قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، قصيدة تحمل أكثر من معنى فهي متموجة وأبية تركض بخفة جواد في مضمار المعنى لتبرز مفاتن البلاغة برشاقة وخبرة، والقصيدة المتفردة تهوى الكر والفر في الميدان، فهي لا تقدم أنفتها إلا في قالب من الحركة الموارة وكأنها خيل أصيلة تكسب الرهان، لكن رهانها يأتي من خيالها وخيلائها وهو ما يؤكده قول سموه في استهلال النص ليؤكد أنه هو من يدرك كُنْه المعنى وهو المتحكم في سياق النص وأن القصيدة «الخيل» لا تخرج عن طوعه مثلما قال:

مـتـوقِّـفهْ خــيـلْ الـلـيالي عـلـىَ الـبـابْ

                         أســمَـحْ لــهـا وإلاَّ أســـوقْ إعــتـذاري ؟

ويبين هذا النص مدى ما وصلت إليه تجربة الشاعر الحياتية التي أكسبته ثقة عالية، وأثرت معرفته فترامت مداركه الشاسعة ليأتي النص مشحوناً بالحكمة كإحدى المضامين التي تميز بها الشعر النبطي، وزاد رواجه في فترة عاش فيها شعراء أخذوا من الحياة وقسوة الصحراء وغدر الموج ما يرفد معناهم في القصيدة، وها هو سموه يعيد للحكمة ألقها في القصيدة الشعبية، هذه التجارب الحياتية التي تتكامل مع كسب المعرفة كما يؤكده المثل القائل «إسأل مجرب ولا تسأل طبيب» فسموه جمع بين تجربة الحياة والمعرفة في قوله:

ومـنـهو قــرا الـدِّنيا غـلَبْ قـاريْ كـتابْ

                         وأنــــا كــسَـبـتْ الـمـعـرفـهْ بـاخـتـبـاري

ولهذا يرى الشاعر نفسه هنا الطبيب المتمرس صاحب التجربة في تشخيص الآلام ومعالجة الأمراض، وهذه التجربة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالزمن على تغيراته وتقلبات فصوله وطقوسه والذي يربطه سموه هنا بطبيعة بعض البشر الذين يتلونون مع الوقت، ولا يثبت لهم رأي وينسلخون عن هويتهم ومجتمعاتهم وينطبق عليهم قول الشاعر:

ولا خيرَ في ودِّ امرئٍ متلوّنٍ

                        إذا الريحُ مالت مالَ حيثُ تميلُ

بخلاف صاحب المبدأ الذي يلتزم بقيم المجتمع وأخلاق الفارس فهو كالجبل لا تهزه الريح ولا تخدش شموخه، وهو يشير في النص إلى بعض الشخوص دون تحديد ليترك لكل واحد تحسس الأمر كما يقال «اللي على راسه ريش»:

والـوقتْ مـتلوِّنْ مـثِلْ بـعضْ الأصـحابْ

                       لــي ظَــنْ نـفـسهْ كـاسيْ وهـوهْ عـاري

وهنا تبرز فطنة المجرب الذي يقرأ المعنى من الوجوه ويفهم ما وراء الأقنعة ولا ينخدع بالرتوش الكثيرة التي قد ينبهر بها قليل التجربة، فالعطر الجذاب الذي يصافح حاسة الشم قد يخفى ما في الداخل من قبح:

والـلِّـي إدخَـلَتْ فـجأهْ لـها وجـهْ كـذَّابْ

                       مــتـعَـطِّـرَهْ يــاغــيـرْ مــنـهـا حــــذاري

كــانـتْ تــظـنْ ظـنـونْ وتــدوِّرْ أسـبـابْ

                       وأنـــا بــهـا وبـسـلـوبها صـــرتْ داري

ليؤكد من خلال هذا المعنى أنه صاحب رأي ومبدأ وواضح وضوح الشمس التي لا تحجب بغربال:

هــــذا أنـــا واضـــحْ لـلأبـعَـدْ ولــقـرابْ

                       لـــي ســيـرةٍ مـتـعـلِّيةْ فـــي الـسِّـحابِ

ويبقى الشاعر هنا هو عراف النص ليترك باب التأويل للمتلقي فالقصيدة التي تراوغ وتلاوع وتحمل أكثر من معنى هي التي تستطيع توسيع خارطة الحضور وكسب الاهتمام بدبلوماسية شاعرها الذي رسم طريق وصولها وحدد المشاهد والشخوص فيها.