارس الرائد الذي يتقدّم الصفوف في حماية الوطن والارتفاع به إلى الذُّرى العالية.

    المعجزات

    أحياناً يتساءلُ الإنسان: كيف يتأتّى لصاحب السموّ الجمع بين إدارة الدولة ضمن رؤية حديثة وإيقاع سريع، وبين فيض القلب بهذا الغناء الصافي العذب الجميل؟! ويأتي الجواب صافياً كالغناء: أن الحبّ يصنع المعجزات، فصاحب السموّ عاشق للوطن وللحياة المبدعة وللإنسان المِعْطاء، فعلى قلبه الطيبِ النبيل المحبةُ والسلام.

    طباعة Email