لا يزال الأوفياء يبحثون عن الخل الوفي، لأن الوفاء شيمة من شيم المؤمن، أما العكس فقد عبّر الرسول صلى الله عليه وسلم عنه بقوله: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان»، لذلك فإن الخل لا يكون خلّاً إلا إذا صدقك في محبته وأخوته لك طول عمره، وكلما زاد في عمر الصداقة انكشفت لك حقيقة صدق الصديق من زيفه، فالصديق الصادق والصدوق لا يتغير بتغير الأيام.
ولقد رُؤي أحد الفلاسفة يدور في شوارع البصرة قديماً في وضح النهار، وفي يده فانوس مضاء، فقيل له: ماذا تفعل يا فلان بهذا الفانوس، والشمس في رابعة النهار؟ قال الفيلسوف: أبحث عن صديق صدوق.
نعم، هكذا روي عن أناس عاشوا قبل ثمانمئة سنة، فما بال الأصدقاء في زماننا الذي تزيف فيه الصور وتزيف فيه الأرقام، وتنتحل فيه الشخصيات، ويكاد الرجل يشك في نفسه وصورته وعلاقته بأهله والناس أجمعين.
الصديق الحقيقي
إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في قصيدته «الخل الوفي»، يشعر بمرارة، ويستنكر وجوه أصدقاء كان يظنهم أصدقاء حقيقة، لكن تبين أن ما أظهروه كان تصنعاً وتزييفاً للحقائق، وكانت لهم مآرب، ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين.
فالشاعر برغم أنه انكشف له وجه الصديق الحقيقي، فإنه يقول: لا أكاد أصدّق ما أرى، ولا أكاد أكذّب نفسي في حبه، فأنا الخل الوفي، الوفاء يلزمني أن أبقى على عهدي ولا أتغيّر تجاه صديقي، وليت الصديق يدرك ويلمس هذه الحقيقة.
وها هو اليوم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يصور لنا الخلّ الوفي صورة من صور المستحيلات في هذا الزمن، ويصور موقفه معه فيقول:
مُـسـتحيلْ أنـساكْ رابـعْ مُـستَحيلْ
لـيتْ عَـنْ صـدقي فْ حُـبِّكْ تِـعرفي
والـعِـجـيَبْ إذا ظَــهَـرْ عـابـرْ سـبـيلْ
إعـتـبَـرتـي أنِّــــهْ الــخِــلْ الــوفــي
هكذا يؤكد الشاعر ما قاله شاعر قديم قبله عن الخل الوفي:
أيقنت أن المستحيل ثلاثـــــة
الغول والعنقاء والخلّ الوفي
رابع المستحيلات
لكنه في المقابل يؤكد أيضاً صدقه في مودة خليله، ويعدّ نسيانه أو تجاهله أو معاملته بالمثل رابع المستحيلات. لماذا؟ لأن خلّه إذا كذب في خلته وخان في أمانته فإنه بذلك يعبّر عن نفسه الدنيئة، وشاعرنا عندما يصرّ على وفائه لخليله، فإنه يعدّ ذلك من باب الوفاء بالعهد، فلا يجيز لنفسه أن ينقض العهد المبرم بينه وبين صديقه، فهو صادق معه إلى الأبد، وهو بذلك لا يعبّر عن ضعفه تجاه صديقه، ولكنه يعبّر عن طيب أصله ونقاء معدنه.
والشاعر الشيخ محمد بن راشد بما أن له باعاً طويلاً وتجربة أطول مع الناس ومع الخيل، فإنه للتقريب والمقارنة يضرب لنا مثلاً، فيرى أن الخيل ليست كلها أصيلة والأصيلة فيها لا تقدر بثمن، والخيل برغم أن الله أثنى عليها والرسول صلى الله عليه وسلم قال: «في نواصيها الخير»، فإن فيها ما لا يعدّ من الخيل، ولا يثمن بثمن، وهذه حالات نادرة في الخيل، فكذلك الناس الأصل فيهم أن يكون الخليل صادقاً في وده، ولكن للبشر شواذ، كما أن للخيل شواذ، والشاذ ليس بقاعدة.
ويقول الشيخ محمد بن راشد معبّراً عن خبرته تلك:
فـي الـزِّمَنْ هـذا هَـلْ الـفزعهْ قليلْ
وأكــثَــرْ الــلِّـي تـنـظـرينْ إمـزَيَّـفـي
فـيـهـمْ الـــزَّلاَّتْ والـمُـوقَـفْ هــزيـلْ
وفـيـهمْ الـلِّـي سـيرتِهْ مـا تـشَرِّفي
وفـيـهـمْ الـلِّـي حَــزَّةْ الـحـزِّهْ ذلـيـلْ
والــتِّــجـاربْ لـلـمـعـادنْ تَـكـشـفـي
والـصِّديقْ الصِّدْق مثلْ وصوفْ خيلْ
ونــادرهْ فــي الـخيلْ لـي مـاتَخْلفي
لــي لـهـا قـيـنٍ صـليبْ وطـولْ ذيـلْ
وفــي نَـحَـرها يـوصـفْ الـمـتوَصِّفي
وأنــا جَـرَّبـتْ الـبـشَرْ عـنـدي دلـيـلْ
ولـلـرِّمَكْ فــارسْ مـجرِّبْ وأعـسفي
أدريْ الـصَّـاحـبْ إذا وْنِـعـمْ وأصـيـلْ
وأدريْ الـسَّـابقْ وأراهِــنْ وأحـلـفي
وأكشِفْ اللِّي م ِ العَرَبْ فعلهْ جميلْ
والــرِّدي لــهْ مــنْ عـيـونِهْ أعـرفـي
تجارب ذاتية
ثم إن الشيخ محمد بن راشد لا يتحدث عن مسائل فرضية أو مواقف افتراضية، إنه يتحدث عن تجاربه مع أشخاص حقيقيين قضى معهم جزءاً من عمره، وضيّع معهم جزءاً من وقته الثمين، وهم أشخاص حقيقيون كما قلنا وليسوا وهميين، ويكاد سموه من وضوح حديثه عنهم أن يشير إليهم واحداً واحداً.
لكن من الأبلغ أن لا يذكرهم بأسمائهم، وإنما يذكرهم بالتعريض، وهذا هو أسلوب القرآن الكريم وأسلوب النبي صلى الله عليه وسلم، ففي القرآن الكريم الكثير من أمثال قوله تعالى: «ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام».
هذا الإنسان الذي أشارت إليه الآية، لو رجعت إلى تفسير الآية لوجدته معروفاً، لكن الله تعالى لم يذكره في الآية باسمه مباشرة.
يقول السُدّي: نزلت الآية في الأخنس بن شريق، وقيل: نزلت في عموم المنافقين، ويقول ابن جرير الطبري: يرويه عن سعيد بن هلال عن القرظي عن نوف، وهو البكالي، وكان ممن يقرأ الكتب، قال إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل، قوم يحتالون على الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس مسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب.
يقول الله تعالى: أفعليَّ يجترئون وبي يغترون، حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران.
قال القرظي: تدبرتها في القرآن، فإذا هم المنافقون، فوجدتها في قوله تعالى: «ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام».
ثم يقول الشيخ محمد بن راشد:
لايــغـرِّكْ لـــي ربـــا تـحـتْ الـظِّـليلْ
ودومْ وَقــتِـهْ فـــي أمـــانْ ورَيِّــفـي
وإنْ دهــاهْ الـوقـتْ بـالـيومْ الـطِّـويلْ
تَــمْ فــي مـحـنِهْ وريـقَـهْ يـنـشفي
يــا الـمـهاهْ الـلِّي مـعْ الـظِّلَّهْ تـميلْ
إسـمـعي نـصـحي قَـبـلْ تـتصَرِّفي
دَوِّري مـثـلـي وإذا شـفـتـي مـثـيلْ
لا تـخَـلِّـيـنهْ وبــــهْ بَــــسْ إكـتـفـي
يقول الشاعر وكأنه يعاتب من يصاحب مثل هذا الخل، ويخلص له وهو يدري أنه غير صادق معه، أو لا يدري لأنه يعيش في أمان ويعيّش من معه في أمان مزيّف أيضاً بعض الوقت، ويعتقد هذا الخلّ الغادر بخلّانه أن النعمة تدوم وأن غدره لا ينكشف، ولا يدري أن حبل الكذب قصير، وعندما يفقد عناية الله يفقد المظلة الأمنية التي كان يستظل بها، وعندئذٍ تبدأ مشاويره مع المحن والبلاء، ويتعرى من أبهته وسلطانه كما تتعرى شجرة التوت من أوراقها. وكم من الصعب على العزيز أن يعيش ذليلاً، وكم من العار على الحر أن يرى نفسه وهو يساق كالعبد إلى سوق النخاسين، وكان أولى به وهو في قمة عظمته أن يفكر في هذا اليوم الذي يفقد فيه أصحابه وخلّانه الذين نافقوه زماناً كما نافقهم.
حب الخير
أجل، فالشاعر الكبير يشكو من تغير الناس في حين أنه لا يحب أن يرى أصدقاءه من هذا الصنف من الناس، أجل يا صاحب السمو، تحب أن يكون الناس كلهم مثلك، وشتان ما بينك وبينهم، أنت تحب كل الناس، والناس ليسوا كذلك، وأنت تحب السلام والاستقرار، والناس ليسوا كذلك، وأنت تحب الإعمار في الأرض، وغيرك ليس كذلك، وأنت تعطي وتجود وتمنح لتؤلف بين القلوب، وغيرك لا يريد ذلك. أسأل الله أن يديمك يا محب الخير لدولة الإمارات مظلة آمنة، ويديم الصحة والعافية على صاحب السمو رئيس الدولة، ويوفق صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد لما يحبه ويرضاه، ويديم سائر الحكام والشعب جميعاً سالمين.
