من يذكر فن الترجمة، في هذا اليوم، لا يستطيع أن تتجنب ذاكرته تلك الإشراقات الباهرة لبيت الحكمة في بغداد الرشيد، حينما كانت الحضارة العربية الإسلامية في أوج مجدها وهي تشمخ كأعجوبة تشدّ لها رحال طلاب العلوم من شتى بقاع الأرض المظلمة، ولذلك تنبري دبي اليوم لتفض الغبار عن هذه الأمجاد وتحييها عبر مشروع تاريخي ضخم يقتفي الأثر الطيب، يتمثل في «تحدي الترجمة»، الذي يأتي ضمن مشروع محمد بن راشد للتعليم الإلكتروني العربي.
كيف بدأت الفكرة؟
مصادر التاريخ تثبت أن البداية كانت مع أبي جعفر المنصور، الخليفة المهموم بعلوم الحكمة، فترجمت له كتب في حقول الطب والنجوم والهندسة والآداب، وخصص لها خزانات في قصره لحفظها، حتى ضاق قصره عنها.
ولما تولى هارون الرشيد الحكم أمر بإخراج الكتب والمخطوطات التي كانت تحفظ في جدران قصر الخلافة، لتكون مكتبة عامة مفتوحة أمام الدارسين والعلماء وطلاب العلم وأسماها بيت الحكمة، وأضاف إليها ما اجتمع عنده من الكتب المترجمة والمؤلفة.
فتوسعت خزانة الكتب وأصبحت أقساماً، لكل منها من يقوم بالإشراف عليها، ولها تراجمة، يتولون نقل مضامين الكتب المختلفة من الحضارات المجاورة إلى العربية، فتحولت من مجرد خزانة للكتب القديمة إلى بيت للعلم ومركز للبحث العلمي والترجمة والتأليف والنسخ والتجليد، وأصبح لبيت الحكمة دوائر علمية متنوعة لكل منها علماؤها وتراجمتها ومشرفون يتولون أمورها المختلفة.
قصص تروى
وفي عهد الخليفة المأمون، عاش بيت الحكمة عصره الذهبي، فاتجه الرجل لجلب الكتب اليونانية من بلاد الروم وترجمتها، ويروى عنه أنه كان يمحض بعض المترجمين مثل حنين بن إسحاق ما يساوي وزن كتبه المترجمة ذهباً، وبرز في عهده أسماء كبيرة في حركة النهضة العلمية في علم الفلك والطب والفلسفة ترجمةً وتأليفاً.
وكان عهد المأمون أزهى عصور بيت الحكمة، ولم يجد بعده من يمنحه العناية الكافية، وبدأت الحركة العلمية في بيت الحكمة في الجمود والإهمال حتى سقطت بغداد بيد هولاكو عام 656 هـ الموافق 1258م، والذي حول بيت الحكمة وغيره من خزائن الكتب العامة والخاصة لخراب.
وألقى بعض كتبها في نهر دجلة، وقبل الحصار قام نصير الدين الطوسي بإنقاذ حوالي 400,000 مخطوطة ونقلها إلى مرصد مراغة، وبهذا الخراب يكون بيت الحكمة قد امتد عمره من عهد هارون الرشيد حتى سنة 656 هـ عام سقوط بغداد والدولة العباسية، ومرَّ عليه منذ أن أُنشئ 32 خليفة عباسياً.
نظرة للوراء
في الحقيقة يصعب جداً تصور تنامي حضارة الإنسان وصولا إلى ما وصلت إليه دون أخذ دور الترجمة في الحسبان، فلقد قامت بوظيفة الجسر المتين الذي اتصلت به الأمم مع بعضها لتتبادل المعارف والأفكار فتتبناها في مرحلة ثم تطورها لتعيدها في صورة منتج علمي جديد يخضع للعملية ذاتها من جديد.
وليس أدل على ما نقول مما أحدثته حركة الترجمة التي شهدتها الأندلس كشرفة حضارية عربية مضيئة بنور العلوم والفلسفة أطلت بفاعلية على المشهد الأوروبي برمته على مدى قرون من الإشعاع والعطاء، ولكن للحقيقة فإن الإسهامات العربية إنما جاءت رداً لجميل حازته بغداد الرشيد من جراء حركة الترجمة المتدفقة من بلاد الروم والفرس والهند.
وتأسيساً على ما سبق يمكننا الزعم بأن قصة التبادل الحضاري بين شعوب الأرض وتعارفها ليست سوى قصة الترجمة بشكل من الأشكال، ولذلك فإن أول ما تعنى به الأمم حينما تشاء النهوض من السبات وتأخذ بأسباب الرقي عنايتها بالترجمة ولكن وفق شروط نوعية وتخطيط أولويات مدروسة.
آثار ذهبية
في القرن التاسع الميلادي، قام العرب بترجمة معظم مؤلفات أرسطو، وهناك مؤلفات كثيرة ترجمت عن اليونانية إلى العربية، وضاع أصلها اليوناني فيما بعد، فأعيدت إلى اللغة اليونانية عن طريق اللغة العربية أي أنها لو لم تترجم إلى اللغة العربية لضاعت نهائياً.