بسرعة فائقة وسهولة مطلقة صنع الأطفال من أنفسهم أسرى للعالم الافتراضي، بعد أن دخلوه بعمق وعايشوا تفاصيله متقمصين أدوار البطولة غير الملموسة، كل ذلك تشكل في ظل غياب أو انشغال مزمن الأب أو الأم أو كلاهما. وتزداد هذه المعضلة تعقيداً مع دخول فصل الصيف والإجازات المدرسية وفي ظل درجات الحرارة المرتفعة، ما جعل الخروج من المنزل أمراً صعباً غالباً، فانكبّ الأطفال على ألعاب كثيرة متوفرة بين أيديهم، لا سيما وأن هناك من الأسر من قلبوا غرف أولادهم إلى صالات ألعاب أو مستودعات لها.

كل تلك المعطيات أوجدت فجوة اجتماعية بدأت تتسع وتزيد من مشاكل الأطفال النفسية والصحية والاجتماعية، في ظل التغول نحو العالم الافتراضي، برفقة برامج وألعاب لا حصر له، والتي بدورها قلّصت أو أخفت موقع الطفل التقليدي في الأسرة، فأصبح لا يشارك ولا يتفاعل، وبالتالي تضعف علاقته بمفهوم الأسرة.

خطورة ذلك كما يوضح أطباء وذوو اختصاص أكبر مما نتوقع لذلك يجب مراقبة ما يشاهدوه الأبناء في إجازتهم ومتابعة ما يتفاعلون معه،وضبط الأجهزة بين أيديهم، حفاظاً على صحة الأبناء النفسية والاجتماعية والبدنية، بل وحفاظاً على حياتهم أيضاً.

أطباء الأمراض النفسية والأعصاب في مستشفى راشد حذروا من ترك الأطفال ساعات طويلة امام الهواتف النقالة والآيباد والعاب الانترنت دون متابعة ومراقبة الأهل لأنها تعزز الانطوائية والعدوانية والعزلة لديهم وتتحول فيما بعد لأمراض نفسية، وقالت الدكتورة سامية ابل استشاري الطب النفسي في مستشفى راشد ورئيس شعبة الإمارات للصحة النفسية: الوضع الطبيعي للطفل هو اللعب أو مشاهدة الرسوم المتحركة، ولكن ما نراه اليوم هو العكس تماماً فالطفل أصبح متعلقاً بأجهزة الهاتف النقال والآيباد، التي تضم كافة التطبيقات التي يشملها الكمبيوتر أو اللاب توب لسهولة حملها في كل مكان، وللأسف نجد الأهل احيانا هم المحفز الأساسي لإدمان أطفالهم على الوسائل التكنولوجية الحديثة، كونهم مشغولين طوال الوقت بهذه الأجهزة وبوسائل التواصل الاجتماعي.

مقبولة ولكن

وأضافت أن هذه الأجهزة تنمي قدرة الطفل على تحليل المعلومات وتحسين الوعي والإدراك والتفكير بصورة أفضل، وتخلق لديه ثقافة البحث العلمي والإبداعي وتفتح مداركه وتوصله بالعالم من حوله وتنمي مخيلة الطفل، الا ان قضاء فترات طويلة تجعل دوره غير فاعل في الأسرة، إذ إنه لا يشاركها ولا يتفاعل معها، وبالتالي تضعف علاقته بمفهوم الأسرة، لذا يجب مراقبة ما يشاهدونه على هذه الأجهزة.

وأوضحت الدكتورة منى القدة اختصاصية طب نفسي في قسم الطب النفسي بمستشفى راشد أن استخدام أجهزة التكنولوجيا الحديثة مثل الهواتف النقالة والايباد من قبل الأطفال أو حتى الكبار يؤثر سلباً على الترابط الأسري، كما قد يخلق خللاً في شخصية الأطفال تحديداً في حال دخلوا على مواقع مشبوهة في ظل غياب الرقابة الأبوية، وقد تصيبهم بالاكتئاب أو تولد لديهم العنف.

وبينت ان هناك جملة من العوامل تؤثر على نفسية الطفل مثل البيئة الاجتماعية والعلاقة الأسرية والوراثية، مشيرة إلى أن تمضية أوقات طويلة على الهواتف النقالة و الآيباد تؤثر سلباً على شخصية الأطفال.

زيادة المراجعين

وأوضحت الدكتورة القدة أن نسبة الأطفال من المراجعين في قسم الصحة النفسية بالمستشفى يزداد في في كل عام بعد انتهاء العطلة الصيفية، بسبب ارتفاع نسبة وعي الأهل بالأعراض النفسية لدى أبنائهم وأهمية علاجهم، لافتة إلى أن أغلب أسباب إصابة الأطفال بمرض نفسي هو بسبب العنف الأسري أو انفصال الوالدين والتفكك الأسري.

وأكدت أن غياب الحوار الأسري الراقي مع الأبناء سبب كبير لانصرافهم إلى الأجهزة الإلكترونية، لأن معظم الحوارات الأسرية يغلب عليها طابع العمل وهو ما لا يتفاعل معه الطفل، مشيرة إلى أن الأسر في مجتمعاتنا تنقسم إلى 3 أقسام وهي الأسرة الديمقراطية التي تترك الطفل يفعل ما يشاء، والمتسلطة التي تجبر الطفل على الانتهاء من واجباته ثم يتفرغ للأشياء الأخرى، ثم الأسرة الجاهلة غير الملمة بمعطيات المجتمع.

وبدورها قالت سميرة الحبيشي اختصاصية اجتماعية إكلينيكية أولى في قسم الطب النفسي في مستشفى راشد: إن الاضطرابات النفسية والأمراض العقلية بين الأطفال في تزايد بسبب ظهور التقنيات الحديثة الهواتف النقالة التي يمضي فيها الناس وخاصة الأطفال ساعات طويلة بمفردهم دون رقابة ومتابعة الأهل، مشيرة إلى أن الأسرة تلعب دوراً كبيراً في الحد من مضاعفات الأمراض النفسية.

اضطرابات النوم

وقالت إن إدمان الأطفال على ألعاب الفيديو قد يسبب اضطرابات في النوم وفشلاً على صعيد الحياة الخاصة أو الدراسة، وكسلاً وخمولاً وعزلة اجتماعية، إضافة إلى التوتر الاجتماعي وفقدان المقدرة على التفكير الحر وانحسار العزيمة والإرادة لدى الفرد.

وأوضحت سميرة الحبيشي أن التأثيرات السلبية لانشغال الأبناء بالآيباد والأجهزة الإلكترونية تتمثل في التأثيرات الصحية على الأعصاب والعين وضعف التحصيل الدراسي وانعكاساته على المستوى التعليمي، والتأتأة وعدم الاكتراث لمشاعر الآخرين، والعدوانية في السلوك تجاه إخوانه وزملائه، فضلاً عن ضعف الارتباط الديني.

وحول تعزيز الذات لدى الطفل بينت الحبيشي أن تعزيز الذات يأتي من خلال الحوار المعزز للشخصية بعيداً عن لغة التسلط والتهديد والوعيد، بحيث يتم إعطاء الطفل مساحة للتعبير عن ذاته وتفريغ ما بداخله بحيث يكون الحوار في اتجاهين، يتم من خلاله الاتفاق على العقاب على أن يختاره الطفل بنفسه من خلال اتفاقية سلوكية بين المربي والطفل، وهذا يعلمه ثقافة احترام القوانين عندما يكبر ويكسر لديهم جانب التمرد والعدوانية واحترام حدود الآخرين.

وبينت أن أسباب الأمراض النفسية كثيرة منها مثلاً المعاناة من بعض المشاكل الجسدية كالسمنة الزائدة أو النحافة الزائدة، أو طول القامة الزائد أو قصرها، وابتعاد البعض عن الاختلاط بالناس والانعزال عن الحياة الاجتماعية، والمعاناة من الفراغ، فعندما يشعر البعض بالفراغ فإنهم يلجأون إلى كثرة التفكير بالأمور المحيطة بطريقة سلبية، ومن هنا تبدأ المعاناة، بحيث يصاب الفرد ببعض الأعراض دون أن يشعر بها ثم تبدأ بالتزايد. كما أن الظروف الاجتماعية السيئة مثل التفكك الأسري والفقر، ترهق أعصاب الأفراد، وصعوبة ظروف حياة الشخص منذ الصغر، حيث تعتبر الطفولة من العوامل الأساسية في تشكيل شخصية الطفل وتأهيلها لما سيكبر عليه، وبالتالي، عندما تكون تربيته صعبة وظروفه قاسية فإنه يكون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض النفسية.

أمراض الدسك

وحذّر الدكتور عبد الله قاسم استشاري أمراض المخ والأعصاب في "صحة دبي" من الاستخدام المفرط للهواتف النقالة خاصة من قبل الأطفال على الرقبة لاعتبارها من اكثر أجزاء العمود الفقري حركة، ولكنها تحظى بحماية أقل من بقية أجزاء العمود الفقري، كما انها ليست محمية كالفقرات الصدرية المثبتة بالضلوع، لذا فهي أكثر تعرضا للألم والإصابة.

عادات خاطئة

وقال الدكتور عبد الله قاسم إن العادات الخاطئة باستعمال الجوال أو الكمبيوتر أو النوم على البطن أو النوم على وسادة لا تحافظ على الانحناء الطبيعي للرقبة في وضع جيد، أو النوم على مجموعة من الوسائد العالية تؤدي إلى جعل الرقبة في وضع غير متزن فتضطر عضلات الرقبة للعمل أثناء الليل لتثبيت ومنع عدم اتزان فقراتها ما قد يؤدي إلى إحساس بالألم والتيبس في الصباح بمجرد القيام من النوم.

وأفاد بأن الجلوس الخاطئ المستمر لساعات طويلة على المكتب أو الكمبيوتر أو قيادة السيارة له دور هام في آلام الرقبة.

وقدم الدكتور عبد الله قاسم بعض النصائح منها تجنب الاستمرار في الجلوس لفترة طويلة يكون فيها الشخص مضطرا لتثبيت الرقبة في اتجاه واحد، مثل استخدام الجوال أو القراءة أو الكتابة أو مشاهدة التلفاز، مشددا على ضرورة تعديل وضعية جلوس الشخص والاستراحة كل خمس عشرة دقيقة على الأقل، مع ضرورة المحافظة على وضع الرأس مستقيما مع العمود الفقري أثناء الجلوس لأنه كلما زاد زحف الرأس للأمام بمقدار بوصة واحدة (2.5 سم) معناه زيادة الضغوط على فقرات الرقبة السفلي بمقدار وزن الرأس، لذا يجب أن يكون المكتب قريبا من الشخص وارتفاعه مناسبا بحيث يمنع انحناء الرقبة.

وكشفت دراسة قام بها أطباء شعبة الأعصاب في جمعية الإمارات الطبية عن تأثيرات أجهزة التكنولوجيا (الهواتف النقالة، والأجهزة السطحية اللمسية) على صحة أطفالهم، أن اكثر من نصف الآباء المشمولين فيها (%61.4) ابدوا قلقهم حول علاقة أطفالهم بالأجهزة التكنولوجيا، ونحو ثلاثة أرباع الآباء (%74.9) لا يدعون أطفالهم يستخدمون هذه التقنيات من دون مراقبة. ونصحت الدراسة بتفادي استخدام هذه الأجهزة اللوحية عبر حملها في الحضن، أقله عند مشاهدة شريط مصور من جهة أخرى، فإن استخدام الجهاز اللوحي المرتفع جداً للنقر على شاشته، قد يخلف تأثيرات سلبية مضرة.

20%

بيّن الدكتور عبد الله قاسم أن ميلان الرأس للأسفل أثناء استخدام الهواتف المتحركة يضغط على العمود الفقري بما يتراوح بين 15 و20% من وزن الشخص على الرقبة مما يتسبب في عدد من المشكلات، منها آلام الظهر والرقبة.