تصادف اليوم، الذكرى 27 لوفاة المغفور له «بإذن الله» الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم «طيب الله ثراه»، إذ انتقل رحمة الله عليه إلى جوار ربه في السابع من شهر أكتوبر عام 1990 الموافق الثامن عشر من شهر ربيع الأول عام 1411هـ عن عمر يناهز 78 عاماً، قضاها رحمه الله في خدمة أمته ووطنه ومواطنيه، وبذل خلالها كل ما يملك من طاقة في سبيل تحقيق الخير.

والرخاء، والاستقرار للوطن والمواطن، فكان رائداً من رواد وحدة الإمارات وبناء حضارتها، وأحد العظماء الذين حملوا مشاعل التطور والتقدم، وتغلبوا على التحديات، فترك بصمة واضحة جلية في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، وكان قائداً استثنائياً استشرف مستقبل نهضة دبي، فحقق إنجازات ستبقى خالدة في ذاكرة وطن، تشهد على بصيرته النافذة ورؤيته الثاقبة.

طفرة

وشارك الشيخ راشد والده الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم في تسيير أمور الحكم في إمارة دبي منذ 1939، وانعكست خبرته السياسية على إدارته لشؤون الدولة بعد قيام الاتحاد ومن ثم على رئاسته لمجلس الوزراء، فحققت الإمارة تحت إدارته طفرة تنموية على الصعد كافة، شملت:

إنشاء الطرق والجسور التي تربط شطري الإمارة، والقرار العظيم الذي حقق قفزة تجارية نوعية لدبي المتمثل في توسيع الخور، وتعزيز موقع الإمارة التجاري بإنشاء مزيد من الموانئ، فأصبحت دبي مركزاً تجارياً بين الشرق والغرب ولم ينقصها سوى أن تصبح جزءاً من كيان عربي أكبر له ثقله السياسي إقليمياً وعالمياً شارك راشد بفاعلية في بنائه.

وتميز «رحمه الله» بأسلوب في الحياة ينم عن فكر ناضج سابق لعصره، ولم يكن محباً للعب أو اللهو كغيره من الأطفال، بل كان في شبابه شاباً مثابراً وجاداً وباحثاً عن كل ما يرفع الهامات ويسمو بالهمم، نحو الفضائل وسمو الغايات، فتفوق في الدراسة وأولى الصيد، والصيد بالصقور اهتماماً خاصاً، وامتدت به رحلات الصيد التي كان يقوم بها «مرتين في العام عادة» إلى خارج الإمارات.

كما عُرف أيضاً عن المغفور درايته الواسعة وخبرته الكبيرة بكافة أنواع الصقور وطبائعها، وبقدرته على اختيار الأماكن والأوقات والطرق الأنسب لمزاولة هذه الرياضة التي تأسر بحبها أهل الخليج شيوخاً ومواطنين، كباراً وصغاراً.

وكان حريصاً في الوقت ذاته على أن يكون لدبي شأن خاص ومكانة خاصة وأسلوب مميز لا مثيل له في الاستعداد لمستقبل بدأ يلوح في الأفق، فكان قائداً بارزاً منذ طفولته وفي فترة مبكرة انطلق الشيخ راشد نحو التشييد والبناء فبنى نهضة الإمارة.

قرارات

وكان الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم قريباً من القرارات المهمة التي اتخذت من حين لآخر لإدارة شؤون البلاد في تلك الحقبة التاريخية، وكان في أحيان كثيرة الرجل المؤثر تأثيراً مناسباً وحكيماً فيما يصادفه من حالات تتطلب علاجاً خاصاً، وعلى هذا المنوال بدأت مسيرة هذا القائد، منوال الجد والحزم والعزم والمثابرة والتصميم وفرض الهيمنة الشرعية في ربوع البلاد، فكانت بحق بداية موفقة تكللت بالنجاح في جميع مراحل انطلاقتها.

وحضّرت العناية الإلهية الشيخ راشد ومنذ سنوات طفولته الأولى لتحمل مهام وأعباء إدارة إمارة دبي، لذلك لم يكن يحتاج إلى الكثير من الزمن ليظهر مواهبه القيادية النادرة والاستثنائية وهي المواهب التي لم ينتظر زمناً طويلاً حتى تكتمل معالمها وملامحها.

وتقدم أخيراً صورة إمارة دبي، هذه الإمارة وبفضل الفكر المتوهج والطموح والمتجدد للشيخ راشد صارت تكبر مع مطلع كل شمس جديدة لتتحول وفي ظرف قياسي إلى دانة الدنيا وإلى إحدى معجزات التاريخ الإنساني الحديث وإحدى أكبر إنجازات القرن الماضي. وسيظل الشيخ راشد أحد العلامات الفارقة في التاريخ العربي القيادي الحديث تماماً مثلما سيظل اسماً يتعالى في تاريخ دولة الإمارات، وعلوه يصنع من نور ذلك لأن رحلة دبي باتجاه التطور والازدهار ترتبط بعلاقة روحية خالصة مع كل حبة رمل على أرض الإمارة.

اتحاد

وبنى الشيخ راشد علاقات أخوية وثيقة مع حكام العرب والعالم في كافة الظروف والأزمنة، وكان اتحاد الإمارات لبنة من لبنات أفكاره العظام التي امتزجت بطموحات أخيه المغفور له «بإذن الله» الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «رحمه الله».

وكان لمشاركة المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد في مجلس الإمارات المتصالحة دور في التمهيد للاتحاد، فقد كان على قناعة حقيقية بأن مستقبل إمارات الساحل المتصالحة سيكون أفضل إذا توحدت وأمسكت هي بزمام الأمور، وعمل مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان، على إقناع حكام الإمارات وقطر من أجل إيجاد كيان وحدوي، فكان يعرض خطته على الحكام في اجتماعات ثنائية.

وفي 1965 وبالتعاون مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد تمكن من أن يدعو إلى اجتماع لحكام الإمارات السبع إضافة إلى حاكمي قطر والبحرين في قصر الضيافة في دبي، وعمل مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان، رحمه الله، على إصدار وثيقة الوحدة والاتحاد بين دبي وأبوظبي في فبراير 1968 .

وفي العاشر من يوليو 1971 وجه الشيخ راشد دعوة من أجل المضي قدمًا على طريق الاتحاد، واستمر في الدفع نحو الاتحاد حتى أعلن عنه رسميًا في الثاني من ديسمبر 1971، حيث تولى منصب نائب رئيس الدولة، إضافة إلى رئاسة مجلس الوزراء.

وكان من أوائل الذين وضعوا أيديهم بيد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، بكل عزيمة وجهد وتفان، لاستكمال الحلم، حيث شجع على سياسة التمهل وعدم التسرع والانسياق وراء الأحلام دون وضع الأساسات الصحيحة التي تمكنها من الاستمرار.

وفي الثامن عشر من يوليو1971، بعد مرور ثمانية أيام وقع كل من حكام أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين والفجيرة على البيان الرسمي القاضي بتأسيس دولة الإمارات المتحدة، بعدما اختارت كل من البحرين وقطر إقامة دولتيهما المستقلتين، وصادق حكام الإمارات على الدستور المؤقت الذي حدد ملامح الاتحاد، وبموجب الدستور المؤقت تشكل المجلس الأعلى للاتحاد.

وهو أعلى سلطة في البلاد والسلطات التشريعية والتنفيذية. واتفقت رؤية الشيخ راشد مع رؤية إخوانه حكام الإمارات على أنه لا بد من قيام الاتحاد بين الإمارات التي تجمعها سمات مشتركة تمثلت في وحدة التاريخ والجغرافيا والثقافة والعادات والتقاليد والملامح السياسية، فتم الإعلان رسمياً عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر 1971.

استقلال

وأعلن الشيخ راشد في ذلك اليوم بحضور إخوانه حكام الإمارات عن قيام الاتحاد برئاسة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد نائباً له، وذلك في قصر الضيافة بالجميرا، ووجه سموه كلمة عقب الاجتماع الذي تمخض عنه إعلان ولادة دولة الإمارات ألقاها نيابة عنه سمو الشيخ حمدان بن راشد قال فيها: «باسم دبي، وباسم شعب دبي نحييكم أطيب تحية.

وبنفس تفيض بالبشر وتملؤها السعادة، نرحب بكم في بلدكم بين أهلكم وذويكم، أيها الإخوان، لقد تم التوقيع على الاتفاقيات بإنهاء العلاقات التعاقدية الخاصة بين كل إمارة من إماراتنا والحكومة البريطانية، فتم بذلك استقلال إماراتنا وسيادتها على أراضيها».

وأضاف: «ما مضت ساعات قليلة على ذلك، حتى التقينا في هذا الاجتماع التاريخي لتحقيق ما تلاقت عليه إرادتنا وإرادة شعب إماراتنا: لإعلان قيام الإمارات العربية المتحدة دولة مستقلة ذات سيادة، تستهدف توفير الحياة الفضلى والاستقرار لشعبها، وتحمي حقوق وحريات مواطنيها، وتسعى لتحقيق التعاون الوثيق فيما بين إماراتها لصالحها المشترك من أجل ازدهارها .

وتقدمها في كافة المجالات، وتتطلع للانضمام لجامعة الدول العربية، وهيئة الأمم المتحدة، ومسايرة الركب العربي في مسيرته نحو أهدافه السياسية، ونصرة القضايا والمصالح العربية والإسلامية، وتوثيق أواصر الصداقة والتعاون مع جميع الدول والشعوب الصديقة على أساس مبادئ ميثاق الأمم والاتفاقيات الدولية.

وفي هذه اللحظات التي يرقب فيها شعب إماراتنا المفدى والعالم بأسره، ما سيصدر عن هذا الاجتماع من المقررات، أبتهل إلى الله سبحانه وتعالى أن يهدينا سواء السبيل، وأن يوفقنا لتحقيق ما اجتمعنا من أجله»، وفي فبراير 1972 لحقت إمارة رأس الخيمة بركب الوحدة ليصبح عدد الإمارات المنضوية في الاتحاد سبع إمارات.

تكليف

وفي الثلاثين من إبريل 1979 قرر المجلس الأعلى للاتحاد تكليف المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم بتشكيل مجلس الوزراء الجديد، وقد أعلن سموه عقب تشكيل الحكومة في الأول من يوليو 1979 الخطوط العريضة للسياسة التي تنتهجها الحكومة فقال:

«إنني إذ أقدر ضخامة المسؤولية أرى لزاماً علي أمام أهلي وبلدي أن أكون واضحاً بما أنادي به وبما أعتقد أنه كفيل بتحقيق الأهداف التي من أجلها تقبلت حمل الأمانة، إنني والوزراء لا نعد بتحقيق المعجزات ولكننا سنبذل أقصى ما نستطيع للسير باتحادنا قدماً في شتى الميادين السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وهذا يتطلب أول ما يتطلب مشاركة المواطنين كل في اختصاصه وميدان عمله في تحمل المسؤولية وأداء الواجب فالمسؤولية بيننا مشتركة جميعاً ولا مجال للتهرب منها».

وشارك الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة مع أخيه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مساهماً بشكل فعال في بناء الدولة وتدعيم الاتحاد ثم عاملاً يداً بيد مع إخوانه حكام الإمارات على دفع عجلة التقدم والتنمية وتحقيق الرخاء للمواطنين، تاركاً وراءه سجلاً من الأعمال والإنجازات التي حازت على احترام العالم لقائد تفانى في خدمة وطنه وتحقيق حلم الاتحاد.

وأعلن سموه عقب تشكيل الحكومة في الأول من يوليو 1979 الخطوط العريضة للسياسة التي تنتهجها الحكومة فقال: «إنني إذ أقدر ضخامة المسؤولية أرى لزاماً عليّ أمام أهلي وبلدي أن أكون واضحاً بما أنادي به وبما أعتقد أنه كفيل بتحقيق الأهداف التي من أجلها تقبلت حمل الأمانة، إنني والوزراء لا نعد بتحقيق المعجزات.

ولكننا سنبذل أقصى ما نستطيع للسير باتحادنا قدماً في شتى الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا يتطلب أول ما يتطلب مشاركة المواطنين كل في اختصاصه وميدان عمله في تحمل المسؤولية وأداء الواجب فالمسؤولية بيننا مشتركة جميعاً ولا مجال للتهرب منها».

كان الشيخ راشد حريصاً على مصالح الإمارات وقضايا أمته العربية والإسلامية إيماناً منه بعدالة قضاياها، فقد عارض بقوة احتلال إيران لجزر الإمارات العربية المتحدة الثلاث أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، وقدم مذكرات عدة للمسؤولين الإيرانيين وأصدر بيانات بانتظام بهدف إبقاء هذه القضية حية في أجهزة الإعلام والمحافل الدولية ولدى الجماهير.

وعلى المستوى الشخصي كان الشيخ راشد داعماً للعديد من المشروعات بتقديمه المساعدات المالية لبناء المستشفيات والمساكن في الضفة الغربية وقطاع غزة وإفريقيا وآسيا ودونما ضوضاء أو دعاية.

اليد البيضاء

وشغل الشيخ راشد موضوع إيجاد صيغة للتعاون بين دول الخليج العربية، حيث طرقه دائماً مع الحكام في المنطقة، وكان يرى أهمية النظر في تأمين الاستقرار لا على المستوى المحلي فحسب بل على المستوى الإقليمي، إذ كان يرى أن دولة الإمارات العربية المتحدة جزء من منظمة خليجية عربية وربما على غرار السوق الأوروبية المشتركة. وكان سباقاً لفعل الخير .

ومن بين المشروعات التي رعاها وكان فخوراً بها إنشاء جناح للطوارئ ومجمع لغرف العمليات في مستشفى مدينة بوالبور الباكستانية في البنجاب، كما قام بدعم مشاريع بناء عشرات المساجد والمدارس في أنحاء باكستان وبناء دار للأيتام، ومجمع بوالبور الطبي.

كما استجاب للمناشدات الدولية من وكالات الإغاثة عندما أجبرت الحرب في أفغانستان 1982 مئات الآلاف من المدنيين الأفغان إلى هجر ديارهم والنزوح إلى مناطق أخرى، وأمر الشيخ راشد حكومته بالتصرف فتحركت الطائرات محملة بأطنان من الأغذية والبطاطين والخيام والملابس الشتوية لإغاثة أولئك اللاجئين.

وفي يوليو 1985 عندما كانت المجاعة تقضي على ملايين البشر في إفريقيا تحرك الشيخ راشد فأمر بتقديم المعونات العاجلة للقارة السمراء ومنحت حكومة دبي مليون جنيه إسترليني لمشروع خط الحياة الذي كان يديره نجم الموسيقى العالمي بوب غلدوف.

وإذا كانت مثل هذه الهبات قد عرفت بشكل علني فإنها في حقيقة الأمر لا تمثل سوى النذر اليسير من الهبات التي ظل الشيخ راشد يقدمها دون إعلان كمساعدات إنسانية لكافة شعوب العالم دون اعتبار للجنس أو اللون أو العقيدة.

إدارة

وتجلت براعة الشيخ راشد في إدارة الأزمات في موقفه الثابت إزاء الفوضى التي ظهرت مع انتشار السلب والنهب إبان الحصار الاقتصادي الذي فرضه البريطانيون على إيران التي كانت تساند دول المحور في الحرب، ففرض البريطانيون على دبي حظراً على استيراد وتصدير المواد الغذائية.

فما كان من الشيخ راشد إلا أن سعى لتوفير المواد الغذائية لرعاياه بأسعار تتلاءم مع المستوى الاقتصادي من أصحاب البقالات وأدخل نظام البطاقات التموينية التي سمح للمواطن بالحصول على الحصة الشهرية من المواد الغذائية.

وكشفت الأيام بعد ذلك عن الكثير من صفات المغفور له بإذن الله الشيخ راشد فظهرت لديه سمات القيادة وحسن تدبير الأمور، والقدرة على تولي زمامها، وقد كان عوناً لأبيه في شتى المجالات، وخصوصًا في الشؤون الاقتصادية.

حيث ساهم في تحسين المعيشة، الأمر الذي أكسبه شعبية وحباً من المواطنين، ومن المأثور عنه قوله:»ما هو مفيد للتجار، مفيد لدبي.«وتعددت إنجازاته قبل توليه إمارة دبي، وبرز كشخصية قيادية في العائلة قادرة على تسيير أمور المواطنين وتحقيق النهضة الاقتصادية المأمولة، لتسهيل مصاعب الحياة التي كانت تحيط بدبي آنذاك.

وخصوصاً في أواخر الثلاثينات لمّا فرضت الإدارة البريطانية قيدًا على استيراد وتصدير المواد الغذائية من المنطقة، مما زاد الحياة الصعبة صعوبة! فاستطاع،رحمه الله، بحنكته من الالتفاف على هذا القرار الجائر بكل دبلوماسية وذكاء، وأثبت للجميع أنه الشخص الذي سيحقق «حلم دبي».

وضع، رحمه الله، الواقع الاقتصادي الصعب أمام عينيه، وساهم بجهد كبير في افتتاح بنك «إمبريال بنك أوف إيران» الذي عرف فيما بعد باسم «البريطاني للشرق الأوسط» في 1954، وقد وضع شرطاً على المستثمرين لتوظيف أبناء إمارته في المشروع الضخم، وفي 1950 افتتح أول مشروع طبي ضخم بتأسيس مستشفى المكتوم الذي يعد أول مستشفى حديث في الإمارات، وكان يتسع ل 38 سريراً، وتوسع في 1968 ليتسع لحوالي 109 أسرة.

وفي 1961 أصدر مرسوماً يقضي بإنشاء بلدية دبي، وفي 1962 افتتح أول جسر يربط ديرة ببر دبي (جسر آل مكتوم) كما قام في 1963 بتأسيس شركة نفط وتأسيس أول بنك وطني (بنك دبي الوطني المحدود) برأسمال مليون جنيه استرليني.

إنجازات

وتوالت الإنجازات في نهاية الستينات وبداية السبعينات مع بدايات الاتحاد الذي كان أعظم إنجاز سعى له مع أخيه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ويشهد لهما التاريخ الحديث بذلك، فسعى إلى إنشاء ميناءي: راشد والحمرية والميناء الصناعي في جبل علي وجداف دبي، وفي 30 سبتمبر 1960 افتتح مطار دبي، وصار مركزًا إقليمياً للطيران العالمي.

وفي السنة ذاتها تم إنشاء دائرة الأراضي والأملاك، وأدرك، رحمه الله، أهمية المعرفة لتحقيق الحلم، وعمل بكل جهد مخلص لتحسين التعليم في إمارته، فالإنجازات لا قيمة لها إن لم تجد من يحافظ عليها، بل ويطورها.

وقد أولى للمدرسة الأحمدية اهتماماً خاصاً، وأشرف عليها منذ عام 1954، وقدم الدعم المالي لأبناء دبي الملتحقين بمدارس قطر، وخصص جزءاً من قصره كمدرسة عرفت باسم (السعدية) 1958، ثم افتتحت خلال الأعوام التالية مدارس عديدة منها: خولة بنت الأزور الابتدائية، والخنساء، وآل مكتوم للبنين، والشعب المتوسطة.

واتبع الشيخ راشد خلال فترة حكمه منهجاً دقيقاً منظماً لمتابعة الأعمال والمشاريع ضمن جدول يومي، كان يقوم بجولتين في مدينة دبي يومياً يتابع فيهما المشاريع. وكان من عادته ألا يكتفي باستطلاع سريع بل كان يتابع أدق التفاصيل لأي مشروع قيد التنفيذ في الإمارة، متابعاً كل شيء بنفسه خطوة خطوة.

ووفرت له جولاته تلك فرصة الالتقاء بعامة الناس عن قرب، وبعد عودته من جولاته اليومية كان يمضي كثيراً من الوقت في أعماله الرسمية من خلال مجلسه الذي يتيح الفرصة للناس للالتقاء به حيث يشاركهم قضاياهم ويصغي لمطالبهم وجهاً لوجه، واهتم بهذا المجلس بالغ الاهتمام، وحظي بإعجاب الجميع لما تحلى به من حلم وصبر إذ كان يصغي لكل رأي أو مظلمة، ضامناً للجميع أفضل الحلول للقضايا والمشكلات وموفراً المساعدة لكل فرد.

وفي العاشر من سبتمبر من 1958 توفي الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي، وتولى الشيخ راشد مقاليد الحكم في الرابع من أكتوبر عام 1958، بعد أن استمر في ولايته للعهد لمدة عشرين عاماً، وانصرف الحاكم الجديد لإدارة شؤون إمارته بذات الهمة والعزم ونفاذ البصيرة الذي عرف عنه.

وما إن انقضت شهور قليلة من تسلمه زمام الأمور حتى أدرك الشيخ راشد رحمه الله أنه يتوفر في مدينة دبي الإمكانيات والاستعداد الطبيعي ما يجعلها مدينة رائدة، ولتحقيق نظرته الثاقبة كان عليه إنجاز الكثير من المشاريع الطموحة وفي عهد الشيخ راشد كانت دبي بدأت ترسيخ مشاريع البنية التحتية واعتماد الخطط المحكمة للتطوير لتواكب التزايد المتواصل في عدد السكان.

وكان من الجلي أنه يجب إيجاد خدمات أساسية وتطوير الخدمات المتوفرة لتصل إلى مستوى الخدمات الجديدة، وبكل الحالات لم يركن الشيخ راشد إلى مجاراة مقتضيات الواقع بل كان دائماً يتطلع إلى الأمام ويعمل من أجل المستقبل.

تحولات

وبدأت في 1959 عملية تجهيز الخور للملاحة عن طريق تجريفه وسحب الطمي منه وذلك لأنه في الخمسينات تراكم الطمي في مياه الخور بشكل متسارع ما أدى إلى انخفاض كبير في حركة الملاحة فيه، وكان على السفن انتظار المد حتى تتمكن من دخول الخور وبقيت بعض قوارب الصيد تعبر الخور بين فترة وأخرى.

وبعد أن تم الوصول إلى العمق المطلوب حتى تم رصف جانبي الخور بالصخور والتربة الرسوبية ليرتفع مستوى جانبي الخور عن مستوى المياه. وسمح للتجار فيما بعد باستثمار الأراضي الجديدة على جانبي الخور للاستفادة من عوائد الاستثمار في تسديد تكاليف المشروع، وبحلول نهاية 1960 تم إنجاز مشروع خور دبي.

وبدأت بعد ذلك خطوط الملاحة تتوافد إلى دبي معتمدة خور دبي كميناء رئيسي، وتسببت هذه الحركة المتزايدة في الخور في زيادة الطلب على الخدمات، واستجابة للحاجة الملّحة تم البدء مباشرة بالعمل على إيجاد أرصفة بحرية ومستودعات وتوسيع الخدمات الخاصة بتحميل وتفريغ السفن، كما تم توسيع وتطوير مرافق الخدمات الأخرى بالميناء. وفي ذات الفترة أصدر المغفور له مرسوماً بتأسيس شركة الكهرباء وأمر ببدء العمل الفوري في إنشاء مطار دبي.

وكان معظم الناس في المدينة يملكون مولدات خاصة بهم، وبالفعل تم إنشاء شركة الكهرباء العامة في 1959 وحصلت دبي على أول إمداد كهربائي في عام 1961. وفي عام 1960 أمر الشيخ راشد بإنشاء شركة التليفون والبرق واللاسلكي جنباً إلى جنب مع شركة كهرباء دبي، وكان يمارس إشرافاً دقيقاً على شركة التليفون باعتباره رئيساً لمجلس إدارتها.

وفي خطوة تدل على حسن تدبيره وعقليته الاقتصادية أصدر الشيخ راشد في 1963 مرسوماً بتأسيس أول بنك وطني، هو بنك دبي الوطني المحدود، برأسمال قدره مليون جنيه إسترليني بعد أن كانت التعاملات المالية والمصرفية حكراً على المصارف الأجنبية، فقد كانت دبي قبل مجيء المصارف الأجنبية إليها تفتقر إلى وجود مؤسسة مالية من هذا القبيل، وكان التجار يحتفظون بأموالهم في صناديق حديدية.

ووضع الشيخ راشد مسألة حل مشكلة الإسكان ضمن أولوياته، فقام بإنشاء دائرة الأراضي والأملاك في 1960 وأسند رئاستها لأكبر أنجاله وهو الشيخ مكتوم بن راشد، وبات الإسكان ضمن المشاريع العديدة التي بدأ العمل بها في دبي.

إنجازات

قيل في المغفور له الشيخ راشد الكثير من المقولات المؤثرة التي وثقت عمله وحكمه وحكمته، فقد قال عنه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله: «رحل الشيخ راشد فقيد البلاد الكبير عنا ولم يتحدث يوماً عن إنجازاته على الإطلاق. رحل المغفور له (بإذن الله) وبقيت ذكراه خالدة».

وقال عنه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «كان راشد فارساً مغواراً وصانعاً من صناع الاتحاد، خلف أعمالاً جليلة وإنجازات خالدة».

رؤية

ذكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي (رعاه الله) عن والده قوله: (إنني أبني ميناء راشد، لأنه يمكن أن يأتي يوم لا تقدرون على بنائه)، وأضاف: لم يفكر أحد قبل والدي في تنفيذ مشروع كهذا، ولكن والدي فكر فيه ونفذه فكيف اهتدى إليه؟ هذا السؤال لا أعرف جواباً مختصراً له، لكن لو حصرت إجابتي بكلمة واحدة لقلت إنها الرؤية.