تشارك الإمارات دول العالم احتفالها بيوم الصحة النفسية، الذي يصادف العاشر من أكتوبر كل عام، ويقام احتفال هذا العام تحت شعار «الإسعافات الأولية النفسية».
وتنبع أهمية المناسبة، بعد أن كشفت البحوث والدراسات أن هناك شخصاً من بين كل 5 أشخاص في الإمارات، يعاني من مشكلة صحة نفسية في وقت من الأوقات، لتتكشف بذلك الحاجة إلى استراتيجية عامة في دولة الإمارات لصياغة برامج الصحة النفسية، وبناء على ذلك جاءت الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية والتي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عام 2015، كجزء لا يتجزأ من الاستراتيجية الوطنية للصحة.
وهناك اعتقاد بأن هذا الرقم (1 من 5) قد يكون أقل من الحجم الحقيقي للمشكلة، بسبب عدم الإبلاغ عن مشكلات الصحة النفسية، خوفاً من «وصمة العار» الملازمة لتلك المشكلات.
ووضعت استراتيجية وزارة الصحة ووقاية المجتمع، رؤية وأهداف برنامجها الوطني للصحة النفسية، وأماكن تقديم الرعاية التي تتمثل في مراكز الرعاية الأولية وخدمات الصحة النفسية المجتمعية وخدمات الصحة النفسية في المستشفيات، هذا إلى جانب هيئة صحة دبي، التي دمجت الصحة النفسية كواحد من أهم برامجها الـ 15 ضمن استراتيجيتها لعام 2016 - 2021.
كما تبنت جهات عمل تحسين الصحة النفسية في بيئة عملها، عبر فحص الدم الدوري، وأيضاً الفحص النفسي، وتشجيع الرياضة وإنشاء برامج ممنهجة لتعزيز هذا الاتجاه. وتجري حالياً دراسة تفعيل مشروع قانون الصحة النفسية، داخل اللجان المشتركة بالمجلس الوطني الاتحادي، وقد تتجه بذلك وزارة الصحة نحو تغطية نفقات الصحة النفسية، وتعزيز الدور الكبير لهذا الاتجاه في المجتمع.
تسمية
وانطلقت تسمية الصحة النفسية من الولايات المتحدة الأميركية عام 1949 م.
ويعرف المرض النفسي، بأنه مشكلة صحية تؤثر بشكل كبير في القدرات المعرفية أو العاطفية أو الاجتماعية للشخص، ويمكن أن تؤدي في بعض الأحيان إلى تقليص قدرته على التكيف مع متطلبات الحياة العادية، والأمراض النفسية قد تصيب أي شخص، ويأتي في مقدمها: الاكتئاب والقلق والفصام والاضطراب الوجداني ثنائي القطب.
وهناك عوامل كثيرة تؤثر، منها: الاجتماعية والنفسية والبيولوجية المتعددة. وكان مستشفى الأمل للصحة النفسية، أعد حزمة من البرامج والمبادرات المبتكرة لتعزيز الاستقرار النفسي في المجتمع.
آراء
وأكد مختصون أن إيلاء الصحة النفسية يتطلب منهجاً شاملاً وواسع النطاق، لا يتولى مهمة علاج الحالات التي تتطلب المتابعة، وإنما يركز على عامل الوقاية والتوعية، لا سيما في الوظائف التي يتعرض فيها العاملون لضغوط نفسية كبيرة، كالعاملين في أقسام الإسعاف والطوارئ في المستشفيات والمجالات الجنائية، وحالات الأطفال.
ولفتوا إلى أن الصحة النفسية رغم زيادة التحديات والإشكاليات، لا تحظى بمساحة من الأهمية التي تستحقها.
واقترحوا أن يكون في كل مؤسسة سجل للموظف تفصيلي، بحيث يكون المسؤول عن العمل لديه خلفية عن العاملين، وكيفية الاستجابة لهم عند طلب الحاجة أو الدعم، ما سيؤدي إلى التعاون والعمل والإنتاج والعطاء بصورة متوازنة.
توعية
وأكد الدكتور سارافانان برفيسور مساعد في قسم علم النفس الإكلينيكي في جامعة الشارقة: «الصحة العقلية والنفسية ضرورية لجميع العاملين، ولكن بعض المهن في حاجة ماسة لحماية الصحة النفسية، لأنها عرضة للضغط بسبب طبيعة وظيفتهم».
وبين أن الأعراض التي نراها، تعني أن الشخص يعاني مشكلة في الصحة النفسية، كالمزاج الحزين، ولديه أفكار سلبية كثيراً، ويعاني اضطرابات النوم.
مشاهد مؤلمة
وتحدث (أ، أ) ممرض في الإسعاف الوطني عن طبيعة عملهم، والمشاهدات المؤلمة التي يختبرونها، خاصة عند توجههم إلى موقع حادث سير، وذكر أنه في بعض الأحيان لا يستطيع تناول طعامه أو ممارسة يومه بشكل طبيعي، جراء شكل الوفيات التي يضطرون لنقلها من مواقع الحوادث وغيرها.
مضيفاً أنهم يتلقون تدريبات خاصة في التعامل مع هذه الحالات، ويوجد لديهم مهارات لازمة لا ينطلقون للعمل دونها، لكنه يجد أن الحاجة ماسة للدعم النفسي، خاصة لمن يعملون ميدانياً، وأن تكون المبادرة من الاختصاصين النفسين، و«ألا ينتظروا من الموظف أن يأتي لهم فقط، بل يجب أن يكون هناك برامج علمية قوية تعزز من الحالة الصحية لمن هم على خط النار».
حجز
الأم (م، خ) نجحت أخيراً في حجز مكان لنفسها في أحد المراكز التي تقدم جلسات علاج نفسي، بعدما فقدت زوجها مؤخراً، ولديها 3 أطفال، وأصبحت الآن تعيش وحيدة وأطفالها، وتهتم بتفاصيل حياتهم.
وفي حين أنها تؤمن بفعالية العلاج النفسي لحل المشكلات التي تمر بها، وهي تخضع له الآن، إلا أنها تعترف بأن الخطوة ليست سهلة أبداً، مهما كان الشخص واعياً لضرورة هذا الأمر، فالحديث عن المشكلات الشخصية والنفسية لشخص آخر يحتاج إلى جرأة كبيرة.
تجربة أمنية فريدة للمهام الخاصة في رأس الخيمة

نجحت شرطة رأس الخيمة، ممثلة بالمهام الخاصة، باستحداث آلية تكتيكية وتقنية للتعامل الأمني الصحيح لأسر المتهمين، وخاصة لفئتي الأطفال والنساء، وبعض الحالات التي تعاني اضطراباً نفسياً أثناء المهام الأمنية الخاصة، ما يسهم في ضمان سلامتهم، ومنع رسم صورة سلبية في دور الشرطة الأساسي في إنقاذ حياة الناس وحمايتهم في الوقت ذاته.
وذكر العقيد ركن يوسف بن يعقوب، أن مثل هذا التدريب الخاص، يتعلق في نواحي منه بمنهجية الصحة النفسية، والإدارة تنظم برامج خاصة لها، وتم توسيع نطاقها في السنوات الأخيرة، حيث يتلقى معظم أفراد المهام الخاصة، تدريباً يبين أفضل سبل التعامل مع المهمات الصعبة التي يكون الأطفال والنساء طرفاً فيها، من أجل سد الثغرات الناجمة عن عدم كفاية الموارد المتصلة بحماية الطفل والمرأة، وتقديم الحماية النفسية اللاحقة لهم عبر التواصل مع الجهات المختصة، وننظر الآن إلى تعميق هذا الاتجاه في جميع المهام الأمنية وكذلك في بيئة العمل.
الصحة النفسية مطلب حيوي لتجديد الهمّة

أكد أحمد إبراهيم مدير مركز حماية حقوق الطفل، التابع لدائرة الخدمات الاجتماعية في الشارقة، أن الصحة النفسية مطلوبة لكل فرد من أفراد المجتمع، لكن هناك بعض المهن عليها ضغط وعبء نفسي، كأطقم الإسعاف الاختصاصيين الاجتماعيين والنفسيين، فهذه المهن قدر الله لها أن تكون في قلب الأحداث والمشاكل.
لذلك، يجب أن يكون لدى المتعامل مع المشكلة توازن نفسي للتصرف بحكمة وحلها ومعالجة المصاب.
وأضاف أن الأشخاص هؤلاء تحديداً، يحتاجون إلى تجديد الهمة، بأخذهم إلى دورات تفريغ نفس وعمل اجتماعات خارجية ومسابقات، تعود وتسهم في تحفيزهم وتجديد طاقاتهم.

بدورها، دعت أمينة الرفاعي مدير واحات الرشد التابع لدائرة الخدمات الاجتماعية في الشارقة، إلى إعطاء الأمراض النفسية مساحة أكبر في البرامج التوعوية، لافتة إلى نقص الوعي المجتمعي بالأمراض والخجل المرتبط بها.
ورأت أن «الوعي زاد عن السابق، لكن نأمل بالمزيد من التثقيف والتوعية، حتى يصل الوعي إلى الحد المطلوب، في حين بعض الناس أصبحت تطلب العلاج النفسي، وليس كما في السابق، يخافون من الوصمة ونظرة المجتمع، لكن طموحنا ألا تقف سلسة المحاضرات التثقيفية والتوعوية، حتى نصل إلى هدفنا المطلوب».
وتحدثت الممرضة أسماء القزعة، عن أهمية الصحة النفسية للفرد والمجتمع، والتي تساعد في رفع قدرتها على تحقيق (التكامل، التوافق، النماء والسعادة)، مشددة على ضرورة إيلاء الصحة النفسية المهنية اهتماماً أكبر وحيزاً في الخطط التطويرية لجميع المؤسسات، ذلك أن المؤسسات المهنية التي يعاني أفرادها من التمزق النفسي، هي مؤسسة غير قادرة على الإبداع والإنتاج. وذكرت أنهم كعاملين في القطاع التمريضي، يحتكون بشكل مباشر مع مرضى وذويهم، ويشعرون دون غيرهم بوطأة المسؤولية.
وترى هبة الله محمد الاختصاصية الاجتماعية، أن الحاجة إلى دعم الصحة النفسية واضحة، بيد أنها ترى جملة من من التحديات، أهمها عدم قناعة البعض بأهمية الصحة النفسية وانعكاسها على المجتمعات، وأيضاً النظرة الضيقة التي لا تزال تحاصر من يختصون بالمجال النفسي.
13 منحة و2.7 مليون درهم من «الجليلة»

قدم مركز أبحاث مؤسسة الجليلة 13 منحة لتعزيز الأبحاث في مجال الصحة النفسية، واستثمر ما يقارب من 2.7 مليون درهم في إطار ذلك.
ويعمل الدكتور عمار البنا رئيس مركز التميز للصحة النفسية للأطفال واليافعين في مستشفى الجليلة للأطفال على دراسة بحثية لمرض التوحد بتمويل من مؤسسة الجليلة وهو أيضاً في اللجنة الاستشارية لزمالات روزالين كارتر الإماراتية لصحافة الصحة النفسية.
وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة أول دولة في الشرق الأوسط تقدم برنامج زمالة «روزالين كارتر» لبرنامج صحافة الصحة النفسية من خلال مؤسسة الجليلة. حيث تقوم المؤسسة بالشراكة مع مركز كارتر باختيار الصحفيين سنوياً للحصول على زمالة الصحافة النفسية بهدف زيادة الوعي وإنهاء التمييز ضد المصابين بأمراض نفسية داخل الإمارات.
تجربة استشفائية في رأس الخيمة
لكل منا تجارب وخبرات في تبني الصحة النفسية في أنماط من حياته والبيئة التي يعيش فيها، هذا ما أشارت له الألمانية بيت كولمر معلمة الرياضيات الحيوية المتقاعدة والمولعة بقيادة الدراجات النارية والتي افتتنت بالأمان في الإمارات، وإلى الروح النقية الساكنة في جنبات وزوايا جبالها الخلابة.وقالت اتخذت مع زوجي منهجاً في الصحة النفسية وبالأخص بعد تقاعدي تحديداً.
ويأتي ذلك في زيارتها للدولة كعلاج نفسي، حيث تزور إمارة رأس الخيمة ثلاث مرات سنويا في كل من شهري أبريل ومايو، وأيضا شهر سبتمبر وأخيراً نوفمبر.وأكدت أنها استغلت هذا النهج في تبني نشر الوعي بالصحة النفسية لفئة المراهقين بصفة خاصة عن مسألة الانعزال الاجتماعي في ظل الانفتاح الرقمي الكبير، ذلك من واقع تجربتها في إيجاد منهج جديد يوازي واقع حياتها الجديد بعد التقاعد وهذا الجميل بالأمر.

