أكد إعلاميون شاركوا في منتدى الإعلام العربي مسؤولية الإعلام الكبيرة حيال التيقظ للمصطلحات والمفاهيم التي تحمل أفكاراً متطرفة ولها دلالات سياسية معينة تخدم أجندات وجهات مشبوهة، مشددين على أهمية التناول المهني للقضايا المطروحة، وعرض وجهات النظر المختلفة أمام المتلقي بإيجابية لإعمال عقله، بعيداً عن القوانين والمواثيق الإعلامية التي لم تستطع منع ومواجهة المفاهيم والمصطلحات المسمومة، مشددين على أن الطرح المحايد للقضايا سبيل مواجهة الأفكار المتطرفة.

وأجمعوا على أن مهمة الإعلام الحقيقية هي توضيح الآراء ورصدها بشفافية دون مزايدة، وأن ذلك هو الطريق الصحيح لتحصين المتلقي فكرياً لمواجهة أي أفكار هدامة موجودة في مجتمعاتنا العربية، خصوصاً في ظل عدم تمكن أي سلطة أو جهة مهما علا شأنها ان تحجب عنه المواد والرسائل الإعلامية، المتداولة.

كما أكدوا ضرورة ألا يكون الإعلامي مجرد ناقل للمعلومة، وألا يتداول مصطلحات مبهمة تحيد عن الثوابت الوطنية والقيم والأخلاق العربية والإسلامية، داعين إلى صياغة قائمة واضحة بالمصطلحات الإعلامية المستخدمة في وسائل الإعلام، وفق سياسة تخدم التوجه العام للدولة وتقدمها وازدهارها واستقرار أمنها، بعيداً عن التغليف.

سلاح

وقال محمد الحمادي رئيس تحرير جريدة الاتحاد:«الثقافة العامة هي سلاح أي إعلامي وأي وسيلة إعلامية، في مواجهة كل ما تتلقاه من معلومات وأخبار وأفكار مشبوهة أو شائعات تهدف إلى تأليب الرأي العام وإحداث فوضى في أفكاره ومعتقداته، كما أن الوعي بالظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقيمنا وثوابتنا العربية والمحلية، وقراءة الواقع من المنظور الصحيح، تتشابك جميعها لبناء حائط صد صلب أمام كل الأفكار أو المصطلحات التي لا تخدم أمننا واستقرارنا وعاداتنا وتقاليدنا.

فالمسألة غاية في الأهمية والحساسية، ولا يجوز ولا بأي حال من الأحوال أن يصبح الإعلاميون أو الجهات التي يعملون لديها أبواقاً لبعض الأفكار أو الأشخاص أو الأحزاب أو أي جهة أخرى، لأن الإعلام وجد ليكون حراً موضوعياً، يعرض وجهات نظر مختلفة دون المساس بأمن واستقرار وقيم وثوابت المجتمعات، ودون التعرض لأي أفكار قد تثير خلافات طائفية أو دينية أو حزبية أو تضر بالبلد وبأفراد المجتمع».

وتابع:«نتيجة عصر الفضاء الإعلامي المفتوح، والتداول السريع للمعلومات، ازدادت فرص تسلل بعض المصطلحات أو الأفكار إلى وسائل الإعلام، المختلفة، ولا شك أن هذا الأمر في غاية كبيرة من الخطورة، وعلى إدارات التحرير التنبه لها، وعدم السماح بتمريرها، من باب أن بعض الرسائل الإعلامية تشبه الرصاصة التي إذا انطلقت من بندقيتها فإنه لا تعود أبداً، وهذا ينقلنا إلى قضية مهنية أخرى وهي أنه لا بد لكل وسيلة إعلامية من قائمة مصطلحات إعلامية متعارف عليها، خالية من أية شوائب فكرية وعقدية وحزبية متطرفة».

دور رئيسي

أما ماجد السويدي مدير عام مدينة دبي للإعلام، فأكد أن الإعلام يلعب دوراً رئيسياً في إيصال الفكر الواضح والصريح الذي ينقل الحقائق أياً كانت، الأمر الذي يضع على عاتق الإعلاميين مسؤولية كبيرة لتثقيف وتوعية العامة والشباب والأجيال، من خلال تعزيز مفاهيم الدقة والموضوعية والمسؤولية والأخلاق، والدفاع عن هذه المهنة وحمايتها من كل من يحاول الاتجار بها أو استعمالها لأغراض تتناقض مع المصلحة العامة للمجتمع، لاسيما وأن وسائل الإعلام باتت طرفاً مهماً في الأزمات وربما يتم استغلالها لخدمة مصالح قد تتعارض مع رسالتها السامية.

وأشار إلى أن الإعلام أصبح سيفاً ذا حدين فإلى جانب كونه وسيلة بناء وارتقاء بالمجتمعات يعتبر أحياناً وسيلة هدم وتفتيت للشعوب والقيم، مشدداً على أن هناك مجتمعاً بأكمله ينتظر رسالة إعلامية هادفة ومسؤولة تنثر الثقافة والعلم والفكر السليم بعيداً عن التضليل والتشدد، وانطلاقاً من دور الإسلام كدين تسامح كان لزاماً علينا أن نحذر من التطرف في بعض الرسائل الإعلامية التي تدس لأبنائنا السم في العسل.

لا سبيل

من جانبه يرى الإعلامي أيمن الصياد رئيس تحرير مجلة وجهات نظر عضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية أن لا سبيل لحجب الأفكار والمصطلحات غير المرغوب بها في ظل تطور وتعدد وسائل الإعلام والحصول على المعلومة، لافتاً إلى أنه في حال تمكنت أي جهة أو وسيلة إعلامية من حجب معلومة اليوم، فإنها لن تتمكن من ذلك في الغد، نظراً لوجود الكثير من القنوات للوصول إلى الجمهور من خلالها.

ونوه: «ليس هناك من سبيل لحظر أو حجب أي فكر، لأنه ليس بالإمكان بناء قبة سماوية تحجب كل ما يبث من خلال وسائل الإعلام المختلفة لا سيما المرئية منها والمسموعة، وما لم تكن وسائل الإعلام والعاملين فيها على دراية بالمصطلحات الصحيحة فإن فرصة انتشار المصطلحات المحظورة والمثيرة للجدل والخلافات ستزيد، وستزيد معها فوضى التأويلات والمعتقدات والتعاطي مع كل ما يدور في المجتمع لا سيما من الناحية السياسية والاستقرار والأمن».

انسجام

من جانبه لفت صغير سلام، رئيس تحرير الأخبار في تلفزيون دبي، إلى أهمية انسجام المصطلحات مع معتقداتنا العربية الإسلامية ومصالح دولنا وأوطاننا، وقال: «كثير من المصطلحات السياسية التي تردنا عبر وكالات الأنباء ليست بريئة أو حيادية، وهذه عملية شديدة الحساسية، لاسيما وإن ما لا يعتبره الغرب أو المجتمعات الأخرى احتلالاً أو إرهاباً هو بالنسبة لنا احتلال وإرهاب على سبيل المثال لا الحصر».

وأكد ضرورة التركيز على انسجام الخطاب الإعلامي للمؤسسات، ففي الصحيفة أو الموقع الإخباري الإلكتروني قد نجد للمصطلح ذاته عدة مسميات، كأن نقرأ في بداية الخبر مسمى الجماعات المسلحة وفي السطر الذي يليه مسمى الجماعات الإرهابية، وقال: الاستهانة بأهمية انسجام الخطاب الإعلامي يسبب ضياع الرسالة الإعلامية.

وتحدث سلام عن ضرورة عدم التهاون في المصطلحات الاجتماعية، وقال: قد يطلق البعض على مناوشة شبابية في أحد ملاعب كرة القدم، مسمى احتكاك مثلاً، وهذا خطأ كبير، لأنه عنف مرفوض.مسؤولية كبيرة

وأكد الإعلامي ضياء رشوان، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن مسؤولية الإعلام كبيرة حيال التيقظ للمصطلحات والمفاهيم التي تحمل أفكاراً متطرفة والتي توحي باتجاهات سياسية معينة، وأن اعتماد هذه المصطلحات يؤثر في الجمهور والمتلقين، كما أنه يخلق انطباعات معينة تجاه استخدامها وتوظيفها وفقاً لاعتبارات عدة.

وأفاد أن الإعلام هو أحد المكونات الرئيسة للصراعات، وأنها قد لا يحسمها، ولكنه يسوّق مواقف أطرافها ويجلب لها الدعم الخارجي والداخلي وعملية تضبيب العقول بوسائل الإعلام هي إحدى ظواهر الحرب النفسية التي يؤدي تعميمها وتكريسها وترسيخها إلى تغيير الثوابت والمسلمات لدى الناس.

ولفت إلى أن توضيح المصطلح وصياغة الخبر هما في الواقع جبهة من جبهات الصراع، فالاستخدام الواعي للمصطلح إعلامياً يسهم بشكل كبير في خلق صورة إيجابية أو سلبية لأحد طرفي الصراع وبالتالي يمكن استغلال الرأي العام وتظليله في الوقوف مع هذا الطرف أو ذاك.

ونوه رشوان إلى أن المصطلحات المستخدمة في الخطاب الإعلامي لها دور كبير في بناء المفاهيم، وفي كسب المواقف أو تبديلها.

كلمات مفتاحية

ومن جانبها أكدت الإعلامية في قناة العربية منتهى الرمحي أن المصطلحات المستخدمة في الخطاب الإعلامي ليست عشوائية، أو جملاً مرصوصة تقال، بل هي كلمات مفتاحية، تحمل مضامين عميقة، ومفاهيم محددة، وأفكاراً مركزية.

وأشارت إلى أن قضية المصطلح في الإعلام، تعد من أخطر الجوانب التي يمكن من خلالها بناء المفاهيم أو تغييرها، وكسب المواقف أو تبديلها، كما أنها قد تكون باباً من أبواب الاختراق والتضليل الإعلامي، لافتة إلى أن الإعلام العربي لا يمتلك حرية محدودة فيما يمكن للإعلام الغربي أن يسقط دولاً وحكومات وعلى المستوى الداخلي وزراء، والتي تمت فعلياً وفق تجارب واقعية.

معايير اختلاف

وأفاد الإعلامي المصري محمد عبد الرحمن أن المصطلحات الإعلامية تختلف وفقاً لمعايير كثيرة ومتنوعة، ولها دلالات عدة منها الموقف الداعم والمعزّز، وموقف التبني والاستخدام المطلق، وموقف التقبل مع التحفظ، إلى جانب موقف الرفض على الإطلاق من دون بدائل، إضافة إلى موقف الرد العملي بتصنيع مصطلح مضاد والعمل على نشره بأساليب مختلفة.

ونوه عبد الرحمن المنتدى وعنوانه الحوار الحضاري الذي يدعو إلى التوازن في الخطاب الإعلامي والوسطية، وترك مساحات للجمهور لتكوين انطباعاتهم عبر عرض القضايا والمشكلات دون التدخل فيها ويكتفى بأسلوب تحليلي بسيط لا يتحيز لطرف دون آخر وغير موجه.

استراتيجية واضحة

ومن ناحيته أشار الإعلامي محمد الريماوي مذيع أخبار في تلفزيون دبي، إلى أن دور الإعلام يتمثل في التزام الفكر ووضع استراتيجية واضحة لمواجهة التطرف.

وأضاف أن التشدد أو التطرف موجود لدى كل مجتمع وحزب وجماعة وهو ليس بالنهج الجديد، ولا يختص بفترة زمنية دون أخرى، ولا بمجموعة بشرية معينة، كونه يتعلق بطبائع البشر وميولهم ونفسياتهم، إلا أن تجربة الإمارات رائدة في هذا المجال، حيث تضم أكثر من 200 جنسية تتعايش بسلام وأمان.