انطلقت، أمس، في أبوظبي، فعاليات الدورة الافتتاحية من «مجلس محمد بن زايد لأجيال المستقبل»، الذي يعقد تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويستمر يومين في مركز أبوظبي الوطني للمعارض.
ويجمع المجلس الطلبة الجامعيين الإماراتيين تحت سقف واحد، للمشاركة في سلسلة من الفعاليات التي تسلط الضوء على الأهداف الاستراتيجية للدولة، والدور الحيوي الذي تؤديه أجيال المستقبل في تشكيل اقتصاد دولة الإمارات لمرحلة ما بعد النفط.
وألقى سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، الكلمة الرئيسة في حفل افتتاح «مجلس محمد بن زايد لأجيال المستقبل»، أكد فيها أن حكومة الإمارات اليوم لا توجد فيها وظيفة مريحة، وقال: «حكومتنا تتحدث عن المستقبل وبدائل نظيفة للطاقة، وإقامة مستعمرة على سطح المريخ بعد مئة عام، ولهذا فإنها باتت لا تنافس الحكومات الأخرى على مستوى العالم فقط، وإنما أصبحت تنافس القطاع الخاص في حرفية العمل أيضاً، وقد تتفوق عليه في بعض الجوانب».
وتوجه سموه بالشكر إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ليس على رعايته لهذه المبادرة الحضارية فقط، بل لإيمانه بقدرات شباب الوطن واستثماره فيهم أيضاً، ليسهموا في نهضة دولة الإمارات، ويستمروا على نهج ومسيرة آبائهم.
وقال سموه: «عندما كنا صغاراً كنا نسأل بعضنا بعضاً هذا السؤال: ماذا سنفعل عندما نكبر؟، وعندما دخلنا الجامعة تغير السؤال إلى: في أي مجال سنتخصص؟، وقبل التخرج بعام أو عامين نسأل: ماذا ستكون وظيفتنا؟، وأي مؤسسة نعمل فيها؟، وغالباً من يكون القصد هنا في أي مؤسسة حكومية، فهذا هو الواقع، لأن كثيرين منا يبحثون عن الوظيفة المضمونة والمريحة، هكذا يعتقد الكثير من طلبة الجامعة، لكن أبشركم.. حكومة الإمارات اليوم لا توجد فيها وظيفة مريحة، فحكومتنا تتحدث عن المستقبل وبدائل نظيفة للطاقة، وإقامة مستعمرة على سطح المريخ بعد مئة عام، ولهذا فإنها باتت لا تنافس الحكومات الأخرى على مستوى العالم فقط، وإنما أصبحت تنافس القطاع الخاص في حرفية العمل أيضا، وقد تتفوق عليه في بعض الجوانب».
تغيرات هائلة
وأضاف سموه: «أننا لو نظرنا إلى المستقبل القريب لوجدنا تغيرات هائلة في الاقتصاد وفي سوق العمل، فالذكاء الاصطناعي الذي كنا نراه في أفلام الخيال العلمي قد صار واقعاً، وفي السنوات المقبلة سيفقد كثير من الناس وظائفهم لمصلحة الآلة، ففي مجال النقل - على سبيل المثال - بدأت القطارات تسير اليوم دون قائد، والسيارات الذاتية القيادة التي تعمل على تطويرها شركات مثل Google وTesla وUber بدأت تجوب الشوارع فعلاً، وبحسب تصريح مؤسس شركة Uber في القمة العالمية للحكومات التي عقدت في دبي الشهر الماضي، قال إن الجيل الجديد من الشباب لا يحب قيادة السيارات، أي إن سوق السيارات الذاتية القيادة هي مستقبل هذه الصناعة، وعلينا ألا ننسى أن أغلب أجزاء السيارات تركبها الروبوتات في المصانع».
برنامج ذكي
وأشار سموه إلى «أنه في مجال الصحافة صممت مؤسسة Associated Press برنامجاً ذكياً يقوم بمسح جميع أخبار الرياضة، ثم يعد تقريراً كاملاً عن مباراة حدثت قبل ساعات على سبيل المثال، لتنشر على موقع المؤسسة، وتتم هذه العملية كاملة دون تدخل من الإنسان، مما يعني أن وظيفة الصحفي ستكون خلال عقود عدة خبراً من الماضي».
ولفت سموه إلى أنه بالنسبة إلى أسواق الإنشاءات والطعام، ففي كلا السوقين بدأت الطابعات الثلاثية الأبعاد الدخول فيه، حيث رأينا كيف تمت طباعة مكتب المستقبل في دبي باستخدام هذه التقنية، وربما سمعتم عن طابعة الطعام «Foodini» التي تطبع الحلويات دون الحاجة إلى طهاة ومتخصصين، وفي المستقبل القريب ستدار المطاعم بشكل كامل من قبل روبوتات ستطبع الأكل دون تدخل بشري.
صناعة المستقبل
وأكد سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان «أنه في ظل هذه التغيرات الهائلة يحتاج الطلبة إلى أن يتوقفوا مع أنفسهم ويتساءلوا: كيف سنسهم في صناعة المستقبل؟».
وقال سموه موجهاً حديثه إلى الشباب: «حتى تجيبوا عن هذا السؤال، ستحتاجون إلى أن تستثمروا في أنفسكم أولاً، فالعالم المتغير الذي نعيش فيه لن ينتظركم حتى تنتهوا من دراستكم، لأنه يتغير كل يوم بشكل هائل»، لافتاً سموه إلى 75% من الوظائف الموجودة اليوم ستندثر لمن يولد هذه السنة.
وأضاف سموه: «أمامكم تحديان، التحدي الأول هو تطوير مهاراتكم واكتساب معارف جديدة قدر المستطاع، حتى تتمكنوا من اللحاق بالتغيرات التكنولوجية والحضارية من حولكم، ولهذا فإنني أدعوكم إلى استغلال الفرص المتنوعة الموجودة في الدولة، وأن تستثمروا هذا الوقت الثمين في حياتكم العلمية، حتى تكونوا جاهزين لحياتكم العملية».
وتابع سموه: «ثانياً، أمامكم تحدٍّ كبير، وهو تحدي العولمة التي أنظر إليها بوصفها فرصة ذهبية، لنتشارك ونتنافس مع العالم كله في شتى المجالات، فالثقافة العالمية صارت متقاربة، وما يتعلمه الطالب في طوكيو يتعلمه نظراؤه في أبوظبي والرياض ونيويورك وجوهانسبرغ، إنها مرحلة مثيرة في تاريخ البشرية».
منافسة عالية
وأشار سموه إلى أنه: «في دولة الإمارات التي عرف عنها ترحيبها بكل الناس من كل الأعراق والطوائف، باتت المنافسة عالية، وأنتم كأبناء وفتيات هذا البلد ما عدتم تتنافسون بعضكم مع بعض فقط، بل مع أفضل عقول من العالم من مختلف التخصصات وعلى أرضكم أيضاً لهذا تحتاجون إلى أن تتعلموا لغات أكثر ومهارات أكثر، وتلموا بما يدور حولكم في العالم، لتتفوقوا في المنافسة الحضارية التي ستخوضونها قريباً».
وقال سموه: «دعوني أضرب لكم مثالاً حياً من دولة الإمارات، فعندما تبنّت الدولة سياسة الأجواء المفتوحة التي تعني منح الحق لشركات الطيران بتسيير رحلاتها إلى مطارات الدولة دون تدخل حكومي، سواء في عدد الرحلات والركاب وغيرها من تفاصيل، خاف البعض حينها من منافسة الشركات الأجنبية للشركات الوطنية في المستقبل، إلا أن تلك الخطوة كانت كفيلة بدفع قطاع الطيران في دولة الإمارات إلى التطوير المستمر، حتى باتت شركات الطيران عندنا من أبرز الشركات وأقواها في المنطقة والعالم، وأدى ذلك إلى تطوير خدماتها وأدائها، وتطوير أكثر من 100 ألف وظيفة في دولة الإمارات».
مشاريع ناشئة
وأضاف سموه موجهاً حديثه إلى شباب الوطن: «حتى تتمكنوا من الإسهام في صناعة المستقبل عليكم أن تتوقفوا عن التفكير في الوظيفة الحكومية، فلا توجد دولة في المنطقة توفر دعماً للمشاريع الناشئة كدولة الإمارات التي تعد أيضاً من أكثر الدول سهولة في إنشاء الشركات وإدارة الأعمال، وبدل أن تبحثوا عن وظائف فإنه بإمكانكم أن تنشئوا مؤسسات وشركات جديدة في مختلف القطاعات بإرادتكم وعزيمتكم، فوظائف المستقبل ستنشأ بسواعدكم».
وأكد سموه: «أن التعلم مهم جداً، وهو أحد أهم الاستثمارات التي يقوم بها الإنسان في حياته، لكن التعليم الجامعي وحده لا يكفي، ففي زحمة المعارف والاختراعات والكشوف العلمية التي نشهدها كل يوم، نحتاج إلى أن نذهب إلى أبعد من الدراسة الفصلية، نحتاج إلى أن نكسب مهارات جديدة، وأن نحضر دورات تدريبية، وأن نبذل جهداً مضاعفاً لتطوير أنفسنا، فالعام الذي نتعلم فيه مهارة جديدة هو المقياس الحقيقي أن هذا العام يحسب من حياتنا».
منافسة
كما أكد سموه «ضرورة الجدية في الحياة، فالمنافسة قوية، ولكن الفرص أيضاً في مختلف دولة العالم، وخاصة في دولة الإمارات، كثيرة، فيجب أن نبذل أقصى جهدنا ونهتم بالنشء، وهنا أتحدث عنكم، فنريد أن نرى هذا النشء أكثر وأكثر أملاً، وأكثر رغبة في تطوير وتقديم المزيد لهذا الوطن».
وواصل سموه كلمته قائلاً: «عندما كنت في الجامعة لم يخطر ببالي أن أدرس الطاقة النووية أو علوم الفضاء، أو أن أتخصص في أحد مجالات الطاقة المتجددة، فماذا كنت سأفعل بشهادتي عندما أنهي دراستي؟ أما اليوم ففرص النمو في الدولة في هذه المجالات وغيرها صارت كثيرة، وصرنا قادرين على تحقيق أحلامنا العلمية والوظيفية والمشاركة في الوقت نفسه في مسيرة الحضارة العالمية».
واختتم سموه كلمته قائلاً: «إن من صنعوا التغييرات الكبرى في العالم والحياة ليس الذين تعلموا أكثر، بل الذين كانوا جادين في حياتهم أكثر».




