هناك أناس يولدون وفي فمهم ملعقة من الذهب، لم يعانوا ولم يشقوا في حياتهم، ولكننا هنا أمام شخصية ولدت في ظروف صعبة في قرية صغيرة على خور دبي في زمن كان الناس فيه يتسلحون بالإيمان والصبر ويرتزقون من الغوص وراء اللؤلؤ، وصيد الأسماك والتنقل بالجمال أو الخيل إن وجدت، إنها قرية الشندغة التي خرج منها المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، مؤسس وباني نهضة دبي، طيب الله ثراه. أخذ الشيخ راشد خبرته في الحياة من والديه ومن البيئة المحيطة به، التي انغمس فيها وسط أهلها بجميع مستوياتهم.

وكان يستمع للجميع وتحاور معهم ويناقش كل مشكلاتهم، ولم يكن يتعامل معهم كحاكم ومحكوم، بل كفرد منهم يعيش كما يعيشون ويعاني مما يعانون ويحلم كأحلامهم ويطمح لتحقيق أفضل العيش لهم.

في عهده قفزت دبي قفزات سريعة نحو الرقي والحضارة، وأصبحت مركزاً تجارياً مهماً ومعروفاً في كل أنحاء العالم، وفي غرفة صغيرة على خور دبي سميت الفرضة، كان المغفور له الشيخ راشد، يجتمع يومياً بعد صلاة الفجر هو ورجالات دبي والمهندسين والمختصين.

وهو المكان الذي تحول فيما بعد إلى «مؤسسة الجمارك»، لتتحول دبي على يديه إلى أحد أكبر مراكز التجارة العالمية، ومع ازدهار الصناعة النفطية ومشتقاتها في أوائل الستينيات وانتعاش الحركة الاقتصادية والمصرفية، وضع المغفور له أسس بناء وتنمية دبي الحديثة كسوق مالي واقتصادي عالمي، وجذب له أشهر البنوك والمؤسسات المالية العالمية، وازدهرت التجارة وإعادة التصدير.

وكان إنجازه العملاق في حفر خور دبي، وفي تأسيس ميناء جبل علي الذي لعب دوراً كبيراً في نهضة دبي الاقتصادية.

وكان الشيخ راشد أقرب الناس للوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراهما، ومعاً وضعا أسس الدولة الاتحادية العظيمة التي نعيش الآن في كنفها وننعم بخيراتها، لنذكرهما الاثنين وكل من أسهم معهما في عملية التأسيس والبناء، ونشكر الله الذي حبانا هذه القيادة الرشيدة وأبنائها العظام الذين ساروا على الدرب وأكملوا مسيرة البناء والتنمية.

وفي ذكرى الشيخ راشد، رحمه الله وغفر له، نذكره جميعاً ونقول له: نم قرير العين يا أبانا راشد فابنك محمد ما زال على نهجك يكمل مسيرتك ويبني مع إخوانه حكام الإمارات صرح الدولة العظيمة التي وضعتم أسسها.

f_alsari@hotmail.com