قصص يرويها مرضى أصابهم الفشل الكلوي على غفلة، متمسكون بالأمل، في ظل عثراتهم الصحية لمواجهة صدمة جلسات الغسيل الكلوي، التي تتم بعد إجراء عملية قسطرة لتركيب جهاز في شرايين وأوردة الرقبة، ليصاحبهم الجهاز في حياتهم اليومية، رافعاً نسبة أوجاعهم وآلامهم، والتي تدخلهم أزمة نفسية حادة، حتى تأقلموا مع هذا «الاختبار»، كما وصفوه.
داخل عيادة الكلى في مستشفى إبراهيم بن حمد عبيد الله برأس الخيمة، تبدأ رحلة 130 مريضاً من المواطنين والمقيمين لاستكمال علاجهم، بعد عمليات الزرع، والتي تتم أغلبها خارج الدولة، وآخرون يقومون بانتظار جلسات الغسيل الكلوي بشكل طبيعي، في ظل قيام المؤسسات الخيرية بدولة الإمارات، بتقديم الرعاية الكاملة، والوقوف مع المرضى للتخفيف من آلامهم، وتسديد المبالغ المستحقة عن عمليات الغسيل.
رحلة الشقيقين
جلس الشقيقان محمد ورفيق إسحاق محمد، على جهاز الغسيل الكلوي، وعيناهما تطالعان عقارب الساعة، لمعرفة كم تبقى لهما من وقت للتخلص من السموم التي تجري بدمائهما، ويقول محمد، أصابني الفشل الكلوي عام 2010، نتيجة لإصابتي بمرض ضغط الدم، والذي يرجع للعوامل الوراثية في العائلة، حيث أكد الأطباء توقف وظائف الكلى عن العمل، فقام أولادي بنقلي إلى باكستان لإجراء عملية زرع كلى، بعدما تقدم أفراد أسرتي بالتبرع، إلا أن عدم توافق أنسجة أحد من أفراد الأسرة حال دون إتمام العملية.
ومنعتني التكلفة العالية في باكستان من إجراء عملية زرع كلى جديدة، لتستمر أوجاعي طوال 6 أشهر، حتى رجعت مرة أخرى للإمارات، حيث تكفل الهلال الأحمر والجمعيات الخيرية بتكلفة جلسات الغسيل، وفي عام 2013، فوجئنا بنفس الآلام تصيب شقيقي الأصغر «رفيق»، حيث كشفت الفحوصات الطبية أصابته بالفشل الكلوي.
مسكنات الآلام
وتقول حصة سالم، كنت أعاني من صداع وآلام في الرأس باستمرار، ولم أراجع الأطباء للتأكد من أسباب الصداع، حيث بدأت بتناول أدوية المسكنات المضادة لتخفيف الأوجاع، حتى انهارت نفسيتي وتدهورت صحتي، وسقطت مريضة أعاني من آلام لم تصبني من قبل، بعدها اضطررت إلى مراجعة الطبيب في المستشفى، الذي طلب إجراء تحاليل وفحوصات شاملة، ليخبرنا الطبيب بأني أعاني من فشل كلوي حاد، ويجب أن أبدأ بالغسيل فوراً.
تحطمت أحلامي وطموحاتي، لم يكن أحد في العائلة يعرف كيفية التعامل مع المرض، وبدأ الجميع يتأثر نفسياً، نتيجة للآلام القوية التي كانت تنتابني، مدركين أن الفشل الكلوي ليس له علاج إلا بزرع كلى جديدة.
صدمة الأسرة
وكانت صدمة أسرة حليمة النقبي 63 عاماً، كبيرة، بعد إجراء التحاليل التي كشفت إصابة والدتهم بضمور وتشققات في الكلى، نتيجة لمعاناتها من مرض السكري وارتفاع ضغط الدم، وبدأت الأسرة بإعادة التحاليل في مستشفى آخر للبحث عن أمل في سلامة والدتهم، لتؤكد النتائج صحة الفحوصات الأولى.
والدتي سابقت الزمن
ويقول محمود حسن علي 38 عاماً، لم أكن أعاني من أي عوارض تدل على إصابتي بمرض الفشل الكلوي، حتى تم اكتشافه مصادفة عام 2009، بوجود زلال على الكلى، نتيجة لإصابتي بمرض السكري والضغط، لتبدأ حالتي الصحية بالتدهور السريع، نتيجة لعدم الاستعانة بطبيب تغذية، حتى سافرت إلى جمهورية مصر العربية لإجراء الفحوصات، التي كشفت أن الكلى تعمل بقدرة 20 %، وارتفع ضغطي حتى ساءت حالتي النفسية، والتي أدت إلى وهن جسدي بشكل سريع.
لم تتحمل والدتي صاحبة الـ 60 عاماً رؤيتي هكذا، حتى تقدمت بإعطائي كليتها، بعدما تقدم صديق والدي للتبرع لي بكليته، إلا أن نتائج التحاليل أثبتت عدم توافق الأنسجة بيننا، ولكن الطبيب طلب أن تفقد أكثر من 20 كيلوغراماً من وزنها.
أرفض الاستسلام
وتقول سماح أحمد صاحبة الثلاثة والثلاثين عاماً، لم أكن أعاني من أي عوارض تدل على إصابتي بمرض الفشل الكلوي، حتى إنني لم أكن أعاني من مرض الضغط والسكري، وتم اكتشافه مصادفة بعد تعرضي لحالة إغماء قبل عامين، لتتغير معها حياتي، عندما أكد الطبيب ضرورة التوجه إلى أقرب مستشفى لعمل غسيل للكلى، حيث أكدت الفحوصات توقف عمل وظائف الكلى بشكل كامل.
حياتي كانت طبيعية بعد فطام طفلي الثالث، بدأت تناول أدوية خاصة بفترة الفطام، والتي تسببت في تغيير الهورمونات بجسدي، ليبدأ بالانتفاخ يوماً بعد يوم، وعند مراجعة الطبيب، وضع لي خريطة علاجية، حتى جاء اليوم الموعود، الذي فقدت فيه الوعي لأستيقظ على قرار الغسيل الكلوي كل يومين.
إهمال
أما عائشة سيف فتقول: أبي وأمي في العقد السادس من العمر، ولا يتحملون الخضوع لعملية جراحية للتبرع لي، كما أرفض الحصول على كلى من شقيقي أو شقيقتي، لأنهما في عمر الزهور، فشقيقي «علي» تقدم خلال الأيام الماضية لخطبة زميلته في العمل، أما شقيقتي «زهرة»، فهي في المرحلة الجامعية، وأمامها الحياة بتفاصيلها الجميلة، نعم أرفض مساعدتهما لعدم التأثير فيهما خلال هذه المرحلة من حياتهما .
معاناة
وقال سعيد حمدان إن حياته أصبحت تعتمد على أجهزة الغسيل الكلوي، لتخليصه من السموم، على الرغم من حالة الضعف الشديد التي أصيب بها عقب عملية غسيل كلوي، وأحمد الله على ما أصابني، حيث ستستمر معاناتي طول حياتي التي قدرها الله، بعدما أثبتت التقارير الطبية، عدم مقدرتي على إجراء عملية زراعة كلى، نتيجة لمعاناتي من أمراض في شرايين القلب، والتي جعلتني ملتزماً بالجلوس كل يومين لمدة 4 ساعات لتنظيف الكلى بالغسيل الدموي.
إيمان بالله
ويقول المهندس جمال حمد (58 عاماً)، الذي ظهر بروح معنوية عالية، وإيمان كبير بقضاء الله وقدره، تغيرت حياتي منذ عام 2013، تحولت إلى شخص آخر، بعد معرفتي بإصابتي بالفشل الكلوي في مراحل متأخرة، نتيجة لإصابتي بالسكري والضغط، حيث وصلت قدرة عمل الكلى على 15 % فقط، بعدها ظهرت على جسدي العديد من الأعراض التي أدت لبقائي على جهاز الغسيل الكلوي ثلاث مرات أسبوعياً، لمدة أربع ساعات متواصلة.
خريطة علاجية متكاملة في مستشفى إبراهيم عبيد الله
أوضح الدكتور يوسف الطير مدير مستشفى إبراهيم بن حمد عبيد الله في رأس الخيمة، أن معاناة مرضى الكلى، لها جوانب متعددة، منها الجانب الصحي والنفسي، ويبدأ الأطباء بالتركيز على وضع الخريطة العلاجية الكاملة، والتي تشمل البرنامج الغذائي والدعم النفسي، لافتاً أن قسم الكلى بالمستشفى، استقبل خلال العام الماضي 2382 مراجعاً، وبلغ عدد مرضى الغسيل الكلوي 130 مريضاً، فيما بلغت عدد جلسات الغسيل 16772 عملية.
وأضاف الطير: إن المستشفى يضم مركزاً جديداً، كتوسعة لقسم الكلى، سيتم افتتاحه خلال الفترة المقبلة، وتصل طاقته الاستيعابية إلى 46 وحدة غسيل كلوي، ويضم 30 سريراً ومختبرين متطورين لفحص المرضى، طبقاً لأعلى المواصفات والمعايير العالمية، حيث يستوعب أكثر من 400 مريض شهرياً.
وأوضح الدكتور عبد الباسط حسن العيسوي أستاذ أمراض الباطنية والكلى بمستشفى عبيد الله، أن الفشل الكلوي مرض صامت، لا يشعر به المريض إلا بعد فقدان الكلى 80 % من وظائفها، تاركاً الشخص بين خيارين، إما الغسيل الكلوي أو عملية زراعة الكلى، لافتاً إلى أن الإصابة بالسكري والضغط، يعد أبرز أسباب الإصابة بالفشل الكلوي.
وأشار إلى أن الفشل الكلوي الحاد، ينتج لأسباب فقدان السوائل أو حدوث الالتهابات أو تناول جرعات الأدوية المسكنة لآلام الأسنان والصداع دون مراجعة الطبيب المختص، لافتاً أن الفشل الكلوي المزمن، تعود أسبابه للإصابة بأمراض السكري وضغط الدم والالتهابات والأمراض المناعية .
الدور النفسي
وأوضح الدكتور طلعت مطر استشاري ورئيس قسم الأمراض النفسية بمستشفى عبيد الله برأس الخيمة، أن مريض الفشل الكلوي، يمر بمجموعة من المراحل، أصعبها عدم تصديقه الرأي الطبي لتقبل المرض أو التعايش معه، سواء كان تعايشاً إيجابياً أو سلبياً، بالإضافة للقلق والخوف من الموت، بعد جلسات الغسيل الكلوي، وساهم التقدم العلمي في العلاج وعمليات زرع الكلى، وتوفر الأجهزة الحديثة في تقبل المريض والأسرة للخضوع للعلاج النفسي.
وأشار إلى أن مريض الفشل الكلوي يعاني من الاكتئاب، نتيجة لجلسات الغسيل الكلوي التي تستغرق 12 ساعة أسبوعياً، وتؤدي إلى الإرهاق، وتصيبه بالعديد من الأمراض النفسية التي لا يبوح بها .





