(خيل الليالي)، قصيدةٌ مفتاحُها الدلاليُّ والإبداعيُّ في عنوانها، جادتْ بها قريحةُ صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دُبيّ، رعاه الله، في سياق تجربته الشعرية الرصينة التي تُلخّصُ جوهرَ رؤيته للحياة، وتعبّر عن إحساسه الأخلاقي بمشكلات الإنسان العربي، وتصوغ ذلك كلَّه في قالبٍ فنّي باهرٍ قد توفّر له أجملُ ضروب الإبداع والتصوير التي تبلورت للشعر النبطي عبر مسيرته الفنية الطويلة.
وهي قصيدةٌ تنطوي على إحساسٍ مُمِضٍّ بالألم، وشعورٍ عميقٍ بالذات المتبصّرة في شؤون الحياة، والصادرة في تجربتها عن نظرة ثاقبة للإنسان، وعينٍ مُكتحلةٍ بالذكاء والشجاعة تماماً كما قال المتنبي في وصف سيف الدولة:
أُشْفِقُ عند اتّقاد فِكرتِه منه عليه أخاف يشتعلُ.
وهي بديعةٌ فنيةٌ من بدائع سموّه مكتوبةٌ بإحساسِ الفارسِ الجَسور، وتُعلن بوضوح وشجاعة وبلا مُواربةٍ أن أخلاق الفرسان لا تعرف الزيف والنفاق، وأن الخسارةَ الكبرى في الحياة هي ضياعُ المبدأ، وأن الرجالَ الأحرار هم القابضون على جمر مبادئهم تماماً مثلَ الخيلِ العِرابِ التي لا تزداد على الطعان إلا صبراً وفروسيةً واقتحاماً، ليلتقي سُمُوّه ثانية مع أبي الطيب المتنبي عاشق الخيل والسيف حين يقول:
وما الخيلُ إلا كالصديقِ قليلةٌ
وإن كثُرت في عينِ من لا يُجرِّبُ
إنّ من ملامح الإبداع الفني في الشعر العربي أن يكون مطلعُ القصيدة قادراً على جلب انتباه القارئ وإدخاله في أجواء النص، بحيث يكون مفتاحاً للرؤية الفنية والفكرية للشاعر، وهذه القصيدة عميقةُ الإيحاء منذ عنوانها بأنّ هناك غموضاً يحتاج إلى توضيح، وأنّ هناك عتاباً يموج في صدر الشاعر جعله يلجأ إلى هذا التركيب الإضافي بإضافة الخيل إلى الليل تعبيراً عن التماهي بين الحسّي وهو الخيل، والمعنوي وهو الليالي، في إشارة واضحة خاطفة إلى ما يعتلج في صدر سُموّه من الهموم بسبب ما يراه من انحراف خطّ الفروسية لدى الإنسان العربي الذي كان يعتزُّ بالصدق والشجاعة حتى في جاهليته الأولى، ويترفّع بذاته الحرّة الأبيّة عن الزيف والنفاق ولقاءِ الناس بوَجْهَين، وهو ممّا نهت عنه تعاليمُ الإسلام العظيم الذي لا يريد لأتباعه إلا الإحساسَ العميقَ بكرامتهم من خلال الصدق والثبات على المبدأ مهما كانت التضحيات.
وعلى الرغم من الملامح الفنية الرائقة لهذه القصيدة، فإن رسالتها الأساسية هي التعبيرُ عن موقفٍ أخلاقي تجاه قيمة الفروسية وما يدور في فَلكها من قِيَم الصدق والنبل والرجولة ونفاذ البصيرة في رؤية الحياة، فهي في جوهرها العميق نفثةُ فارسٍ مصدورٍ آلمه ما صارت إليه حال الإنسان العربي الذي كان نموذجاً يُحتذى في الشجاعة والصراحة ونقاء الوجهة ممّا جعل منه إنساناً مؤتمناً على آخر الرسالات السماوية، ولكنه في مسيرته التاريخية قد تراخت قبضته عن جمر الفروسية، وأصبح شخصاً ضائع الهويّة، ممّا أثار شجون صاحب السموّ، وجعل قلبه يجيش بهذه القصيدة العذبة الرّيّا بماء الرجولة والشّمَمِ والإباء، حيث عبّر عن فخره بثباته على مبادئ الفروسية التي ورثها كابراً عن كابر، وتعلّمها من أشياخ الزمان ورجال الحكمة أساتيذ مدرسة الحياة الذين هم الرُّوّاد الذين لا يكذبون أهلهم.
ترى الشاعر يلج في قصيدته بتفاؤل عظيم فيذكر الخيل، و«الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.
مـتـوقِّـفهْ خــيـلْ الـلـيالي عـلـىَ الـبـابْ
أســمَـحْ لــهـا وإلاَّ أســـوقْ إعــتـذاري
ويعبّر عن المتلوّنين والمنافقين بخيل الليالي، وفي هذه استعارة بديعة وبليغة؛ إذ في جُنح الظلام لا يُدرك في الغالب أصالة الخيول ونجابتها، ويتوجّه بالاستفسار للمخاطبين بشعره هل يسمح لها بالدخول عليه ليطرح ما عندها من آراء أو أفكار أو اقتراحات رغم علمه بأنّها ليست بأهلٍ لذلك، أم يكتفي بالاعتذار عن لقائها والاستماع إليها، أو بمعنى آخر: هل يعتذر عن الإذن لها أم يأذن لها ويواجهها؟
والـوقتْ مـتلوِّنْ مـثِلْ بـعضْ الأصـحابْ
لــي ظَــنْ نـفـسهْ كـاسيْ وهـوهْ عـاري
وهنا استعارة أخرى فالوقت وهو الزمن أو الدهر متلون لا يثبت على حال، يعبّر سموّه عن تقلّب الزمن وأنّ فيه الكثير من الأغيار والحوادث، وتتغيّر الكثير من المفاهيم والعادات، وذلك لبعد الكثير من الناس عن القيم والشيم الأصيلة، ويشكو من بعض الأصحاب والحواشي الّذين يكشف لنا الأيام تقلّبهم وهم يظنّون أنّ الناس لا يدركون حقيقتهم إذا ما تلبّسوا بثياب لا تناسبهم، وهم مكشوفون للعقلاء الذين يعرفون كنههم ومدى تفاهتهم على حدّ قول زهير بن أبي سلمى:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
ولو خالها تخفى على النّاس تعلم.
والـلِّـي إدخَـلَتْ فـجأهْ لـها وجـهْ كـذَّابْ
مــتـعَـطِّـرَهْ يــا غــيـرْ مــنـهـا حــــذاري
الشاعر قد خبر الدهر، وعرف معادن الناس، ينظر بفراسة المؤمن، وبالتالي يعرف حقيقة الشخص، ولا يخدعه المظاهر، ولا الكلام المعسول.
فيصوّر الشاعر في هذا البيت هذا الداخل عليه، وهو الذي يعرفه على حقيقته ويدرك مدى تلوّنه، ويشبه وجهه بوجه الكاذب ويخبر عن نفسه بأنّه يحذره وإن لبس جلداً غير جلده، وأنه مكشوفٌ لسموّه وإن تزيّن أو تعطّر لئلا يُشتمّ منه رائحة كذبه ونفاقه، مبيّناً أنّ الزينة الظاهرة والجمال المصطنع لا يمكن أن يخفي حقيقة هذا الكذّاب، ومن هنا يُحذّر غيره من أمثال هؤلاء.
كــانـتْ تــظـنْ ظـنـونْ وتــدوِّرْ أسـبـابْ
وأنـــا بــهـا وبـسـلـوبها صـــرتْ داري
هذا الشخص بأخلاقه السيئة كان ديدنه الظنّ السيئ ويحاول ترويج تلكم الظنون، ويبحث عن أسباب واهية يدعم بها سوء ظنّه، لكن سموّه بخبرته في الحياة وكثرة تجاربه يعرف مثل هذا الشخص ويعرف أسلوبه ودسائسه، ولذلك لا تنطلي على سموّه مكائد مثل هذا الإنسان وأفكاره.
ومـنـهو قــرا الـدِّنيا غـلَبْ قـاريْ كـتابْ
وأنــــا كــسَـبـتْ الـمـعـرفـهْ بـإخـتـبـاري
ويُرجع سموّه سبب هذا الإدراك والفهم العميق لأمثال هؤلاء إلى أنه خَبَر الحياة وتعامل مع الناس بمختلف أنواعهم وتنوّع طبقاتهم، والّذي درس في مدرسة الحياة، وقرأ بتمعّن كتاب الحياة المفتوح، وعاش مختلطاً للناس مُدركاً لاختلاف معادنهم هو القارئ الحقيقي الّذي يُدرك معنى الحياة وكيف تجري الأمور في البلاد وكيف يتعامل الناس فيما بينهم، وهذا الدارس في واقع الحياة يغلب القراء الذين اكتفوا بالدراسات النظريّة من خلال الكتب الورقية فقط؛ إذ الدراسة النظريّة لا تفيد إذا لم يطبّقها المرء ولم يعايش الواقع، فنحن نعيش في عالم الواقع وليس في عالم المثاليّات.
مـشـيتْ فـيـها بـسـيرةْ إقـرومْ وأنـجابْ
وآدَلْ فـــــي لــيــلـي دلالـــــةْ نــهــاري
ههنا يفتخر صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد بمسيرته في الحياة وأنّه اقتدى بسيرة العظماء والنجباء، وهذا ما يشهد له واقعنا المعاصر حيث يدرك الجميع سعة أفق سموّه وأنه قدوة للآخرين بحسن فعاله وحكمة صنائعه، وأنّه بالالتزام بهذا المنهج أصبح يدرك طريقه في ظلام الليل كما يدرك مسيره في وضح النهار، وكأنّي به يشير إلى أنّه وصل إلى هذه المنزلة باقتدائه بسيرة سيّد الخلائق صلّى الله عليه وسلّم وفهمه للطريق الواضح الّذي دلّ أمّته عليه «تركتكم على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك».
مـايـهـمِّني الــكـذَّابْ لــهْ قـلـبْ مـرتـابْ
ولاطـــرتْ لـــي مِـــنْ أمـــورَهْ طـــواري
ويُبيّن سموّه أنّه لم يكن ليهتمّ بالكذاب الّذي يقوده سوء ظنّه وقلبه المليء بالشك والريبة فيمن حوله، ولا يبدي تلفّتاً لما قد يظهر له من أموره، ولا يسمح لذلك بأن يخطر على بال سموّه؛ لأنّه يُدرك ببعد نظره خطأ هذا الفكر وانحراف هذا القلب عن الجادّة الصحيحة الّتي ينبغي للعاقل أن يسير عليها، وسلامة الطويّة الّتي ينبغي للإنسان السويّ أن يحرص على الاتصاف بها.
آخـالـفهْ فــي الــرَّايْ حـاوَلْ ولا صـابْ
وأبـديـتْ لـهْ فـي الـلِّي يـقولْ إعـتذاري
ويُظهر سموّه في هذا البيت شجاعته المعهودة في مواجهة مثل هذا الشخص بأنّه يخالفه فيما يبديه من آراء سقيمة، وما يحاول أن يبثّ من أفكار غير صائبة على الرغم من محاولاته العديدة لإثبات وجهة نظره المنحرفة لسوء طويّته، ومع ذلك فإنّ سموّ أخلاق الشاعر يمنعه من الإساءة إليه؛ إذ لا يليق بالكرام التنزّل إلى مستوى أمثال هؤلاء، لكنّه يبيّن له خطأه ويُبدي له عدم قبوله لأفكاره وآرائه بأسلوبٍ لبقٍ يُعبّر عنها سموّه بالاعتذار إليه في عدم الاعتداد برأيه، وكأني به يتمثّل قول القائل:
لا أسمع الدهر جليسي الأذى
إن لساني عن جليسي كليل
إن خليلي واحـد وجهـه
وليس ذو الوجهين لي بالخليل
والــرَّايْ كـانـهْ وِعْــرْ مِــنْ يـتـبعَهْ خـابْ
وأنـــا عـلـىَ نـهـجْ الـشَّـهامهْ مـسـاري
ويُبيّن سموّه أنّ الرأي الخاطئ يؤدي بمن يتبعه إلى الغواية وخيبة الأمل وعدم تحقيق المراد، وقد يورد من يسير متّبعاً للآراء السقيمة والأفكار المنحرفة موارد الهلاك، ويذكر سموّه باعتزاز المنهج الذي يسلكه في حياته، وهو منهج أهل الكرامة والشهامة والقادة العظماء الذين يهتمون بمكارم الأخلاق ويتجنّبون سفاسفها ومساوئها.
وما أحسِبْ لبوُ وجهينْ لوُ يكبَرْ حسابْ
ولا ألــتــقــيــهْ ولا أبــــثِّــــهْ عـــتــابــي
وفي هذا البيت يوضّح سموّه أنّه لن يعير ذا الوجهين أي اهتمام في مسيرته، ولن يحسب له أي حساب لتفاهته، وأنّ سموّه يترفّع عن اللقاء به، بل لا يبدي له العتاب حيث لا يستحقّ أمثال هذا الشخص الالتفات إليه، وكيف لا يكون كذلك وشاعرنا ينطلق من مبدأ الاعتزاز بالكرامة والترفّع عن مجاراة اللئام، وهو الّذي يدرك قول من سبقه من الشعراء:
ولقد أمرّ على اللئيم يسبني
فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني
وصدق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذ يقول: «إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ».
وَكَمْ مِنْ صَدِيقٍ وُدُّهُ بِلِسَانِهِ
خَؤُونٍ بِظَهْرِ الْغَيْبِ لَا يَتَذَمَّمُ
يُضَاحِكُنِي عُجْباً إذَا مَا لَقِيتُهُ
وَيَصْدُفُنِي مِنْهُ إذَا غِبْتُ أَسْهُمُ
كَذَلِكَ ذُو الْوَجْهَيْنِ يُرْضِيك شَاهِداً
وَفِي غَيْبِهِ إنْ غَابَ صَابٌ وَعَلْقَمُ
قال ابن حجر رحمه الله: وإنما كان ذو الوجهين شر الناس لأن حاله حال المنافق إذ هو متملِّقٌ بالباطل وبالكذب، مدخل للفساد بين الناس، فيأتي كل طائفة بما يرضيها فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها وصنيعه نفاق ومحض كذب وخداع وتحيل على الاطلاع على أسرار الطائفتين، وهي مداهنة محرمة.
وتتنامى القصيدة على المستوى الفني تنامياً بديعاً من خلال الصُّوَر الفنية المرهفة التي نهضت عليها القصيدة، ويتوازى هذا التنامي مع تنامي الفكرة الأساسية التي تُهيمنُ على النصّ، وتمتد في فضاءٍ مفتوحٍ ينطلق من عتبة الباب حيث تقف خيل الليالي منتظرة الإذنَ بالدخول، وينتهي مع خاتمة القصيدة في أعالي السحاب حيث يُحلّق سموّه في سماء المجد معتزّاً بأصالته ووضوحه وجسارة قلبه في تسمية الأشياء بأسمائها، وعدم احترامه الشخص المتلوّن الذي لا تثبت مودّته على نائبات الأيام:
هــــذا أنـــا واضـــحْ لـلأبـعَـدْ ولــقـرابْ
لـــي ســيـرةٍ مـتـعـلِّيهْ فـــي الـسِّـحابِ
ويختم صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد قصيدته بالاعتزاز بما تربّى عليه سموّه من مكارم الأخلاق، ووضوح مسيرته وإنجازاته، الّتي يشهد بها القاصي والداني، وأصبح بذلك يمتلك سيرة زاكية، يُشار إليها بالبنان، وكيف أنّ مسيرة سموّه ارتفع صيتها حتى أضحت كالسحب في كبد السماء يعتزّ بها كلّ مُجِدّ، ويطمح إلى الاقتداء بها في مسيرة العزّ والتقدّم والتطوّر والنهضة والإبداع كلّ محبّ للخير ساعٍ إليه.وهكذا كانت خاتمة القصيدة دعوةً ضمنيةً للارتقاء بأخلاق الفرسان إلى أعلى المنازل، حيث يرتقي الفارس بأخلاقه وشجاعته إلى الذُّرى العالية، تماماً كالنسور الشامخة التي لا ترتضي هوانَ العيش في الوِهاد والوديان.
