سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاك الله.
سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رعاك الله.
في ظل صاحب السمو رئيس الدولة، تفتخر بكما الدولة والحكومة، ويفتخر بكما أهل الخليج، وتفتخر بكما الأمة العربية والعالم بأسره، وإنكما اليوم نموذج أمثل لمن يبحث عن القدوة الطيبة، ولقد تميزتما، كما تميز زايد، فزايد كان قائداً وأنتما كذلك، وزايد كان رجل الإنسانية وأنتما كذلك، وزايد تواضع للناس وشكر الله وأنتما كذلك.
سيدي الشيخ محمد بن زايد، إذا كنت أنت تقول: محمد بن راشد تاج رأسي، فإن قصيدة أخوي محمد تاج رأس القصائد كلها، لأنها وصّلت الرسالة التي تحملها أنت إلى المستقبل، أسأل الله ألا يفرق بينكما، لقد مثلت القصيدة المحمّدين في أبهى صورهما، وهما يرتقيان إلى قمة الأخلاق والأدب والاحترام المتبادل.
هذه الأخوة النموذجية والمثالية الصادقة التي يتحلى بها هذان العملاقان، تردّ اليوم على الكثير من المزاعم والأباطيل والدسائس المسمومة المندسة بين الرسائل المتبادلة عبر الرسائل الإلكترونية.
المدرستان
إن زايد وراشد كانا مدرستين بحق وحقيقة، تربى فيهما محمد بن راشد ومحمد بن زايد، ثم أصبحا جامعتين، فتخرج القائدان فيهما، وخرجا إلى العالم ليبهرا القاصي قبل الداني بثمار تلك التربية والصحبة الراقية.
وإنني أقول لمن يقرأ هذه القصيدة، إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، يستحق أن يقول عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد: هو تاج رأسي، فلا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل، ثم من هو محمد بن راشد؟، هو الذي يفتخر بأنه كان يوم سيح سديرة يقف أمام زايد وراشد يصبّ القهوة لهما.
ولعمري من حضر تلك الخصوصية وتلك الواقعة، واقعة تأسيس دولة الاتحاد المجيد، فمن غير تشبيه، يستحق أن يطلق عليه لقب السادة البدريّين، ولنا في رسول الله أسوة حسنة، فقد كان صلى الله عليه وسلم، يصنف أصحابه تصنيفات عدة: فمنهم المهاجرون الأولون، ومنهم البدريّون الذين قال الرسول عنهم: وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: أهل بدر اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم ما سبق من ذنوبكم.
ومنهم من كانوا العشرة المبشّرة بالجنة، ومنهم أصحاب الشجرة في بيعة الرضوان أو صلح الحديبيّة، وهكذا، فلكل منهم مقام معلوم، والأجر على قدر المشقة والتضحية والقرب من الله، أو من القائد.
فخر وتاريخ
نعم..... ونحن العرب أهل تاريخ نفخر بالقبيلة ونشيد بالدور الرجولي لمن برز فينا من أبناء القبيلة، وقد ترك أجدادنا موروثاً كبيراً من مكارم الأخلاق، فالأبناء ليسوا عظاميين دائماً، بل عصاميون أيضاً، ومع ذلك، فإنهم يتمّمون شرف الآباء، كما قال طُرفة:
ورثوا السّؤود عن آبائهم
ثم سادوا سؤوداً غير زمر
وها نحن نفتخر بزايد وراشد، ونفتخر بصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، ونفتخر أيضاً بصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، وكم نحن اليوم محسودون عليهما، بل ونفتخر بياس أرومة النسب التي أنجبت آل نهيان وآل مكتوم، وذلك حق أيضاً، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم، يفتخر بموروثه المعنوي، ممثّلاً في جده عبد المطلب، فيقول: أنا ابن عبد المطلب، ولم يذكر والده، لأن جده كان أعظم شأناً.
قال ابن إسحاق في مغازيه: وكان عبد المطلب من سادات قريش، محافظاً على العهود، متخلقاً بمكارم الأخلاق، يحب المساكين، ويقوم في خدمة الحجيج، ويُطعم في الأزمات، ويقْمع الظالمين، وكان يُطعم حتى الوحوش والطير في رؤوس الجبال.
إعجاب كبير
وإننا اليوم عندما نقرأ لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد قصيدته المطولة، نتذكر مثل تلك الصفات، فتتولد فينا الشهامة والرجولة، والناس على دين ملوكهم.
وبالمناسبة، إنني وجدت في مجمل الأبيات أن سموه معجب أشدﱠ العجب بأخيه الشيخ محمد بن راشد، فمرة يسمّيه معلّمي، ومرة يسمّيه تاج رأسي، ومرة يناديه بيا سيدي وسناد عزمي، ومرة يسميه منار العلم.
هذا الإعجاب لم ينبعث من الفراغ، ولم يتولد فجأة، فهما أخوان، وهما زميلان، وهما رفيقا درب، وبينهما الكثير من الصفات والرؤى والهوايات التي تجمعهما، فاليوم عندما يقول الشيخ محمد بن زايد عن سموه:
تقْبِل الأيام بِحمولٍ ثِقال
وتنثِني وان صادِفَت منْكب صمل
بين دورات الليالي والنّزال
ما يفوز الاّ من يعاضِد رَجِل
والرّجال انواع والوَقْفه سِجال
حَد يَرهيها وحَد منها يِفل
وحَد لو ما قِلت له.. صاير تعال
عارف المِدخَل وعارف من دِخَل
وعارف اجلال المعاني مِ الهِزال
في أراضي المَعرفَه عقله بهَل
ذاك اخُوي مْحَمّد اللي يوم قال
كلْمتَه ما تنثِني (قول وفِعِل)
لم يقل سموه عن سموه هذا الإطراء، إلا بعد تجربة ومعرفة تامة به وبقدراته وبنيّاته الطيبة وحبه لزايد وأبناء زايد، وإخلاصه للوطن ودولة الاتحاد، وتكفي كلمة ( ذاك أخوي ) وهذا أسلوب جدّ بليغ إذا أردت أن تلفت نظر السامع أو المخاطب وتعجزه أو تفحمه، وقديما قال الفرزدق لجرير:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع
والجميل في الأمر، أنه وصف الشيخ محمد بن زايد، الشيخ محمد بن راشد، بما هو فيه، من غير أدنى مبالغة، فهو حمّال الثقال فعلاً، وهو خير أنواع الرجال، وهو الخبير بمداخل الأمور ومخارجها، وهو المدهش في عالم المعرفة، وهو حلّال الصعاب، وهو قاهر المستعصيات، ثم يقول:
طَوّع الصّعبات لين العود مال
وانْطِوَت في قبضِتَه طَيّ السِّجِل
يا منار العلم لي ما عَنْك فال
ضوء عِلْمِك في سِما العالم شِعَل
نِقتِدي بِك يوم لَارْيا في ضلال
صار في القمه لِنا وَسْم وعَزِل
سيّدي يا سْناد عَزْمي بكِلّ حال
والصعود وْياك جَنّبنا الفشل
إن لقيت لْيَه على الصعب احتِمال
مَدّة ايدك خَلّت الكايِد سهل
والله انّك يوم صَكّات الحبال
سيف يمنى حدّك رهيف النّصِل
تاج راسي عِزّ في سُود الليال
عِزْوتي وان غِلْق للشيمه سِبِل
أقول بصراحة، أنا لم أقرأ للشيخ محمد بن زايد مثل هذا الشعر قبل هذا، ولم أعرف عن هذا الكنز الدفين، إلا ما ظهر على شكل أبيات، ويبدو لي أن سموه حتى في الشعر، تأثر بالشيخ محمد بن راشد، فأصبح اليوم يخرج من ذلك المكنوز الدفين مثل هذه المطولة، فكأنه كان ينتظر أدنى إشارة وأقل إثارة، لتخرج الكلمة والعبارة.
سيدي الشيخ محمد بن راشد، وسيدي الشيخ محمد بن زايد، كلاكما فارس الكلمة والبيان، ولا أجاملكما في هذا القول، بعد ما ظهر الذي ظهر للعيان، فأنتما في القول والفعل محمّدان ومحمّدان.
حب الخيل
وهذه النّخوة العربية لا ننكرها فيمن فتح عينيه على حب الخيل منذ نعومة أظفاره، ونحن نعلم أن من يرى الخيل أمامه ورثها من آبائه وأجداده، لا شك أنها تزيد من انتماءاته إلى آبائه وصفاتهم النبيلة، وشغفهم بعد ذلك لنقل هذا الموروث إلى الأبناء والأحفاد، على حد قول الشاعر عمرو بن كلثوم:
وتحملنا غداة الرﱠوع جـــُــردٌ
عُرفن لنا نقائذ وافتلينـــــا
وردْن دوارعاً وخرجن شُعْثاً
كأمثال الرﱠصائع قد بلينا
ورثناهُنﱠ عن آباء صـــــــــدق
ونُورثها إذا متنا بنــــــــــــــينا
ومثلما يشيد الشاعر محمد بن زايد بأُخُوﱠة الشيخ محمد بن راشد وطبعه الأريحي ورفاقته الطويلة له في بناء المجد، فإنه يشيد بدوره القيادي في معاضدته لأخيه صاحب السمو الشيخ خليفة، في تبنيه لنهج زايد الوحدوي الرامي إلى توحيد الأمم ونبذ الخلاف، وتجاوز الصعوبات بالحكمة والحنكة والحوار، وعدم اللجوء إلى العنف بأشكاله.
إن زايد كان أوﱠل من حوّل المَحْل إلى الغنى، وأوّل من قهر المستحيل وبنى، وأول من رفع عن الناس بالكرم المشقة والعنا، وهو أوّل من دعا إلى الحب لا الكراهية، وعامل من يعرفه ومن لا يعرفه بالأريحية، فعل ذلك يوم لم يكن يملك قلماً ولا قرطاساً حتى يكتب، بل كان يرسم ما يريد بأصبعه وخيزرانه على الرمال.
نقوش لا تزول
لكن بما أنه كان صادقاً صدوقاً ومخلصاً عطوفاً، تحوّل ما رسمه على الكثبان والرمال إلى نقوش بقيت منحوتة في صخور الجبال، لا تزول ولا تنمحي، ومحو الخير محال، وإلى مثل ذلك، أشار شاعرنا الشيخ محمد بن زايد:
كم للدوله نِقَل كتفِك وشال
إن خِلَص فَرضك تليته بالنّفل
من ينادي للأُمَم لا لانْفِصال
يدرِك الحَسنات في لَمّ الشّمل
في عمار دْيارنا نضْرِب مِثال
نحن ما نحسِب حسابات الجهل
من رِسَمها قبل يبني عَ (الرمال)
يا أخو محمد له ايْردّ الفَضِل
نفْتِديها بكِل حال وكل مال
مَجدِنا بالروح والدم انكِفَل
ومن يِحَسْب ديارنا لِقْمَة حَلال
إن شِهَرنا سْيوفنا ما تِنْوِصِل
هكذا وصف سموه، الشيخ محمد بن راشد، بأنه صاحب الفضل على الدولة، لأنه من الأوائل المؤسسين، ووصف حسناته بأنها لا تنتهي ولا تنمحي، بل تأتي متعاقبة، لتكمل بعضها بعضاً، كالفرائض التي تكملها النوافل، وهذا تشبيه بلاغي جميل.
شبيه زايد
كما وصف سموه، الشيخ محمد بن راشد، بأنه شبيه زايد، حريص على نهجه، ويدعو بدعوته المحبة للسلام، فزايد إليه يرجع الفضل كله، وكلنا فداء دولة بناها زايد.
ثم يؤكد الشاعر أنه والشيخ خليفة بن زايد، والشيخ محمد بن راشد، وسائر الحكام، سوف يسهرون على راحة شعب هذه الدولة، ويدافعون عن كل حبة رمل على أرض هذا الوطن، رغم أنف كل الطاعنين في قدراتنا والحاسدين الحاقدين علينا.
وقدراتنا اليوم مشهود لها بالحزم والعزم في الداخل والخارج، ذلك أن دولة الإمارات صديقة لدول مجلس التعاون المحبة منها للسلام والعدل، ونحن والدول العربية المحبة منها للسلام والعدل، نقف بالمرصاد لكل من أراد سوءاً بنا وبدولنا.
هدف ومصير
ويؤكد سموه في ختام القصيدة، أن بين الإمارات والسعودية هدفاً واحداً ومصيراً مشتركاً، والملك سلمان هو رمز الحزم، وقائد التحالف في هذه المرحلة الحازمة والحاسمة، وإننا دولة الإمارات اليوم، نصير كل من يدعو إلى السلم و ينبذ التطرف.
نعم... سيدي وإننا شعب الإمارات نقف قلْباً وقالباً خلف قيادتنا الرشيدة، فلكم علينا صدق الولاء والانتماء، ولكم علينا حسن السمع والطاعة، فكلنا معكم، ونقول لأبي خالد،
ما قاله سيدي الشيخ حمدان بن محمد بن راشد في ملحمته:
أبوخالد أسد دولة الإمارات وحفيد أسود
ولي العهد قائد جيشنا لثار دخانه
ولي العهد ابو خالد وله منا ولاء وعهود
نود اللي يوده ونعادي كل عدوانه
دروب المجد غنت لجل بو خالد بلحن العود
ولا زلنا إلين اليوم نستلهم من ألحانه
سند حكام دولتنا بوقفاته وهو مسنود
بمجد خصه الله فيه دون الناس سبحانه
نظيف من العتب قلبه لعز بلادنا مرفود
مع عقل حكيم وراحة بالخير مليانه
حجاجه ينفرد رحمه لكن لا ضاق سم كبود
وهو عون السجين اللي شكى من ظلم سجانه
ونحن والله لأبو خالد فدا يوم المنايا ترود
نراودها عن أنفسنا إذا أشر لنا ببنـنه
ألا سلّم الله لنا شيوخنا الآباء والأبناء والأحفاد، وحفظ الله لنا الوطن وأدام الأمن والأمان، نفديك بالأرواح يا وطن.