دوّت شكوى مسن في أحد المجالس من حاله مع أبنائه الذين قطعوا النفقة عنه واقتصرت علاقتهم به إلى حدود الزيارة كضيوف دائمين دون أن يمد له أحد يد العون، على حد وصفه، وتبدل حضور المجلس عبارات الاستنكار والاستهجان من قصته، التي حملت الخوف من الوحدة والضياع، وأفكار طاغية على أحلام عمره، ومنبع الأسئلة التي لم تجد لها إجابة، فلا حنينه لتفاصيل حياته السابقة ولا ما يعيشه الآن تستطيع أن تنفض غبار ما يعانيه.

ولطالما سمعنا كباراً في السن يرددون هذه الشكاوى في مجالسهم، فمنهم من يذرف الدمع وهو يقولها، وآخرون يستعطفون بها جيرانهم والمحيطين بهم لحملهم على مساعدتهم بما تجود به أيديهم من طعام أو ثياب، متناسين بأن نفقتهم واجبة على أبنائهم، ومن حقهم اللجوء للقانون للمطالبة بها.

وقد جرت العادة أن تقف أمهات أمام المحكمة تطالب طليقها أو زوجها المهمل والمقصر في حق عائلته وأبنائه بنفقتها هي وفلذات أكبادها، كما يؤكده عدد من المحامين إلا أن تنقلب الآية ليقف الآباء أمام العدالة مطالبين بنفقتهم، وبالطبع هي قضايا وحالات بالرغم من قلتها، إلا أنها موجودة، فبعض الآباء يفضلون الموت جوعاً من أن يطلبوا رغيفاً من أبنائهم.

ويتابع ذات المسن، قائلاً: أبنائي يزوروني باستمرار لمتابعة حالتي والاطمئنان علي، ولكنهم يثقلون علي أحياناً لعدم معرفتهم كيف بإمكاني استضافتهم وأنا لا أملك مالاً كافياً لتأمين ما يناسبهم هم وأولادهم عند زيارتي باستمرار، لذا اشترطت عليهم أن يزوروني وعائلاتهم كل جمعة، دون أن أمنع زيارة أبنائي ومرورهم علي في أي وقت.

نفقة واجبة

بدورها، تقول المحامية موزة مسعود، إن نفقة الآباء المسنين والذين لا يملكون دخلاً أو دخلهم ضعيف واجبة على أبنائهم وفقاً للمادة 81 من قانون الأحوال الشخصية، لذا يجب على الولد الموسر ذكراً أو أنثى، كبيراً أو صغيراً نفقة والديه إذا لم يكن لهما مال يمكن الإنفاق منه، ثانياً إذا كان مال الوالدين لا يفي بالنفقة، ألزم الأولاد الموسرون بما يكملها. ما يعني نفقة الأصول على الفروع والفروع على الأصول تكون حسب القدرة والاحتياج ودرجة القرابة في الإرث، فمثلاً:«تجب نفقة الجد على الحفيد حسب القدرة والاحتياج وطالما معاشه لا يكفيه»، مضيفة بأن القانون لا يشترط إقامة الوالدين في منزل الابن المنفق.

واستطردت بأن النفقة تؤدى للوالدين في أي مكان كانا، ونفقة الأم وسكناها واجبة على الابن، وتشمل النفقة الغذاء، الكسوة، العلاج، السكن، وما يعتبر من الضروريات في العرف والعادة، لافتة إلى أن النفقة ليست واجبة على الوالدين فقط، بل حتى على الجد.

مراعاة الحقوق

وأشارت المحامية موزة مسعود إلى عدم دراية كثير من الآباء وكذلك الأبناء ومعرفتهم بحقوق النفقة الواجبة على الأبناء تجاه آبائهم، لذا فمثل هذه القضايا نادرة على مستوى المحاكم بالرغم من وجودها، فالوالد يفضل الشكوى للمحيطين به بدلاً من التوجه إلى العدالة ومتابعة ابنه أو ابنته اللذين لا ينفقنا عليه، مشيرة إلى أن بعض قضايا نفقة الآباء يكون ظاهرها الحاجة، لكن باطنها أمر آخر مثلما فعل مسن برفع دعوى على أبنائه بعدم تسديد نفقه له، وتأكيد أبنائه ببرهم وإحسانهم له، إلا أنهم كان يرفضون زواجه للمرة الثانية.

عقوبة

أشارت المحامية موزة مسعود إلى أن عقوبة الممتنع عن إعالة الوالدين عند الكبر والحاجة عند تقديم شكوى في المحكمة تعود لتقدير القاضي الذي يراعي مختلف الجوانب، وفي أهمها: احتياج وظروف العائل، وقدرة المعيل وفقاً للأدلة والإثباتات، مطالبة بأن يراعي الجميع حقوقه وواجباته حتى وإن لم تكن مفروضة أو واجبة.