شكلت الزيارة الرسمية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدولة الإمارات العربية المتحدة يومي 8 و 9 نوفمبر الجاري بمناسبة افتتاح متحف اللوفر أبوظبي محطة بارزة في تاريخ العلاقات بين البلدين، التي تشهد تطوراً مستمراً عاماً بعد عام.
وتأتي أهمية هذه الزيارة من زخم الفعاليات المختلفة التي شهدتها والمشاريع المشتركة التي تم الإعلان عنها وشملــت مختلف الجوانب السياسية والاقــتصادية والثقافية، ما يؤكد مجدداً المقولة الشهيرة لوزير الخارجية الفرنسي الأسبق لوريان فابيوس حينما وصف العلاقات التي تربط الإمارات وفرنسا بأنها جسر النجاح الاستراتيجي لبلاده في منطقة الخليج العربي.
وتمثل الحدث الأبرز في هذه الزيارة في افتتاح متحف اللوفر في أبوظبي وما يمثله من رمزية تدل على أن علاقة البلدين تخطت مفهوم المصالح الاقتصـــادية والســـياسية المتبادلة لتصل إلى مستوى الالتقاء على رسالة إنسانية مشتركة تدعو إلى حوار الحضارات ونشر مفاهيم التسامح والمحبة ونبذ كل أشكال التطرف والإرهاب.
جسر ثقافي
وقد أكدت كلمات قادة البلدين بمناسبة افتتاح متحف اللوفر أهمية هذه الرسالة الحضارية، حينما قال صاحب السمو الشيخ محـمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله: «تحف اللوفر رمز للتـــلاقي الفكري والإنساني وعنوان للتسامح والتواصل»، فيما قال صاحب السمو الشيخ محمـــد بن زايد آل نهيان ولي عهـــد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة: «إن المتحف لا يكتسب أهميته في إطار العلاقات الإماراتية الفرنسية فحسب وإنما تمتد دلالاتـــه ومـــعانيه باعــتباره جسراً ثقافياً بين الحضارات والشعوب».
وتأكيداً على رمزية المتحف الإنسانية كنقطة التقاء بين الحضارات، قال الرئيس الفرنسي ماكرون في حفل الافتتاح: «إن المتحف يعني الكثير بالنسبة لفرنسا، فهو يمثل ملتقى العالمين الغربي والشرقي».
ويدرك المتتبع لتاريخ السياسة الخارجية الفرنسية مدى الأهمية الكبيرة التي توليها فرنسا للجانب الثقافي والفني في تعزيز علاقاتها مع دول العالم، وذلك انطلاقاً من إرثها الحضاري والإنساني العريق، وهي عندما تختار دولة الإمارات لتشاركها درة معالمها الثقافية فهذا تأكيد على الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها دولة الإمارات في المنطقة واعترافاً بمكانتها الحضارية المتقدمة على المستويين الإقليمي والعالمي.
وشهدت الزيارة التاريخية للرئيس ماكرون للإمارات إطلاق عدد من المشاريع وتوقـــيع العديد من الاتفاقيات تعزيزاً لعلاقات التعاون والشراكة بين البلدين في مختلف المجالات وبما يخدم مصالح الشعبين الصديقين.
ففي مجال التعليم اتفق الطرفان على وضع وبلورة خريطة طريق جديدة واعتمادها بداية العام المقبل 2018 ليتسنى بموجبها لـ«جامعة باريس السوربون أبوظبي» الإسهام في تحقيق الأهداف التي حددتها الإمارات على صعيد تطوير التعليم والمعرفة.
وفي هذا الصدد ستعمل فرنسا والإمارات على إعادة تدريس اللغة الفرنسية في المدارس الحكومية الإماراتية، وتطوير تدريسها في المدارس الخاصة، وتعزيز عملية تدريب المعلمين.
وشهدت الزيارة توقيع اتفاق تعاون بين معهد التدريب والدراسات القضائية في أبوظبي والمدرسة الوطنية للقضاء في فرنسا بهدف المساهمة في تدريب القضاة الإماراتيين.
وتم الإعلان خلال الزيارة أيضاً عن بدء أعمال البناء والإنشاءات الخاصة بتوسيع المدرسة الثانوية الفرنسية Lycée Théodore Monod في جزيرة السعديات في أبوظبي قريباً.
وفي مجال الثقافة والتراث أعلنت الإمارات تبرعها بمبلغ 5 ملايين يورو لمعهد العالم العربي في باريس، الذي يؤدي دوراً أساسياً في تعزيز الحوار الحضاري والثقافي بين العالم العربي وفرنسا وباقي دول أوروبا.
كما وقعت معالي نورة الكعبي وزيرة الثقافة وتنمية المعرفة وفرانسواز نيسين وزيرة الثقافة الفرنسية اتفاقية بهدف تعزيز الحوار الثقافي بين البلدين من خلال طرح مبادرات جديدة.
وعلى صعيد الاقتصاد والاستثمار تم التوقيع على مذكرة تفاهم بين شركة المبادلة للتنمية «مبادلة» وشركة «سي.دي.سي إنترناشيونال كابيتال» ومصرف «بي. بي.آي. فرانس» الفرنسي تتضمن إنشاء صندوقين استثماريين مشتركين جديدين بمبلغ إجمالي قدره مليار يورو، وسيخصص مبلغ نصف مليار يورو منه لزيادة ودعم الصندوق الاستثماري المشترك الأول الذي تم إنشاؤه في عام 2012 بما قيمته 300 مليون يورو بين شركة سي. دي. سي إنترناشيونال كابيتال وشركة مبادلة، وسيخصص النصف الباقي «نصف مليار يورو» لتمويل المشاريع الابتكارية في ميادين تقنيات المعلومات والاتصالات، والتكنولوجيا البيئية والتقنية الحيوية أو التكنولوجيا الحيوية.
منتدى
وأثمرت الزيارة عن تأسيس المنتدى الإماراتي - الفرنسي لتنمية الأعمال تحت الرئاسة المشــتركة لـ«فريدريك سانشيز» رئيس جمعية المشروعات الفرنسية «ميديف انترناشيونال» عن الجانب الفرنسي، وعبد الرحمن سيف الغرير رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة دبي عن الجانب الإماراتي، بهدف تعزيز وتـــقوية وزيـــادة التبادلات بين الشركات الفرنسية والإماراتية لاسيما المشاريع صغيرة ومتوسطة الحــجم في القطاع الاقتصادي.
وبخصوص مشاركة فرنسا في «معرض إكسبو دبي الدولي 2020» فقد أعلن إيمانويل ماكرون رئيس الجمهورية الفرنسية أن الموضوع الذي اختارته فرنسا للمعرض سيكون «التنقل»، كما شارك بحضور معالي ريم بنت إبراهيم الهاشمي وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي المدير العام لمكتب إكسبو دبي 2020 وأريك لينكويير المفوض العام لفرنسا في توقيــع العقد الخاص بتصميم وإنـــشاء الجــــناح الفرنسي في المعرض.
وفي مجال البيئة ومواجهة تداعيات وآثار التغير المناخي، أكدت الإمارات مشاركتها في مؤتمر القمة المعني بالمناخ الذي يعقد في باريس في 12 ديسمبر المقبل، إلى جانب عزمها الانضمام إلى التحالف الدولي للطاقة الشـــمسية الذي أطلــق بمبادرة فرنسية - هندية خلال فعاليات اليوم الأول من المؤتمر الحادي والعشرين للدول الأطراف، في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وستخصص فرنسا والإمارات مشاريع مشتركة في مجال الطاقة المتجددة بأنواعها المتعددة.
أما في مجال التعاون في علوم وأبحاث الفضاء فقد وقع البلدان إعلاناً بشأن الاهتمام بإنشاء مرصد عالمي للمناخ، وسيعمل البلدان على تطوير وتعزيز التعاون الذي بدأ في مجال علوم وأبحاث الفضاء في ضوء مذكرة التفاهم الموقعة في عام 2015 بين المركز الوطني للأبحاث الفضائية في فرنسا ووكالة الإمارات للفضاء.
تنسيق
وشدد البلدان خلال الزيارة على أن موضوع مكافحة آفة الإرهاب يحتل أولوية مشتركة في إطار الشراكة الاستراتيجية بينهما، وسيواصلان العمل بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود وضمن «التحالف» الذي شكل لهذا الغرض وانطلق في فبراير الماضي، كما سيعملان على تعزيز تعاونهما في مكافـــحة ومـــواجهة التطرف والإرهاب.
وأكدت دولة الإمارات مشاركتها في المؤتمر الدولي المعني بمكافحة تمويل الإرهاب الذي تنظمه فرنسا العام المقبل 2018.
تعاون دفاعي
ستحصل دولة الإمارات في إطار الاستراتيجية الهادفة لتطوير القوات البحرية على وحدتين من قوارب «غويند كومبات» متعددة المهام، وسيتم بناء السفن بواسطة شركة «نافال غروب» الفرنسية، وذلك من خلال شراكة مع شركة أبوظبي لبناء السفن، ويشمل التعاون أيضاً إمكانية قيام دولة الإمارات، بإضافة سفينتين أخريين إلى الخدمة من المجموعة البحرية.
