يعجبني في صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أنه إذا أحب صدق في حبه، وأخلص في القول والعمل، وأصدق ما يكون في قاموسه هو حبه لدينه ولمقدساته ورموزه، وحبه لوطنه وأرضه، وحبه لإخوته وشعبه، وحبه لخيله وجواده.

ولعمري هذه الأنواع من الحب هي أسمى أنواع الحب في عالم الحب، لذلك نجح فيها من نجح وفشل فيها من فشل، وبما أن شاعرنا الكبير لا يؤمن بالفشل فإنه يحاول أن ينتشل من كبا في خطوته، أو نبا في كلمته، أو أخطأ في خطته وسياسته، أو قبع في محنته.

وفي هذه القصيدة التي بين أيدينا استخدم سموه رمزيات وكنايات عديدة، بل حتى الظاهر البين منها أطلق سموه القريب وأراد منه المعنى البعيد، والشيخ محمد معروف عنه كحاكم أو كشاعر أنه لا يستخدم كلمات من غير معنى، لأن وقته ثمين، وكلمته التي تتحول إلى حكمة هي أثمن.

اقرأوا أيها القراء هذه القصيدة ولا تفهموا أنه يتحدث عن الخيل ولا عن «الرمك» المحببة إليه، ولا الدنان ولا ولا ولا، واعلموا أنه إذا عاتب بعض أهل هذا الزمن، عاتبه لأنه لا يتوقع من مثله مثل هذا الهجران، والهجران أو الأذى أشده عندما يأتيك من القريب الذي تأتمنه على أسرارك.

وكلنا نفهم أن واجب القريب أن يراعي مشاعر قريبه، وإلا ما فائدة روابط الدم والنسب والأرض والمصاهرة، إذا تحولنا إلى وحوش وكواسر كلما نفخ الشيطان في عروقنا وأوداجنا، وأين نحن عندئذ من قول المقنع الكندي الذي يقول في مكارم الأخلاق:

وإن الذي بيني وبين بني أبـــــي

                          وبين بني عمي لمختلفٌ جــــــدّا

فإن أكلوا لحمي وفرتُ لحومهـــم

                          وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

وإن ضيعوا غيبي حفظتُ غيوبهم

                        وإن هم هووا غيي هويتُ لهم رشدا

وإن زجروا طيراً بنحس تمر بي

                          زجرت لهم طيراً تمر بهم سعــــدا

ولا أحمل الحقد القديــــم عليهـــــم

                           فليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

لهم جلّ مالي إن تتابع لي غنـــــى

                            وإن قل مالي لم أكلفهم رفـــــــــدا

وإني لعبد الضيف ما دام ثــــاويـاً

                             وما شيمة لي غيرها تشبه العبـدا

هكذا نجد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في الجزء الأول من قصيدته يلهب مشاعرنا ويخاطب من لا يريد أن يستمع إلى صوت الوجدان: فمرة يذكره بالمثل السائر: لسانك حصانك إن صنته صانك وإن أهنته أهانك.

ومرة أخرى يقول له: تراني كنت أعرف ما تقول وأعرف ما تفعل فأنا فارس الكلمة والخطوة والبيان ولا أحتاج إلى ترجمان، وإن لم ترد أن تفهم فحاول أن تفهم من خلال استعراض سيرتي بينكم فأنا كما يقول الشاعر:

الخيل والليل والبيداء تعرفنــــــــي

                             والسيف والرمح والقرطاس والقلم

وما أقوله ليس ادعاء بل حقيقة ملأت الأكوان وشنفت الأسماع والآذان، وصفت ثمالته كصفاء المعتّقة في الدنان، لكن ماذا أفعل إذا أنت لا تريد أن تفهمني ولا تريد أن تفهم أني أحبك وأحب مصلحتك، وصدق الشاعر الذي يقول:

قد كنتَ عـُدّتي التي أسطو بهــــا

                              ويدي إذا اشتد الزمان وساعدي

فرُميت منك بغير ما أمّلتــــُــــه

                               والمرء يَشرق بالزلال البــــارد

فإلى مثل هذه المعاني أشار شاعرنا عندما قال:

خــيـلْ الـمـعـاني جَـريَـهـا بـالـلَّساني

                          والـشَّـاعـر إيـسَـمَّـا لـسـانِهْ حـصـانهْ

وأنـــا عـلـىَ الـخـيلينْ رَبِّــي هـدانـي

                          عــلـىَ الـرِّمـكْ والـسـابقهْ فــي بـيـانِهْ

تـرنـيـمـها عـــزفْ ولــحـونْ الأغــانـي

                            وتَـفـخـيـمها لـلـصـافـيهْ فـــي دنــانـهْ

والـلِّـي هـويـتهْ وهــو هــواهْ إهـتواني

                         مـــنْ عــقـبْ هـجـرانـهْ تـغـيَّـر زمـانِـهْ

لاهـــــوُ تـــريَّــا أوْ تــهــيَّـا وجــانــي

                           ولا آنــا عـشـانهْ كـنتْ أرضـىَ هـوانهْ

يــامــهـرةٍ لـــــي بـالـتِّـغَـلِّـي تــبـانـي

                           كــانـتْ نـصـيبي عَــنْ فــلانْ وفـلانـهْ

أغـلـيتها مـغـلي الـغـلاَ وجـيتْ عـاني

                             لـلغاليْ الـلِّي فـي الـغلا خَـذْ ضمانِهْ

فـــارسْ حـيـاتـهْ فــي ثـبـاتهْ كـفـاني

                            أثـبـتْ مــنْ أثـبَـتْ ثَـبْتْ ثـابتْ جَـنانِهْ

ظل الشاعر لفترة يكتم حبه وشكواه، وصار يبعث إلى من يهواه برسائله لعله يفهم معناها ويفكر في فحواها، لكن دون جدوى وصار الآخر يتمادى في الهجران ويتظاهر بالود تارة وتارة يجاهر بالعدوان، إلى أن طفح الكيل واقتربنا جميعاً من أن نخسر الميزان، والله تعالى يقول: (وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان).

قال ابن عباس في تفسير الآية: أي لا تخونوا من وزنتم له، وقد ورد في قراءة (ولا تخسروا) بضم التاء وبفتح التاء، فبالضم (ولا تُخسروا) أي لا تُنقصوا أنتم ما توفون به من الحقوق، وقُرئت أيضاً بالفتح: (ولا تَخسروا) من خسر يخسر أن نقص بمعنى لا تَخسروا العدل.

نعم سكت عنه حتى طال السكوت، لكن سكوته لم يكن عن غفلة ولا عن رضا بما يفعله الآخر، والقاعدة الفقهية تقول: لا يُنسب إلى ساكت قول، ولكن السكوت في معرض الحاجة إقرار وبيان، والشاعر يقول:

وفي النفس حاجات وفيك فطانة

                         سكوتي بيان عندها وخطــــــاب

لكن ما نفعل لو لم يفهم الآخر لغة الإشارة، وقد قال الشاعر:

تكفي اللبيب إشارة مرموزة

                            وسواه يدعى بالنداء العالــي

من أجل ذلك فإن شاعرنا الكبير في الجزء الثاني من قصيدته باح بما كان يكتمه وأفصح عن كل مضمر، فقال ولسان حاله يقول:

أنا ابن جلا وطلاّع الثنايــــا

                            متى أضع العمامة تعرفوني

نعم قال مثل هذا في نفسه ومع ذلك فضّل الحكمة، فالضرر كما تقول القاعدة الفقهية لا يعالج بضرر مثله ولا بضرر أكبر، وذهب يفصح عن الشرخ الذي حدث في جدار البيت الخليجي أو الأصح دول مجلس التعاون باسمه ومن غير كناية، لأن الشرر بدأ يستفحل، وأوشك هذا الركن من أركان هذا البيت الذي اشترك في بنائه السعودية وعمان والكويت والبحرين والإمارات وقطر، أوشك على الانهيار.

والشاعر لا يصدّق أن ينهار هذا البيت الذي شارك في وضع لبنته الأولى مهندس الاتحاد الأمهر زايد بن سلطان، وانطلقت الفرحة الأولى بقيام هذا البيت من أبوظبي عاصمة اتحاد الإمارات العربية المتحدة.

وقف الشاعر يذكر الآخر بمجموعة من الحكم والأمثال النبيلة التي تحثه على الاجتماع وتحذره من الافتراق مثل: قبل الرماء تملأ الكنائن، ومثل قول الشاعر:

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا

                       وإذا افترقن تكسرت آحـــــــادا

ووقف يحذره أيضاً من مغبة الاستمرار في البعد عن القطيع ونحن نعلم أن الذئب يأكل القاصية من الغنم، وقام يرشده إلى حسن الاختيار فاختيار الرجل كما يقول عبدالملك بن مروان نصف عقله، ومن العقل أن لا يلبس الإنسان الثوب المرقع، وإذا رقّع ثوبه فليختر ما يناسبه، والمثل الشعبي يقول: حلاة الثوب رقعته منه فيه، ويقول المثل أيضاً: الّي موب على دينك ما يعينك، وما حكّ جلدك مثل ظفرك.

ولمثل هذه المعاني ساق الشاعر الأبيات التالية:

ولــكــلْ شَــــيٍّ لــــوُ تــفـكِّـرْ أوانـــي

                              والـجِـدْ يــا أهــلْ الـجِـدْ هــذا أوانِــهْ

وآحِـــسْ أنِّ الــوقـتْ يـكـفـي وحـــانِ

                                والــشَّـرْ نـسـعـىَ كـلِّـنـا فــي دفـانـهْ

ونـرجـعْ إلــىَ وحــدَةْ قـلـوبْ ومـعاني

                                نـحـمي بـعـضنا دونْ حـقدْ وضـغانهْ

مـــــنْ الـسـعـوديـهْ لــديــرةْ عــمـانـي

                               مـــعْ دولـتـي لــي هـيـهْ لـلـعقدْ دانــهْ

وبـحـريـنـنا ويَّــــا قــطـرْ وآل ثــانـي

                              خـلـيـجْ واحـــدْ يـصـلحْ الــرَّبْ شـانـهْ

وقــالـوا عَـرَبـنـا مـــنْ قـديـمْ الـزِّمـانِ

                               قــبــلْ الــرِّمـايـهْ يــتـرسـون الـكـنـانهْ

وتــأبَـىَ الــرِّمـاحْ الـعـالـياتْ الــلِّـدانِ

                                 أنْ تـنـكـسرْ مـتـجـمِّعهْ بــذاتْ خـانـهْ

وإذا إتِّــفَـرَّقْ تـنـكـسرْ فـــي ثـوانـي

                               ولا يــنـفَـعْ الــرِّمـحْ الـمِـكَـسَّرْ سـنـانـهْ

وبعد هذا السيل من الحكم العربية الأصيلة التي تبرئ الجرح، عاد الشيخ محمد بن راشد كعادته يتفاءل، فهو قبل قليل دعا إلى العودة إلى الوحدة ونسيان الضغائن المتراكمة على القلوب، لأن ما يجمعنا لا يزال أكثر مما يفرقنا.

وقد رأيناه يذكر الدول الست التي تألف منها مجلس التعاون بالاسم، ومعروف أن ذكر اسم الشيء صراحة له تأثير نفسي على النفس، وتسمعه الأذن قبل أن تحس به الحواس الأخرى حتى لو كان الشخص فاقد الإحساس فإن حاسة السمع لا تتعطل عنده، ألا ترى أن أبا نواس الشاعر الشيطان يقول:

ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمرُ

                               ولا تسقني ســـراً إذا أمكن الجهــــرُ

يقول علماء البلاغة: قال ابن نواس وقل لي هي الخمر، لأنه وهو إذا كان سكران فاقد الإحساس أو لا يستطيع الحركة فإنه لا يفقد مع السكر حاسة السمع، فيتلذذ أكثر إذا قيل له اشرب الخمر.

إذن ذكر دول مجلس التعاون بأسمائها له دلالة بلاغية برع فيها الشاعر هنا، كما أنه ذكر كل دولة بالصفة المحببة إلينا جميعاً.

فالسعودية إذا ذكرت اليوم تبادر إلى ذهننا الملك سلمان وليس غيره، وسمى الشاعر عمان بديرة عمان، لأن الإمارات وعمان ديرة واحدة فعلاً، وقال عن البحرين بحريننا لأن المصاهرة بين آل مكتوم وآل خليفة ذوبت الأبعاد والمسافات، وهكذا قطر وآل ثاني والكويت وآل الصباح، وقال عن الإمارات دولتي لي هيهْ للعقدْ دانهْ، لأنها كما قلت كانت الداعية الأولى إلى قيام مجلس التعاون وأول اجتماع لهم انعقد في أبوظبي.

وفي الختام يلفت نظرنا إلى أن كثرة القيل والقال لا فائدة منها، ومعروف أن لكل مقام مقالاً، وخير الكلام ما وافق الحال، فلا داعي للمزايدات في الكلام، ولا داعي أن نستعرض العضلات أمام بعض ونتهور ونتخذ قرارات ارتجالية، والمثل يقول: رب عجلة تهب ريثا.

وليعلم الذين يلعبون في الماء العكر، ويستغلون ساعة الخصام بين الأشقاء فيدخلون بينهم كالحمل الوديع، ونحن نعلم أن العدو لا يتحول إلى صديق، والجار جار حتى لو لم يكن متوافقاً معك، فالشرع أعطاه حق الشفعة أي المشاركة في بيته، فبأي حق يأتي البعيد ويدعي أنه أحق.

أجل وفي كل يوم يزداد إعجابي برد معاوية على ملك الروم، حيث يروي التاريخ أنه لما حصل الخلاف بين علي ومعاوية استغل ملك الروم هذا الخلاف فكتب ملك الروم إلى معاوية يقول له: لقد علمت أن خلافاً بينك وبين صاحبك علي وأنا على استعداد أن أمدك بالجيش والسلاح لقتاله، فرد عليه معاوية:

من معاوية إلى كلب الروم اخسأ يا لعين فلئن عدت إلي لأصطلحن أنا وصاحبي وآتينك بجيش أوله عندك وآخره عندي، فلما وصل الخبر إلى علي قال والله لو طلب مني معاوية تناسي الخلاف وقتال الروم لفعلت.

وشاعرنا الشيخ محمد بن راشد ختم قصيدته بهذه الأبيات الجميلة:

لـــــوُ تــتــركـونْ الـمـرجـفـينْ بــمـكـانِ

                                ونـحـنْ لـكٌمْ أقـرَبْ مـنْ أهـلْ الـرِّطانهْ

ومــا فـي الـمزايَدْ خـيرْ يـرجيهْ عـاني

                               وكــلْ وقــت تـدري لـهْ صـلاتهْ وأذانِـهْ

ومــاهــيــهْ بــالــقــوَّهْ ولا بــالأمــانـي

                                   ومـهـما إخـتـلفنا جـارنـا فــي أمـانـهْ

نــاخـذْ ونـعـطـي وبـالـتِّـحاورْ يـبـاني

                                  الــحــقْ ظــاهـرْ مـايـبـا لـــهْ فـطـانـهْ

والـــدَّربْ واضـــحْ مـنـهجهْ بـالـعياني

                                 والــبــابْ مــفـتـوحٍ ومــحــدَّدْ مـكـانـهْ

ودربٍ إلــىَ الـرحـمنْ خـيـرْ وجـنـاني

                                     أحسَنْ منْ الشِّيطانْ وأهلْ الشِّطانِهْ

وإنْ مـابـغـيـتـوا دربــنــا بـإمـتـنـاني

                                 فــكــلْ واحـــدْ لـــهْ طـريـجـهْ وشــانـهْ

هكذا يفضل سموه أسلوب الحوار والتفاهم على استخدام القوة والسلاح، ويبادر بطرح المصالحة على طاولة التفاهم بدلاً عن العناد والمكابرة، وبعد ذلك يقول إنا أردنا الإصلاح، فإن أبيتم فلا نقول لكم إلا ما قال المتنبي:

إذا ترحلتَ عن قوم وقد قدروا

                    أن لا تفارقهم فالراحلون هـــمُ