قصيدة تبدأ بــجملة «خيل الليالي» وتنتهي بـجملة «متعلية في السحاب»، لا بد أن تكون راقية في مغناها، وقوية في معناها، مثل ما جاءت قوية في مبناها.
ولا عجب من ذلك فكلمة «الخيل» لمجرد سماعي لها يتبادر إلى ذهني الكر والفر والكثرة والغلبة، لأن الخيل جماعة الأفراس ولا واحد له من لفظه، فهو بمفهومه يعني الجيش الجرار، ويعني الانطلاقة القوية التي لا رجوع فيها حتى النصر والفوز، لأن العرب قديماً لم تملك للكر والفر لا أقوى ولا أسرع من الخيل.
ثم إنها لما تنطلق لا تنطلق انطلاقة عشوائية، بل بعد التحقق والتثبت من أن ظلماً وقع في مكان، فلا بد من الإغارة على الظالم قبل أن يستفحل الشرّ.
وبعد ذلك تأتي كلمة «الليالي» لتحمل هنا الكثير من المعاني للدليل على الحوادث البعيدة والتداعيات غير المرتقبة، لأن الليل يعني الغموض والإبهام، فكل ليل مخيف وموحش، وفي الليل تزيد الآلام والأحزان إمّا لطوله أو لغموضه وعدم وضوحه.
لذلك قال امرؤ القيس في معلقته:
وليل كموج البحر أرخى سدوله
علي بأنـــواع الهمــــــوم ليبتلي
فالليل بطبيعته مظلم، والأمواج المتلاطمة في قاع البحر أشد ظلمة، وهذه على كل حال كناية عن اشتداد البلاء والحيرة عند الإنسان أحياناً كاشتداد ظلمة الليل إذا اقترنت بظلمة قاع البحر.
خبير المكامن
وفي القرآن الكريم قوله تعالى: «والعاديات ضبحاً، فالموريات قدحاً، فالمغيرات صبحاً»، يقول المفسرون: «فالمُغيرات صبحاً» يقصد بها الخيل التي تغير على العدو وقت الصباح قبل طلوع الشمس، لكن يقول الآلوسي في تفسيره: تخرج الخيل في الصباح إلا أنهم كانوا يعدونها ليلاً لئلا يشعر بهم العدو.
فصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الشاعر الخبير بمكامن الشعر اختار جملة «خيل الليالي» عنواناً لقصيدته الجديدة ومطلعاً لها، لم يختر ذلك عشوائياً، بل هو قاصد هذا الاختيار، لأن الموقف يتطلب ذلك.
ففي القرآن الكريم أيضاً: «وأجلب عليهم بخيلك ورَجلك» الآية 64 من سورة الإسراء، لماذا قال تعالى «بخيلك ورجلك»، وبمعنى صِحْ عليهم بأعوانك وجنودك كلهم، من كل راكب وراجل، لأنه كما قال الطبري: المعنى أجمع عليهم من ركبان جندك ومشاتهم.
وقال الإمام الزمخشري في تفسيره العظيم الموسوم بـ«الكشاف»: الكلام وارد مورد التمثيل، مُثِّلت حاله في تسلطه على من يغويه بفارس مغوار أوقع على قوم فصّوت بهم صوتاً يستفزهم عن أماكنهم، ويقلقهم عن مراكزهم.
حالنا اليوم
نعم، وهذه هي حالنا اليوم مع قطر التي أصبحت اليوم لنا دار مفر، ولأهلها دار خطر، وعاصمتها التي كانت بالأمس دوحة، أصبحت بعد كل هذه التداعيات دوخة، ولا نريد لقطر الشقيقة كل ذلك.
من أجل ذلك، فإن الشاعر عندما كتب قصيدته بهذه العبارات المدوّية لم يكتبها كذلك من غير سبب ولا لأول مرّة، بل نتيجة تراكمات وتراشقات وتطاولات وتحديات من قطر بعد مرّة ومرّة، وكلها كانت كالحات كالبيد وكاشرات كالحنظل مُرّة.
إن الشاعر سبق أن حذّر قطر وقادتها المعاندين قبل هذا من مغبة الاستمرار في إيذاء الجار، والتمادي في مجاراة الأشرار، لكن لا حياة لمن تنادي، ولا يزال الشاعر ينذر وهو على وشك أن يوقع العقوبة على الجاني، فيقول إن العقوبات الأشد على الباب، وهي من غير شك تفوق التصور، لأنها أعدّت بإحكام وقناعة من الحكام، فلا رجوع فيها بعد كل تلك الإنذارات ولا مجال للملام.
كما أن الوقت أصبح يمرّ بسرعة، وله في كل دقيقة وجه يتغير بتغير الأحداث المتعاقبة كومضات البرق الخاطف أو كـتدفق الأمواج عند هبوب الرياح وهيجان البحر، وإذا كان من حق الوقت أن يتلون ويبدو بأكثر من وجه، فإنه من حق العقوبات أن تتغير من شديد إلى أشد أيضاً، لأن قطر والمستبد بالحكم في قطر هكذا يتلوّن ويتظاهر بأكثر من وجه.
لكن الويل لها ثم الويل تلو الويل من تماديها وتجاهلها لمن حولها، وأين تذهب من خبير محنّك كالشاعر محمد بن راشد الذي إذا نظر إليك قرأ ما يدور في رأسك من أفكار قبل أن تنطق أو تحرك الشفاه.
مستور الكلام
و لا تستغرب هذه الفطانة أو الفراسة في سموه، فهكذا كانت دهاة العرب يقرأون المستور من الكلام، تحت جنح الليل وفي حنادس الظلام، وكانوا يستنطقون الحجر الأصم، ويروى أن الملكة الزبّاء عندما خرجت لتنظر إلى الإبل المحملة بالغرائر والمسوح التي في الأصل أن تكون محملة بالهدايا الثمينة، إلا أن تلك الغرائر كانت للتمويه، ففي بطن الغرائر رجال يحملون الموت الأحمر للزبّاء حسب تدبير جذيمة.
فنظرت الزباء إلى الجمال فلاحظت أنها مثقلة بأثقال غير طبيعية ولا تكاد قادرة على السير فقالت على الفور:
ما للجمال مشيها وئيـــدا
أجندلا يَحملن أم حديدا؟
أم صَرفان باردا شديــدا
أم الرجال فوقها قعـــودا؟
أجل، وفي قصة الزبّاء وجذيمة وعمرو بن عدي وقصير الكثير من الصور والأمثال، وما يدور اليوم في منطقتنا يشبه ما كان في تلك الأيام، ففي قطر اليوم «خطر يسير في خطب كبير» كما قال قصير، وإن شئت فاقرأ ما استهل به الشاعر الشيخ محمد بن راشد قصيدته:
مـتـوقِّـفهْ خــيـلْ الـلـيالي عـلـىَ الـبـابْ
أســمَـحْ لــهـا وإلاَّ أســـوقْ إعــتـذاري
والـوقتْ مـتلوِّنْ مـثِلْ بـعضْ الأصـحابْ
لــي ظَــنْ نـفـسهْ كـاسيْ وهـوهْ عـاري
والـلِّـي إدخَـلَتْ فـجأهْ لـها وجـهْ كـذَّابْ
مــتـعَـطِّـرَهْ يــاغــيـرْ مــنـهـا حــــذاري
اقرأ قول سموه: مـتـوقِّـفهْ خــيـلْ الـلـيالي عـلـىَ الـبـابْ، وقوله: والوقت متلون مثل بعض الأصحاب، وقوله كاسي وهو عاري، وقوله: لها وجه كذّاب، وقوله: متعطرة، ثم تيقن أن هناك مؤامرات تحاك، وتدابير تدبر، وخيانات ترتكب، والحرب سجال في السر، والشر القادم مثله مثل من وقف على الباب وأوشك أن يدخل، والمتلوّن ويطلق على غير المؤمن أقل ما يقال عنه إنه غدّار أو منافق، وكلاهما ليس له جزاء إلا النار يوم القيامة، والمتلون مذموم في الدنيا قبل الآخرة، لذلك قال علي بن أبي طالب:
صن النفس واحملها على ما يزينهـا
تعش سالماً والقول فيـك جميــــــــلُ
ولا تـرينَّ النــــــاس إلا تجمـّـــــلاً
نبـا بك دهـر أو جـفـــاك خليــــــــــلً
ولا خـير في وُدّ امـرئ مـتلــــوّنٍ
إذا الريح مالت، مال حـيث تميـــلُ
وما أكـثر الإخوان حين تعدّهـــــــم
ولكنهـم في الـنائبـات قليــــــــــــــلُ
هكذا صاحبنا في قطر عاش طول سنوات حكمه يظن أنه أدهى من غيره، فحاك لإخوانه في مجلس التعاون ما حاك، وخطط لتدمير دول عربية بكاملها، فدمر منها تحت ستار الربيع العربي ما دمّر، وكوّن علاقات سرية مع أشرار هنا وفجّار هناك، وظنّ بعد ذلك أن لا أحد يراقب خطواته ولا يستمع إلى مكالماته، بل ظنّ أن أبّهة الحكم والتخبي في خزائن الأموال والتحكم في بعض العواصم العربية والأجنبية تضمن له السلامة، وكانت تتستر بأسماء وهمية وصور وتمثيليات تبدو كأنها إسلامية وهي يهودية.
ولم يفكر أن حبل الكذب قصير، وأن ما في القدر يطلعه الملّاس، وأنه لابد لليل أن ينجلي، ولابد للقيد أن ينكسر، والدنيا دول أو الدنيا دولاب، والمثل العراقي يقول: اللي يأكل هيجي أكلات يموت هيجي موتات، والشاعر يقول:
إذا اشتبكت دموع في خدود
تبين مَن بكى ممن تباكــــى
نعم، خابت ظنوننا في قطر ورب الكعبة، وليس الذنب ذنب قطر، وإنما ذنب من صادقنا لفترة وجاملنا لفترة، وكان له في ذلك وَطر في نفسه وأيّ وطر، ولكَم خُدعنا برائحة الخزامى برغم أن الشاعر يقول:
تمتّع من شميم عرار نجدٍ
فما بعد العشية من عرارِ
أقول بكل أسف: لم نُلق لما قال شاعر نجد بالاً، وافتـتنا برائحة الخزامى، وليتها كانت خزامى حقيقة، وليت الجمال الذي افتتنا به لفترة كان الجمال الفطري الأصيل.
وبالمناسبة إن الكثير من النباتات تتشابه، والكثير من الصخور تتشابه، والكثير من الثمار أيضاً تتشابه، لكن الفطن يقول: أين الثرى من الثريا، وأين المزيف من الحقيقي، لذلك قال الشاعر:
لا تمدحنّ امرأ من غير تجربــة
فربما قام إنســـــــان مقـــــام فئهْ
الدال والذال في التصوير واحدة
فالدال أربعة والذال سبعمــئهْ
ويقصد الشاعر الدال والذال قيمتهما الحسابية في الأبجد الكبير: (أبجد – هوّز- حطي -كلمُن - سعفص – قرشت- ثخذ -ضظغ)، حيث تحسب الدال رقمياً في أبجد 4، وتحسب الذال في ثخّذ رقمياً 700، وشتان بينهما في القيمة مع أن الشكل واحد.
لذلك فإن الشاعر الكبير الشيخ محمد بن راشد قال: متعطره يا غير منها حذاري، أي لا تغرك المظاهر الخداعة، فإنها لا تشف عما تحتها إلا بإمعان فيها.
ويكشف لنا الشاعر بعد ذلك في أبيات تالية أن قطر كانت تعيش مع الأوهام طول هذه المدة، وتظن أنها بالانتفاخة تبني إمبراطورية، وبالتزييف تسجل بطولات وتحصل على كؤوس وشارات وميداليات، ولم تعرف أن اليوم يوم الرشاقة كما قال الشاعر:
لا أعشق الأبيض المنفوخ من سِمن
لكنني أعشق السُمـــــر المهازيــــلا
إني امرؤ أركب المهر المضمّر في
يوم الرهان فدعني واركب الفيــــلا
على كل حال فعلت قطر ما فعلت، عندما وُوجهت بأخطائها وجرائمها في حق المنطقة وفي حق الشعوب والدول، وسوئلت عن ثروات بددتها هنا وهناك في شراء الخيانات وبيع الذمم، وكان أولى بها أن تنفقها في مواطن الإيجاب بدل السلب.
عندما وُوجهت بتلك الحقائق المدعومة بالبراهين والحجج، ذهبت تبرر لفعلتها، مستعينةً بأسباب مختلقة وغير مقنعة لا شرعاً ولا قانوناً ولا عرفاً، وصارت تفسّر الواضح للعيان كالشمس في رابعة النهار، بعتمات اختلستها من جنح الليل على يد الأراذل والأشرار.
والعالم أيضاً من حولها صار مخدوعاً بالفعل حتى كاد أن يساوي المغشوش بالذهب الحقيقي، فاللمعان هو اللمعان نفسه، ويكفي ذلك أن ينخدع به الجهّال، ومن لا خبرة له بالمعيار والمثقال.
الذهب الإبريز
أما أمثال شاعر كالشيخ محمد بن راشد الذي يختبر الذهب الإبريز بنفسه، فمستحيل أن يقع في شباك من لا خبرة له، ويعتمد على ما يقدم له من تصورات خاطئة، ومنه تصدر الرؤى والأفكار إلى العالم.
ثم يبين لنا الشاعر أنه لم يصدر حكمه بشكل فردي ولا في عجالة، بل بعد تأنٍّ وتمعّن وصبر طويل، واشترك في ذلك حكماء الرياض والبحرين والإمارات ومصر، حتى تيقنوا جميعاً أن قطر الآن أصبح فؤادها فارغًا من حب مجلس التعاون الذي ما زال يحبها ويأسف على خروجها.
والآن بعد أن اختارت الفراق والانفصال وكان بيدها أن لا تنفصل، أصبح من الواجب أن تذاق من كؤوس الهجران بإجماع منا، لعلها تؤوب إلى رشدها وتعرف الصديق من العدو، وقديما قال الشاعر:
ولمّا بدا لي أنهــــا لا تحبنــــي
وأن هواها ليس عني بمُنجلِ
تمنيتُ أن تهوى سواي لعلّهــــا
تذوق مرارات الهوى فترقَّ لي
اقرأ معي الأبيات التالية للشاعر الكبير الشيخ محمد بن راشد:
كــانـتْ تــظـنْ ظـنـونْ وتــدوِّرْ أسـبـابْ
وأنـــا بــهـا وبـسـلـوبها صـــرتْ داري
ومـنـهو قــرا الـدِّنيا غـلَبْ قـاريْ كـتابْ
وأنــــا كــسَـبـتْ الـمـعـرفـهْ بـإخـتـبـاري
مـشـيتْ فـيـها بـسـيرةْ إقـرومْ وأنـجابْ
وآدَلْ فـــــي لــيــلـي دلالـــــةْ نــهــاري
مـايـهـمِّني الــكـذَّابْ لــهْ قـلـبْ مـرتـابْ
ولاطـــرتْ لـــي مِـــنْ أمـــورَهْ طـــواري
ومن واكب الحدث في الأيام الماضية علم علم اليقين بأن دول المقاطعة أمهلت قطر وقدمت لها شروطها لإنهاء المقاطعة وانتظرت منها الجواب، لكنها تمردت أكثر وراوغت وماطلت وفي النهاية بعد أن سكتت دهراً نطقت كفراً، ورفضت الاستجابة لمطالب الرياض ومن معها، وأبت إلا أن تشق عصا الطاعة وترد حسن الجوار، وتكوّن لنفسها جبهة الرفض من الأغراب والأغرار، وهي في حالة تخبط وانفطار وانهيار.
نبقى مع الرياض
فلتفعل قطر اليوم ما تشاء، وسوف تندم يوم لا ينفع الندم، أما نحن الإمارات والبحرين ومصر فنبقى مع الرياض، وحل المشكلة القطرية كما قال معالي أنور قرقاش، في الرياض وليس في مكان آخر، وليس لقطر عندنا أكثر مما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في ختام قصيدته، وهو:
آخـالـفهْ فــي الــرَّايْ حـاوَلْ ولا صـابْ
وأبـديـتْ لـهْ فـي الـلِّي يـقولْ إعـتذاري
والــرَّايْ كـانـهْ وِعْــرْ مِــنْ يـتـبعَهْ خـابْ
وأنـــا عـلـىَ نـهـجْ الـشِّـهامهْ مـسـاري
وما أحسِبْ لبوُ وجهينْ لوُ يكبَرْ حسابْ
ولا ألــتــقــيــهْ ولا أبــــثِّــــهْ عـــتــابــي
هــــذا أنـــا واضـــحْ لـلأبـعَـدْ ولــقـرابْ
لـــي ســيـرةٍ مـتـعـلِّيهْ فـــي الـسِّـحابِ
أقول للشيخ محمد بن راشد: لا فض فوك ولا عاش من يشنوك، لقد كفيت ووفيت، وأعذرت من أنذرت، ودع اليوم يفور التنور، ودع كنعان يقول: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، وهو يعلم أنه لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، ولننزل نحن بسفينتنا في بلاد سلمان خادم الحرمين الشريفين، وما أشبه الليلة بالبارحة.

