أكد غسان شربل، رئيس تحرير صحيفة «الشرق الأوسط» أن الصحافة تحدٍ يومي مفتوح، والقارئ متطلب دائماً وديكتاتور أحياناً لكن لا بد من قبول حكمه، لافتاً إلى أنه يشعر بالحزن حين تنطفئ صحيفة هنا أو هناك، منوهاً في الوقت ذاته بأنه علينا أن نتعامل بواقعية، فنحن في زمن الثورات المتلاحقة في التكنولوجيا والإعلام وغيرها. من لا يصعد إلى القطار يموت في المحطة.
وقال في حوار مع صحيفة جائزة الصحافة العربية وبمناسبة حصوله على جائزة «شخصية العام الإعلامية» وتكريمه من قبل سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي: أشكر اللجنة التي اتخذت قرار حصولي على الجائزة، متمنياً أن يكون مستحقاً ثقة أعضائها.
وأضاف، اعتبر الجائزة موجهة أولاً إلى «الشرق الأوسط» التي أتشرف برئاسة تحريرها. كما أشكر «نادي دبي للصحافة» والقيمين عليه على هذا الموعد الحضاري المتكرر والمتجدد للإعلاميين العرب.
وتالياً نص الحوار:
بدأت العمل الصحافي في «النهار» اللبنانية وتوليت رئاسة تحرير «الحياة» 12 عاماً، وأنت اليوم رئيس تحرير «الشرق الأوسط». ماذا تعلمت في الصحف الثلاث؟
اعتبر نفسي محظوظاً لأنني تعلمت على يد أساتذة محبين وصارمين ولأنني وجدت دائماً من يشجعني ويصوب عملي.
تعلمت باكراً أن نجاح الصحيفة هو ثمرة عمل فريق وأن العازف اللامع لا ينقذ أوركسترا مضطربة. وأن ارتفاع معدل النجوم في صحيفة دليل على نجاح رئيس تحريرها. وأن رصيد الصحافي مرهون بأعماله لا بألقابه. وتعلمت أيضاً أن الصحافة تحدٍ يومي مفتوح، ذلك أن العدد يشيخ ويموت قبل غروب الشمس. لذلك لا معنى للحديث عن البارحة، فالسؤال الحقيقي هو عن الغد. ومن يعمل يصيب ويخطئ، لكن الخطر يكمن في الأوهام إذا استشرى الغرور.
نجومية
هل صحيح أن رئيس التحرير يمكن أن يصبح أسير لقبه أو نجوميته؟
النوم على وسادة الألقاب غير محمود العواقب. الألقاب تأتي وتذهب. من يمنحها يستطيع أن يسترجعها، لكن لا أحد يستطيع حرمانك من الأهم، وهو مهنيتك وصدقيتك واحترامك لنفسك وللقارئ. أعرف أن القارئ متطلب دائماً وديكتاتور أحياناً، لكن لا بد من قبول حكمه.
مصير سيئ
هل أنت قلق مما يكتب عن انحسار الصحافة الورقية واتجاهها إلى مصير سيئ؟
لا الحنين يجدي هنا ولا الرثاء. طبعاً أشعر بالحزن حين تنطفئ صحيفة هنا أو هناك. لكن علينا أن نتعامل بواقعية. نحن في زمن الثورات المتلاحقة في التكنولوجيا والإعلام وغيرها. من لا يصعد إلى القطار يموت في المحطة. ومن يصعد عليه دفع الفاتورة، وهي كبيرة تتناول تغيير عقليات وأساليب وأدوات وأجيال.
ذاكرة الحاضر
حاورت عدداً من الملوك والرؤساء وصناع القرار. ما الذي يجذبك إلى هذا العمل؟
أنا أعتقد أن الصحيفة هي ذاكرة الحاضر ويمكن أن تلعب دور الشاهد. لا بد هنا من الإشارة إلى أن الحوارات الأكثر كشفاً أو تشويقاً هي تلك التي تجري مع من تحرروا من قيود الموقع. انتابني شعور أن العالم العربي يمر في مرحلة انتقالية، مهما طالت، لهذا اهتممت بجمع الروايات، خصوصاً من البلدان التي اكتوت بنار الاستبداد أو الحروب الأهلية أو الثورات.
الإعلام العربي
كيف تقوم دور الإعلام العربي، وهل أساء إلى صورة العرب أم خدمها؟
إننا نشهد انفجاراً إعلامياً غير مسبوق، وتحول كل مواطن إلى صحافي. وكثيراً ما يؤدي هاجس السبق والسرعة إلى جعل الحقيقة الضحية الأولى. هناك بالتأكيد إعلام عربي يحاول التقيد بالضوابط المهنية واحترام عقل القارئ، وهناك في المقابل نهر من إعلام الكراهية وتبرير المجازر والنفخ في جمر العصبيات على اختلافها. لكنني ألمس ولادة جيل صحافي جديد يحلم بالارتقاء بالممارسة الصحافية إلى مستوى الصحافة المتقدمة، وهذا أمر جيد. يصعب أن تكون لدينا وسائل إعلام طبيعية قبل أن تصبح لدينا دولة طبيعية وعاصمة طبيعية ومؤسسات عصرية وجامعات متطورة.
الحوار الحضاري
يطرح المنتدى في هذه الدورة شعار «الحوار الحضاري». كيف يمكن للإعلام العربي أن يلعب دوراً في تعزيز هذا الحوار؟
أعتقد أن الدور الأهم هو انتصار فكرة قبول الآخر، بدل الرهان على تطويعه أو شطب ملامحه أو اقتلاع وجوده. من قبول الآخر تبدأ الشراكة والتنمية والنهوض بكل أشكاله. الدرس الأوروبي شديد الوضوح في هذا السياق. علينا تحرير أنفسنا وكتبنا وشاشاتنا وهواتفنا من لغة الكهوف. لنترك أجدادنا يستريحون في أضرحتهم مع قواميسهم.
مسؤولية
من يقرأ حواراتك الصحافية أو كتبك، يكتشف أنك حاورت مرتكبي فظائع ومحتجزي رهائن وخاطفي طائرات وزارعي قنابل. بماذا تشعر قبل النوم؟
ليس لدى الأبرياء روايات تجتذب الصحافي. ومسؤولية محاسبة المرتكبين تقع على شعوبهم أولاً وأخيراً. علمتني المهنة أن القارئ يحب حكايات القساة، خصوصاً حين يفضحها من عملوا معهم وفي ظلهم. يكفي أن يجمع الصحافي الروايات كي لا تضيع وكي لا تكتب لاحقاً بحبر المنتصرين الجدد.
روح المدن
أخذتك المهنة إلى بغداد ودمشق وصنعاء والخرطوم وطرابلس وعواصم أخرى. هل تعتقد أن هذه المدن يمكن أن ترجع إلى ما كانت عليه؟
لا أعتقد. الحروب الأهلية تغتال روح المدن أكثر مما تغتال أبنيتها. إن منسوب الكراهيات شديد الارتفاع في الشرق الأوسط. والأوطان تقتل على يد أبنائها أكثر مما تقتل على يد المقاتلين الأجانب الجوالين. فضحتنا السنوات الأخيرة، فقد كشفت هشاشة ما نسميه التعايش، ومرض ما ننعته بالتسامح. كما كشفت أن لا جذور لدينا لفكرة الدولة والمؤسسات.
العروبة الحضارية
كيف نخرج من زمن الانهيارات هذا؟
لا شك أننا نحتاج إلى إيقاظ فكرة العروبة الحضارية، وعلى قاعدة الاعتراف بالآخر وحقوق الإنسان وكرامة المواطن وحقوق المرأة ووجوب الالتحاق بالعصر. نحتاج إلى مدرسة أخرى وجامعة أخرى. إنها مأساة فعلاً. كلما حاولنا الهروب من الظلم وقعنا في شرك الظلام.
شكر
ماذا يعني لك منحك جائزة شخصية العام الإعلامية؟
أشكر اللجنة التي اتخذت هذا القرار، وأتمنى أن أكون مستحقاً ثقة أعضائها. اعتبر الجائزة موجهة أولاً إلى «الشرق الأوسط» التي أتشرف برئاسة تحريرها. كما أشكر «نادي دبي للصحافة» والقيمين عليه على هذا الموعد الحضاري المتكرر والمتجدد للإعلاميين العرب.
شربل لـ«البيان»: الفوز يزيدني تعلقاً والتزاماً بالقواعد المهنية للصحافة
قال غسان شربل رئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط، الفائز بشخصية العام الإعلامية في الدورة السادسة عشرة لجائزة الصحافة العربية، في تصريح لــــ «البيان»: أشعر بالامتنان لمنتدى الإعلام العربي ولمجلس إدارة جائزة الصحافة العربية الذي اختارني للفوز بشخصية العام الإعلامية.
وأضاف: هذا الفوز يضاعف مسؤوليتي كصحافي، ويزيدني تعلقاً بمحاولة الالتزام بالقواعد المهنية في عملي، وأعتقد أن الصحافيين العرب يعيشون اليوم تجربة استثنائية، لأن العالم العربي يجتاز مرحلة خطيرة واستثنائية، ومع فوزي أريد أن أعبر عن بالغ شكري وتقديري العميق لكل من تعلمت منه في حياتي المهنية من أساتذة وزملاء في المهنة، وفي اعتقادي أن الصحافي الحقيقي هو الذي يتعلم دائماً ويراكم الخبرة، لكنه يعمل وكأنه يقوم بأول تحقيق صحافي له في المهنة، وهو ما أحاول أن أجسّده حالياً في صحيفة الشرق الأوسط التي أعتز بتولي رئاسة تحريرها.
واختتم شربل: أتقدم بالشكر الجزيل لنادي دبي للصحافة والقائمين على منتدى الإعلام العربي الذي يعتبر منصة رائدة تجمع الإعلاميين العرب في مكان واحد، لمناقشة كل ما من شأنه تطوير قطاع الإعلام ومهنة الصحافة والنهوض بها.
مساهمة
تُمنح جائزة شخصية العام الإعلامية، لإعلامي عربي ساهم بفاعلية في نهضة الإعلام العربي عموماً، أو في أي بلد عربي، أو في أية وسيلة إعلامية، أو أدخل تطويراً ملموساً في عمله، أو قدم عملاً ريادياً في مجاله.





