بلقزيز: المتشددون حرّفوا اجتهادات العلماء لتبرير أطماعهم في السلطة

محمد بن زايد يشهد محاضرة عن التراث والتطرف

شهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، في مجلس سموه في البطين، مساء أمس، محاضرة بعنوان «التراث والتطرف والخطاب الديني في الوطن العربي»، ألقاها الدكتور والمفكر والكاتب عبد الإله بلقزيز، أستاذ الفلسفة في جامعة الملك الحسن الثاني.

حضر المحاضرة، التي تأتي ضمن سلسلة المحاضرات التي يستضيفها مجلس سموه خلال الشهر الفضيل، كل من معالي الدكتورة أمل عبد الله القبيسي، رئيسة المجلس الوطني الاتحادي، وسمو الشيخ نهيان بن زايد آل نهيان، رئيس مجلس أمناء مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية.

والفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، وسمو الشيخ خالد بن زايد آل نهيان، رئيس مجلس إدارة مؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية وذوي الاحتياجات الخاصة، ومعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير الثقافة وتنمية المعرفة، وعدد من الشيوخ والوزراء وكبار المسؤولين.

وركزت المحاضرة على 7 نقاط وهي التراث العربي غير المستثمر وعلاقة المجتمع به، وانتقاء الجماعات الإسلامية ما تريد من التراث وإسقاط ما لا تريد، والفجوة بين الحداثة والتحديث، وكيف ظهر الفكر المتطرف في الوطن العربي، وتسخير الغرب للجماعات المتطرفة لخدمة مصالحه، وآليات الإصلاح الديني في الوطن العربي والأسرة والنظام التربوي، والمجتمع العربي وأزمة المعرفة والقراءة.

إشادة

وأشاد بلقزيز، في بداية محاضرته، بقيمة المحاضرات التي يستضيفها مجلس صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، مشيراً إلى أن مجلس سموه تحوّل إلى منارة للعلم والمعرفة، وقال: «أتشرف بالحضور في هذا الصرح الكبير، لتسليط الضوء على النافذة التي أطل من خلالها التطرف والتشدد، عبر تأليه اجتهادات العلماء وإضفاء الأهواء والغرائز البشرية عليها، لتكون معينة له للوصول إلى السلطة».

وقال بلقزيز، أستاذ الفلسفة في جامعة الملك الحسن الثاني، إن قضية التراث والتطرف تعد قضية محورية ومصيرية للأمة الإسلامية، وشدد على أن الجماعات المتشددة وتيارات الإسلام الحزبي والإسلام الجهادي تضفي على اجتهادات علماء التراث السابقين معاني ودلالات وأبعاداً محرفة وغير صحيحة لتبرير أطماعهم في السلطة.

وأضاف أن الحياد عن التأثير الزماني للموروث الإسلامي يجعلنا نبتعد عن فهم هذا التراث بشكل دقيق، ونسقط عليه رغباتنا وأهواءنا، وهو ما فعله المتشددون وأبناء الأحزاب السياسية ذات الطابع الديني، واستخدموا التجمعات السياسية التي سعت إلى إضفاء الصبغة الدينية التراث الإسلامي لتبرير الأجندات الطائفية، بعد أن حولوا ملكية التراث من ملكية عامة للأمة إلى ملكية حصرية داخل الحزب والجماعة.

تعريف التراث

وأضاف أن التطرف بدأ بإعادة تعريف التراث على أنه أيدلوجيا قابلة للاستخدام السياسي، عبر ظاهرة استغلال التراث باعتباره رأس مال ثقافياً قابلاً للاستثمار السياسي.

وقال: «وصلنا إلى هذه الحالة بعد تهيئة الشروط لانتشار الثقافة الضحلة في برامجنا المدرسية ومؤسساتنا التعليمية، عبر نشر تصورات أسطورية تخلو من الواقعية وتخلو من الروح التاريخية وقيم التسامح والحوار مع الآخر والتعايش السلمي، إلى جانب ثورة قبيحة تستثمر في التراث الإسلامي تم السكوت عنها فترة طويلة حتى طفح الكيل، بعد أن كبر حجمها وتأثيرها».

ورأى بلقزيز: «أننا جئنا أخيراً لمعالجة النتائج لا المنطلقات التي جاء منها هذا الفكر، وأن معالجة هذه الظاهرة لا بد أن تستند إلى قرار الحاكم وولي الأمر الذي لا يتعارض مع الدين، باعتباره جزءاً من نظامه التشريعي، وهو مبدأ المصلحة».

وأوضح أن قراءة المشهد الحالي للأمة يشير إلى نوعين أو رؤيتين لفهم التراث الإسلامي والتعامل معه، يذهب الرأي الأول إلى تحقير التراث وقدحه، ومفاده أننا في غنى عن هذا التراث، بل إن أصحاب هذه النظرية يرون أننا كلما تخففنا من تبعات التراث تقدمنا نحو اقتحام المستقبل والتقدم والنهوض، ويطلق على هؤلاء العدد من المصطلحات كالمتغربين والليبراليين، على الرغم من اختلافه من مبدأ التعميم على كل من ينتسب إلى تلك التقسيمات الفكرية.

وأضاف أنه في المقابل هناك رؤية مختلفة تماماً تبجل التراث وتقدسه، بل تؤلهه في أحيان كثيرة، وأصحاب هذه النظرة تجعلنا أسرى لأصحاب الأطروحات السابقة، وتضعنا أمام معادلة لا يمكن تقبلها في أي ثقافة، مفادها أن مستقبلك في ماضيك، وهو ما لا يستقيم معه التقدم.

ودعا عبد الإله بلقزيز إلى نظرة جديدة للتراث الإسلامي، تحمل الإيجابية لهذا التراث، نظرة تقرأه في سياقه التاريخي ولا تبالغ في تقديسه باعتباره فوق الزمان والمكان والتاريخ، وأن نعطي أنفسنا فرصة لنتحاور مع هذا التراث دون الخضوع لسلطته التاريخية، مشدداً على أن هذه الدعوة لا تشتمل على النصوص التأسيسية التي تنطلق من القرآن والسنة، فهما غير قابلين للنقاش أو الدراسة.

ورأى بلقزيز أن المشكلة تكمن في التعالي وتقديس النصوص التكميلية البشرية، ويبدأ الخلل والاعتلال بإسقاط الطابع البشري في تلك القراءات، على الرغم من أن كتب التراث المرجعية وضعت بوصفها اجتهادات وآراء تصيب وتخيب، ولم يضفِ أصحابها أي قدسية عليها، والدليل قبولهم بمناظرة مخالفيهم برحابة صدر.

وقال إن تلامذة تلاميذ أولئك المتقدمين لم يعودوا ينظرون إلى تلك المؤلفات والاجتهادات في إطارها البشري وشرطها الزماني والإمكانيات المتاحة في فترة كتابتها، وإنما جرى التعالي بها وتقديسها وتأليهها، وأصبح الرأي في الإمام فلان مروقاً حتى إن توافرت مستجدات تضفي على المراجعة قيمة فكرية راسخة وجلية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات