تطل علينا، قصة تحمل من العبرة والألم، ما قد لا يتخيله بشر، خاصة إذا كانت هذه المعاناة، لأم مستضعفة، تخلى عنها الجميع، ليتركوها تواجه مرارة لياليها، تحمل همها وحيدة، لا تجد من يحنو عليها ويمسح دموعها، وهي التي يُضرب بها المثل في الصبر على أقدارها، حتى تطمئن على فلذات أكبادها.
لم يخطر على بال الأم موزة الزيودي مطلقاً، أن عطاءها وتضحيتها تجاه أولادها وعائلتها، طوال سنين، يكون المقابل والثمن لهما، هو النكران والجحود من جانب زوجها، الذي تركها وحيدة في مهب الريح، بعد أن طلقها، وهي التي يشرف عمرها من بلوغ الخمسين، تركها تعاني الأمرّين مع بناتها الثلاث من أصحاب الهمم.
البداية، كشفت عنها كلمات الأم، التي تحمل بين طياتها ألماً وحزناً لا يخلو من بكاء لم يتوقف طوال حديثها، ما يعكس قصة إنسانية موجعة، لا يتحملها سوى من يحمل عزيمة وإرادة، تشق الجبال، حيث قالت إنها كغيرها من بنات جيلها تزوجت في سن مبكرة لم تتعد الاثني عشر عاماً، من قريب لها، وبعد مرور عامها الأول، استقبلت أول أطفالها، الذي بدأت تظهر عليه لاحقاً علامات تشنج، ما أنذر بوجود بوادر إعاقات ذهنية، ومن ثم مرت حياتها عاماً بعد عام، حتى أصبح لديها 11 ولداً وبنتاً، توفى الله منهم البعض.
وتسرد قائلة: إنها تحملت من الآلام ما لا يطيقه بشر، فكيف لها أن تهنأ وهي تفقد أولادها واحداً بعد الآخر، وكيف لها أن تتحمل وهي التي ترعى 3 بنات من أصحاب الهمم، تتنوع إعاقاتهن بين الذهنية والحركية، وأعمارهن بين السبعة عشر والثلاثين عاماً، لا تبخل عليهن بمجهودها، وتنقلها بين المستشفيات ومراكز العلاج في كل إمارات الدولة، بحثاً عن أمل في علاج، أو حتى رعاية مستمرة لهن.
وبين هذه السنوات والمعاناة التي تتجدد مع إشراقة كل شمس، لم تتصور أنها ستقف وحيدة تحارب مصيرها، خاصة مع هذا الكم من المصاريف التي تذهب لعلاج فلذات كبدها، فيما نال منها الزمن وعلامات الكبر الكثير، حيث إنها لا تهدأ ليل نهار، ترعى أولادها بكل ما أوتيت من قوة وعافية، ولم يكن مستغرباً أن ينال من جسدها السكري وأمراض الضغط، فضلاً عن إصابتها في عمودها الفقري، حيث أصبحت حركتها بسيطة لا تقدر على تلبية أقل طلبات بناتها، ومع تسرب الأيام ومُضي العمر، لم تعد الأم تستطيع حتى القيام بأبسط أمور احتياجات بناتها، من رعاية شخصية، أو أخذهن لمراكز العلاج المتخصصة، وهي التي تسكن بعيداً في منطقة نائية بين دبا ومسافي.
وبالرغم من ذلك لم يهدأ للأم بال، وهي التي لم تنتظر يوماً نظرة شفقة من أحد، فهي تروح وتجيء بين عدد من مستشفيات الدولة، بين أبوظبي والشارقة والفجيرة، حتى تحصل على أقل القليل.. فقط تريد تخصيص ممرضة مقيمة معها ترعى بناتها القعيدات، وتعمل على مساعدتها، خاصة أن ما تملكه من أموال لم يعد يكفيها، وهي التي تحصل على بعض الإعانات الحكومية، فضلاً عن أن الأقارب تخلوا عنها جميعاً، فلا يسألون عن أحوالها، ولا يساعدونها على مواجهة عثرات الأيام، حتى بيتها التي تسكن فيه أصبح قديماً ويحتاج لصيانات كثيرة، حسبما ذكرت.
وبكلمات تملؤها الهوان، تصرّ الأم على مواجهة مصيرها بكل قوة، رغم ألم أمراضها التي أصبحت تعاني منها، حتى تطمئن على بناتها، لا تطلب شيئاً.. فقط تريد أن تساعدها في رعايتها لهن ممرضة، توفرها لها جهة ما، حتى يمكنها أن تكمل ما تبقى لها من عمر، تملي عينيها بالنظر في وجوههن، تفرح لفرحهن، وتسعد لابتسامتهن، فهن الملائكة في شكل بشر.
