حين قال العرب: «البلاغة الإيجاز»، لم تكن مقولتهم تخص المبنى دون المعنى، وإنما كانت تعني المقدرة على حسن الاستجابة بين الشاعر واللغة، بين اللغة والمعنى، ما يجعل الخطاب الشعري أكثر عمقاً في تسديد المفردة إلى قلب المعنى.

ولأن إيقاع السياسة إيقاع رتيب في الاستجابة والأخذ والرد، كانت قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في خطابها، صورة لدولة الإمارات في خطابها ودبلوماسيتها الثقافية والسياسية، خطاباً واضحاً، ورسالة بليغة، تستدرج الشعر الذي ينأى عن جدل السياسة والسياسيين، ويقترب أكثر من مخاطبة القلوب، والمشاعر، بما يمتلك من قوة ناعمة في تأويل المواقف، وبما يمتلك من طاقة تكثيفية، وبلاغة تعبيرية في تسريع الإيقاع السياسي، في إيجاز المعنى ووضوح الخطاب.

هكذا هي قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد (الدرب واضح) التي تنهض من عمق الرؤية في الكشف عن العلاقة بين ثقافة القائد السياسية وثقافته المعرفية والإبداعية، ما يجعل الثقافة دليلاً في عتمة السياسة، ولعل هذا ما يميز الخطاب السياسي في الإمارات، ويميز الخطاب السياسي لدى سموه، الذي كان دائماً يستدرج الخطاب الشعري في تأصيل لغة الحوار ولغة التفاهم، ولغة الثقافة والمعرفة التي تقرب بين أبناء الأمة، ذلك أن الخطاب الشعري هو الأكثر استجابة إلى تأصيل الروابط المشتركة بين العرب.

وحين نستقرئ العنوان نجد أن ثمة كثافة بلاغية في تكثيف معنى القصيدة (الدرب واضح) حيث الدرب يحدد المسار الذي تُختبر فيه المواقف السياسية. والوضوح هو الذي يحدد إيقاعية هذا المسار.

ليكون العنوان هو الرسالة الموجزة للقصيدة، والقصيدة هي الرسالة التي تستجيب إلى كثافة العنوان، وكأننا أمام نصين نص العنوان ونص القصيدة، حيث العنوان يؤول المعنى، ويثير في ذات المتلقي توتراً في البحث عن إيقاعية العنوان في القصيدة.

فخطاب القصيدة يفرد مساحة لخطاب الذات، كما يفرد مساحة لخطاب الآخر، بعيداً عن الجدل السياسي؛ لأن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أراد من هذا الخطاب أن يكون خطاب الحكمة وخطاب المعرفة، وخطاب الأخوة وخطاب التقارب والتواصل والحوار، لأن القضية التي يعالجها سموه في القصيدة لا تحتاج إلى كثير من الجدل بقدر ما تحتاج إلى خطاب من القلب إلى القلب، فالدرب واضح أمام قطر كي تستجيب إلى مطالب أشقائها الخليجيين والعرب، للخروج من مأزقها السياسي، ومأزقها الإنساني، ومأزقها المعرفي، وهذا ما أراده سموه من خطابه ومن قصيدته.

تأصيل الفروسية

تبدأ القصيدة في تأصيل معنى الفروسية التي تنهض من التكامل بين امتلاك ناصيتين ناصية المعاني وناصية السبق في الزمان والمكان، فسموه يوازي بين امتلاكه لخيل المعاني التي يجري بها اللسان وبين الخيل التي تجري في المسافات، حيث تنهض الفروسية بين الخيلين. فقد أراد سموه من هذه المقدمة لقصيدته أن تكون فاتحة للقضية التي يريد معالجتها، لأنها تتصل اتصالاً وثيقاً في تأصيل القيم وتأصيل أخلاق الفروسية، وتأصيل العلاقة بين الذات وقيمها، وبين القائد السياسي وقيم السياسة الإماراتية التي تنطلق من ثوابتها الأخلاقية وثوابتها الإنسانية وثوابتها في الانتماء إلى الأمة العربية، وتراثها ومثلها العليا:

خيلْ المعاني جَريَها باللَّساني

                       والشَّاعر إيسَمَّا لسانِهْ حصانهْ

وأنا علىَ الخيلينْ رَبِّي هداني

                       علىَ الرِّمكْ والسابقهْ في بيانِهْ

ترنيمها عزفْ ولحونْ الأغاني

                       وتَفخيمها للصافيهْ في دنانهْ

واللِّي هويتهْ وهو هواهْ إهتواني

                        منْ عقبْ هجرانهْ تغيَّر زمانِهْ

لاهوُ تريَّا أوْ تهيَّا وجاني

                       ولا آنا عشانهْ كنتْ أرضىَ هوانهْ

يامهرةٍ لي بالتِّغَلِّي تباني

                       كانتْ نصيبي عَنْ فلانْ وفلانهْ

أغليتها مغلي الغلاَ وجيتْ عاني

                      للغاليْ اللِّي في الغلا خَذْ ضمانِهْ

فارسْ حياتهْ في ثباتهْ كفاني

                     أثبتْ منْ أثبَتْ ثَبْتْ ثابتْ جَنانِهْ

حصنِهْ حصينْ محصَّنٍ بالعَياني

                    متحصِّنْ بحصنِهْ لنارَهْ ودخانهْ

شاهدْ شِهَدْ عنْ محنةٍ وإمتحاني

                    عنْ شاهدْ ومشهودْ حانْ إمتحانهْ

وأنا مودِّي دونْ حقٍّ جفاني

                   وحاوَلتْ أثني عنْ مسارَهْ عنانِهْ

القيادة والشعب

ثم تتجه القصيدة إلى التأكيد على قوة الاتحاد، وقيمه، ومثله، والعلاقة بين القيادة في دولة الإمارات وبين الشعب، تلك العلاقة التي تشكل الحصن الحصين لمناعة دولة الإمارات، وتقدمها لأنها مذ أنشئت كان هدفها الإنسان، وغايتها السلام، وفي هذا المجال يثني سموه على صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة (بو خالد) حفظه الله، الذي «من هيبته تموت النفوس الجبانة»، ما يبرز روح التكاتف والتضامن وروح التضحية من أجل هدف واحد هو الدفاع عن الوطن، والسلام للأرض والإنسان، حيث الجميع على قلب واحد من أجلa الحفاظ على الأمانة وصيانتها.

وعندي دليلْ إنْ ليلْ يظلَمْ هداني

                   عينهْ علىَ شعبهْ تباتْ إسْهَرانِهْ

عوني وأخويِهْ وإنْ أناديهْ جاني

                    وإذا يناديني ألَبِّي عشانهْ

هذاكْ بوخالدْ وما عنهْ ثاني

                   اللهْ رفَعْ قَدرَهْ وبالعَقلْ زانهْ

والوَقتْ في أمرَهْ وطوعْ البناني

                  منْ هيبتهْ تموتْ النِّفوسْ الجَبانِهْ

أنا وهوهْ لدارنا بالضِّماني

                 عَ قلبْ واحدْ حافظينْ الأمانِهْ

منْ غيرْ شَكْ إنصونْ شَعبٍ مصاني

                  ونرِدْ عدوانه ونحفَظْ كيانهْ

لتبين القصيدة حرص القيادة في الإمارات على حسن الجوار، وأنها تصون حق الجار، متمثلاً بالمثل القائل (الجار قبل الدار) وأن هذه القيم وهذه المثل هي جزء لا يتجزأ من قيم دولة الإمارات التي تنهض من قيم الدين الحنيف، وقرآنه الكريم وسنته الشريفة، حيث يتحول الخطاب في القصيدة إلى الحديث عن وحدة التاريخ والدم والمصير، وفي ذلك استدراج للروابط المشتركة بين أبناء الأمة.

ومنْ سالفٍ في الوقتْ عشنا زماني

                   معْ جارنا والجارْ أخْلَفْ رهانهْ

والجارْ قَبلْ الدَّارْ جا في المعاني

                    وكنَّا نعينهْ وهوٌ لنا في الإعانِهْ

منْ منبَتٍ واحدْ وشَعبْ وكِياني

                   دَمْ ولَحَمْ واحدْ وأرضْ وديانِهْ

مصلحة الأخوة

وليكون ذلك مدخلاً للحديث مع دولة قطر، بروح الأخوة وروح المحبة، وروح التسامح التي عرفت بها السياسة الإماراتية وعرف بها الخطاب السياسي والمعرفي والثقافي الإماراتي، كما عرف بها خطاب صاحب السمو في حديثه مع الأشقاء العرب، حيث ينطلق الخطاب من معرفة قطر قبل غيرها بطبيعة العلاقة بينها وبين دولة الإمارات، وأن الإمارات كانت لها دائماً ظلاً دانياً، بعيداً عن أي مصلحة سياسية، سوى مصلحة الأخوة، لذلك يدعوها بذات الروح أن تعود إلى حضن أشقائها الخليجيين والعرب، وأن تعود إلى وحدة الصف والموقف العربي، لأن انفرادها ليس في صالحها، بل يساهم في ضعفها، وخلخلة أمنها، ومكانتها في المجتمع العربي والمجتمع الدولي، وتصبح فريسة سهلة للمتربصين بها وبوحدة الأمة العربية، لذلك فعودتها هي عودة الفارس وعودة المحب، وعودة الأخ وعودة الابن إلى أسرته العربية، لأن المصير واحد، ولا ملاذ سوى بوحدة القلوب، التي تجعل من الخليج العربي قوة قادرة على الدفاع عن وجودها، كما يجعل الأمة العربية أقوى في مواجهة التحولات السياسية في المنطقة، ومواجهة أطماع المعتدين.

وتَدري قطَرْ أنَّا لَها ظِلْ داني

                 عنْ الغريبْ وعنْ ضعيفْ المكانهْ

ما هي مصالحْ بالسياسهْ تهاني

                 ياغيرْ خوِّهْ جارْ والحَظْ خانِهْ

وواجبْ علينا نناصحهْ بِلْعلاني

                 إنْ حَطْ لهْ أفعىَ رَمِلْ في ثبانِهْ

والذِيبْ ياكلْ م الكبارْ السِّماني

                 ساعَةْ تغادرْ سربها بإستهانهْ

ولكلْ شَيٍّ لوٌ تفكِّرْ أواني

                والجِدْ يا أهلْ الجِدْ هذا أوانِهْ

وآحِسْ أنِّ الوقتْ يكفي وحانِ

                 والشَّرْ نسعىَ كلِّنا في دفانهْ

ونرجعْ إلىَ وحدَةْ قلوبْ ومعاني

                 نحمي بعضنا دونْ حقدْ وضغانهْ

منْ السعوديهْ لديرةْ عماني

                 معْ دولتي لي هيهْ للعقدْ دانهْ

وبحريننا ويَّا قطرْ وآل ثاني

                 خليجْ واحدْ يصلحْ الرَّبْ شانهْ

حس الانتماء

ولكي يكون الخطاب أكثر بلاغة والرسالة أكثر أثراً، يستعين سموه بحكمة العرب، في تاريخهم، ما يجعل الخطاب الشعري أكثر إقناعاً للآخر، لأنه يحرك في ذاته حس الانتماء، لذلك يستدرج مقولة العرب في الاستعداد قبل المواجهة، كما يستدرج قصة الرماح التي توجز في البيت الشعري الذي أصبح مثلاً تجري به الألسنة:

«تأبى الرِّماحُ إذا اجتمعنَ تكسُّراً... وإذا افتــــرقْنَ تكــسّرتْ آحادا»

وقالوا عَرَبنا منْ قديمْ الزِّمانِ

                    قبلْ الرِّمايهْ يترسون الكنانهْ

وتأبَىَ الرِّماحْ العالياتْ اللِّدانِ

                   أنْ تنكسرْ متجمِّعهْ بذاتْ خانهْ

وإذا إتِّفَرَّقْ تنكسرْ في ثواني

                    ولا ينفَعْ الرِّمحْ المِكَسَّرْ سنانهْ

لوُ تتركونْ المرجفينْ بمكانِ

                   ونحنْ لكٌمْ أقرَبْ منْ أهلْ الرِّطانهْ

وما في المزايَدْ خيرْ يرجيهْ عاني

                    وكلْ وقت تدري لهْ صلاتهْ وأذانِهْ

وماهيهْ بالقوَّهْ ولا بالأماني

                    ومهما إختلفنا جارنا في أمانهْ

لذلك فسموه يستحث دولة قطر أن تعيد النظر في مواقفها، وأن تعيد النظر في سياستها، وأن (تحسب الشحم فيمن شحمه ورم) على حسب مقولة المتنبي، وأن تدرك أن وجودها ومصيرها منوط بعودتها إلى الصف العربي، والتزامها بالمواثيق وبالروابط الأخوية بينها وبين أشقائها، لأنهم هم الذي يصونون وجودها، ويذودون عنها، بعيداً عن كل المزايدات، وبعيداً عن كل الخلافات، وأن أهل (الرطانة) لن ينفعوها والإشارة هنا إلى علاقة قطر مع إيران التي تحتل الجزر الإماراتية الثلاث، والتي تقوم بدور أفعى الرمل في تأجيج نار الفتنة بين الأشقاء العرب، فهو يحذر قطر من هذه العلاقة بأسلوب أخوي، فيه النصح، والحكمة، مبيناً لها أن أشقاءها العرب هم أقرب إليها، وأن روابط العروبة والمصير المشترك هو الذي يجعل العلاقة أكثر تماسكاً، لذلك يتجه خطاب القصيدة في النهاية إلى الدعوة إلى الحوار والدعوة إلى التكاتف والتلاحم، والتضامن العربي، لأن الدرب واضح درب الهداية ودرب المحبة ودرب التسامح ودرب الأخوة، وإن لم يكن ذلك فلكل طريقه ودربه وشأنه.

ناخذْ ونعطي وبالتِّحاورْ يباني

                  الحقْ ظاهرْ مايبا لهْ فطانه

والدَّربْ واضحْ منهجهْ بالعياني

                  والبابْ مفتوحٍ ومحدَّدْ مكانهْ

ودربٍ إلىَ الرحمنْ خيرْ وجناني

                  أحسَنْ منْ الشِّيطانْ وأهلْ الشِّطانِهْ

وإنْ مابغيتوا دربنا بإمتناني

                    فكلْ واحدْ لهْ طريجهْ وشانهْ

القصيدة بكلمة موجزة خطاب يرسخ قيم السياسة الإماراتية ومعياريتيها الأخلاقية، كما يرسخ قوتها الناعمة ودبلوماسيتها الثقافية والمعرفية في الاستجابة لكل الملفات الساخنة في المنطقة، كما تأتي القصيدة لتؤكد القيمة الثقافية والمعرفية والسياسية لخطاب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي يجعل الثقافة والمعرفة والحكمة خلفية لخطابه السياسي، كما يجعل من السياسة أكثر استجابة للحوار لأنه يختبرها في الحاضر والمستقبل في ترسيخ رؤاه العميقة.