للخيل إيقاعها الراسخ في الخطاب الشعري لدى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، فهي تارة الخيل التي تجري في المسافات وتارة الخيل التي تجري في بيان المعاني، وفي معاني البيان، كما جاء في قصيدته «الدرب واضح»، أما في هذه القصيدة التي ترتدي الحكمة لأنها تنهض من تأمل في التجربة وتجربة في التأمل، فحسب أرسطو (الحكمة هي التجربة مضافاً إليها التأمل) لتصبح الخيل هي الليالي وهي التي تجري في مسافات الزمان، فصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حين يختبر التجربة في «خيل الليالي» المتوقفة عند الباب، وكأنها الحكمة التي تفرد ظلها على الذات، تنكشف أمامه مسافات المعاني، كما تنكشف مسافات الحياة وخبرتها في اختبار الأصدقاء وفي اختبار معادن الناس، فلا يجد نفسه إلا أن يستجيب لتلك الحكمة، التي هي صبغة من تكوينه الذاتي والمعرفي والحياتي، فإذا به يتأمل الواقع بظلاله المختلفة، تأمل خبير عارف مجرب، ماهر في الغوص في النفس وتقلباته، يقرأ الوجوه بفراسة لا تخطئ، كما يقرأ الأيام بخبرة عرّاف يرى بعين البصيرة، وعين التجربة، وعين الحكمة، فيرى تلون الوقت كتلون بعض الأصحاب، الذين يظهرون غير ما يسرون، ويحاولون التستر وهم عراة لا تخفى منهم خافية.

هؤلاء الذين أخذتهم خدعة الغواية وغواية الخدعة، إلا أنهم أمام عين الشاعر الذي يرى ما لا يراه الآخرون، لا يستطيعون الاستمرار في التستر خلف ثوب الخدعة والتلون والمراوغة، والشاعر هنا لا يعمم وإنما يشير إلى البعض، لأن الفكرة لا تحتمل التعميم، وسلوك البشر يختلف من فرد إلى فرد، وبالتالي هو يقدم حكمته التي اختبرها لدى البعض، الذين يتلونون كتلون الوقت.

مـتـوقِّـفهْ خــيـلْ الـلـيالي عـلـىَ الـبـابْ

                                    أســمَـحْ لــهـا وإلاَّ أســـوقْ إعــتـذاري

والـوقتْ مـتلوِّنْ مـثِلْ بـعضْ الأصـحابْ

                                   لــي ظَــنْ نـفـسهْ كـاسيْ وهـوهْ عـاري

والـلِّـي إدخَـلَتْ فـجأهْ لـها وجـهْ كـذَّابْ

                                    مــتـعَـطِّـرَهْ يــاغــيـرْ مــنـهـا حــــذاري

كــانـتْ تــظـنْ ظـنـونْ وتــدوِّرْ أسـبـابْ

                                     وأنـــا بــهـا وبـسـلـوبها صـــرتْ داري

ولا شك أن الأبيات السابقة حين نختبرها في مختبر التأويل، تنفتح معانيها على الواقع السياسي كما هو الواقع الاجتماعي، كما تنفتح على الذات الفردية والذات الجمعية، فالشاعر من خلال تجربته أصبح عارفاً بالحياة التي تحاول أن تغري بفتنتها المخادعة، فإن هي خدعت البعض، فلن تستطيع خداعه لأنه أصبح خبيراً بأسلوبها، ومراوغتها، ومحاولات خداعها.

فالأبيات تستدرج المتلقي إلى التأمل، كما تستدرجه إلى الاستبصار في المعاني البعيدة والقريبة التي تشير إليها القصيدة، خاصة إذا ما اختبرت في مختبر الخطاب الشعري لصاحب السمو، وأسلوبه البياني في قراءة الواقع قراءة عميقة، دون أن يكون لذلك الواقع وقعاً مباشراً على ذات المتلقي، لأنه يريد أن يترك مسافة لتأويل المتلقي، وهذه المسافة هي التي تجعل من القصيدة ذات بعد إنساني، إذا اختبرت في مختبر التجربة الإنسانية، وذات بعد سياسي إذا اختبرت في مختبر التجربة السياسية، وذات بعد اجتماعي إذا اختبرت في مختبر التجربة الاجتماعية، وذات بعد نفسي وفلسفي، وعلى المتلقي المتبصر أن يدرك تلك الإشارات، الدالة على راهنية الواقع السياسي بتحولاته المتناقضة.

وهنا يتجه الشاعر للحديث عن تجربتين في خبرة الحياة، تجربة من يقرأ الدنيا وتجربة من يقرأ الكتب، ليرى أن قارئ الدنيا هو أعمق بفلسفته ومعرفته من قارئ الكتب، لأن كتاب الدنيا هو كتاب التجربة وكتاب المعرفة، والخبرة التي تختبر فيها النفوس، وكما سبق وأن بين في قصيدته (الدرب واضح) أنه يمتلك ناصية الخيل كما يمتلك ناصية المعاني فهو هنا في هذه القصيدة يمتلك ناصيتي المعرفة معرفة الحياة ومعرفة الكتب، فهو يختبر الحياة في مختبره المعرفي، كما يختبر معرفته في مختبر الحياة:

ومـنـهو قــرا الـدِّنيا غـلَبْ قـاريْ كـتابْ

                                    وأنــــا كــسَـبـتْ الـمـعـرفـهْ بـإخـتـبـاري

فالتجربة هي كسب المعرفة من الخبرة، وكسب الخبرة من المعرفة لذلك يشير الشاعر إلى تكوينه الأصيل، واستناده إلى حكمة الأجداد في مسيرة حياته، ليكون ذلك دليلا له، سواء أكان في عتمة الحياة أم في نهارها، لأن بصيرة المعرفة تبصر في الليل كما تبصر في النهار، وترى الباطن كما ترى الظاهر، هكذا تكتمل لتأخذ حكمة التأمل عمقها في الكشف والقراءة والتأويل.

ومن يمتلك هذه الخبرة وهذه التجربة التي تستند إلى معرفة الحياة لا يعير انتباها إلى من يحاول الكذب والخداع، ولا يخشى من إبداء الرأي حتى وإن خالف برأيه غيره، لأنه ينهض من يقين المعرفة، ومن يقين الرأي والرأي الآخر، لأنه ينتهج نهج الشهامة العربية ونهج الأصالة، التي تنهض من نهج القيم والمثل العليا التي هي صبغة شاعرنا، وهي التي يستدل بها، وهي التي تعينه على ثبات الموقف، والرؤية الواضحة، فالشهامة لدى سموه ليست مقولات وإنما هي نهج، وسلوك، وهنا تبدو تلك العلاقة العميقة بين التجربتين؛ الحياتية والمعرفية:

مـشـيتْ فـيـها بـسـيرةْ إقـرومْ وأنـجابْ

                                وآدَلْ فـــــي لــيــلـي دلالـــــةْ نــهــاري

مـايـهـمِّني الــكـذَّابْ لــهْ قـلـبْ مـرتـابْ

                                ولاطـــرتْ لـــي مِـــنْ أمـــورَهْ طـــواري

آخـالـفهْ فــي الــرَّايْ حـاوَلْ ولا صـابْ

                                 وأبـديـتْ لـهْ فـي الـلِّي يـقولْ إعـتذاري

والــراَّيْ كـانـهْ وِعْــرْ مِــنْ يـتـبعَهْ خـابْ

                                وأنـــا عـلـىَ نـهـجْ الـشِّـهامهْ مـسـاري

لذلك نرى الشاعر ينفر ممن لهم وجهان في التعامل، ولا يحسب لهم أي حساب، ولا يلتقيهم، ولا يستعتبهم، لأنهم أدنى من أن يستعتبوا، وأدنى من أن يأخذوا حيزاً من التفكير، وفي هذا الرأي وضوح لا ارتياب فيه، سواء للقريب أو البعيد، لأن ذلك من قيم الذات الراسخة التي لا تقبل الخداع ولا تقبل الكذب ولا تقبل النفاق، وإنما تنهض من سيرة أصيلة تعانق بمجدها علو السحاب.

وما أحسِبْ لبُو وجهينْ لوُ يكبَرْ حسابْ

                                ولا ألــتــقــيــهْ ولا أبــــثِّــــهْ عـــتــابــي

هــــذا أنـــا واضـــحْ لـلأبـعَـدْ ولــقـرابْ

                                 لـــي ســيـرةٍ مـتـعـلِّيةْ فـــي الـسِّـحابِ

في القصيدة خبرة فلسفية وخبرة نفسية وخبرة سياسية واجتماعية في اختبار التجارب الإنسانية والعلاقات بين البشر، ترسخ القيم التي ينهض بها الخطاب الشعري والمعرفي لصاحب السمو، كما في القصيدة إشارات واضحة يستدل بها القارئ بفطنته، وتأويله، وباستقرائه ما وراء الكلمات وما وراء المعاني، والربط بين الرؤية الخاصة للقصيدة والرؤية العامة لصاحب السمو، لأن ذلك هو الدليل الذي يختبر فيه الخطاب الشعري لدى سموه، كما هو الدليل الذي يدرك فيه القارئ عمق التجربتين لدى سموه؛ تجربة الحياة وتجربة المعرفة، كما يدرك فراسة الفارس، وفروسية العارف، وفلسفة التأمل وحكمة الفلسفة التي صبغت خطاب سموه المعرفي بشكل عام وجعلت من خطابه الشعري، أكثر استجابة للتأمل والتأويل، وأكثر استجابة لقراءة الحاضر باستناد إلى قيمة الماضي وإشراق المستقبل، لأنه يريد لقصيدته أو لخطابه الشعري أن يكون أوسع من الكلمات الدالة، وأوسع من احتكاك المعنى بالواقع، فهو يوسّع الرؤية بضيق العبارة فتنكشف أمامه المعاني كما لا تنكشف لغيره.