يتواصل استعراضنا لفصول الكتاب الثمين الذي صدر أخيراً بعنوان «تأملات في السعادة والإيجابية»، لمؤلفه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وسيلحظ القارئ تالياً هنا تركيزه بشكل خاص على قيمة «الشكر» كمصدر لبث الطاقة الإيجابية في فريق العمل، تحقيقاً للمزيد من الإنتاج النوعي، بجانب فضيلتي التفاؤل والتسامح لقطع الطريق على ثقافة الكراهية كطاقة سلبية مدمرة ومثبطة للهمم، كما يستعرض سموه منجزات حكومة الإمارات على صعيد الخدمات الحيوية ومشاريع التنمية فإلى بقية فصول كتاب «تأملات في السعادة والإيجابية».
شكراً لكم أيها الشعب
يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في الفصل السادس عشر: عنوان هذا الفصل ليس من كلامي، بل هو من كلام المؤسس، طيب الله ثراه، الشيـخ زايـد بن سلطـان آل نهـيـان. كـانت هـذه كلمتـه الرئيسة عندما يلتقي جمعاً من الناس في محفل عام، ولعل البعض سمعها عبر التلفاز مرات عديدة «شكراً لكم أيها الشعب».
كان الشيخ زايد، رحمه الله، في الحقيقة هو من يستحق الشكر الجزيل لأنه سخّر حياته لتأسيس دولة الاتحاد وتغيير حياة شعب كامل من ظروف قاسية وشديدة إلى حياة الرخاء والرفاهية خلال سنوات معدودة، ولكنه كان، رحمه الله، هو من يشكر الناس، وقبل ذلك كان دائماً ما يردد أننا لا بد أن نحمد الله ونشكره دائماً على نعمه وفضله علينا، وأن نؤدي حق الله فيها للحفاظ عليها.
لماذا كان الشيخ زايد يشكر الشعب في كل مناسبة؟ لا أعرف الإجابة تحديداً، ولكن ما أعرفه أن الشكر والقيادة شيئان متلازمان، لا يوجد قائد لا يشكر الناس، ولا يجوز أن يكون قائداً من لا يشكر فريق عمله، و(لا يشكُرُ اللهَ من لا يشكُرُ الناسَ)، كما جاء في الحديث الشريف.
الشكر صفة أصيلة، ووصفة أساسية لتحقيق الرضا والسعادة، بل إن بعض الأبحاث الطبية أشارت إلى علاقة الشكر بتحفيز الطاقة الإيجابية للدماغ، ما يساعد الإنسان على الإبداع وعلى مزيد من الإنجاز، بالإضافة لتأثيرها في قوة مناعة الجسم. ولكن ما يهمني في هذا الفصل هو تطبيق مفهوم الشكر الإيجابي في بيئة العمل، وتعزيز التأثيرات الإيجابية لهذا المفهوم في المجتمعات والدول.
تغيير النظرة
أولاً، لا بد من تغيير نظرتنا لموضوع الشكر في مؤسساتنا. الإيجابية كما عرفناها هي في تغيير نظرتنا لكثير من الأمور والمفاهيم حولنا. الشكر ليس مسألة شخصية تتعلق بطبائع المسؤول وأخلاقه، بل لا بد أن تكون عملية مؤسسية واضحة، لها أدواتها ومقاييسها ومواردها ومواعيدها وفرق قائمة عليها.
نستحدث بشكل مستمر أدوات ووسائل لشكر فرق عملنا كالجوائز والأوسمة والزيارات الشخصية لفرق العمل المنجزة، والتنويه الإعلامي بإنجازاتهم أمام المجتمع. كما أن من أدوات الشكر أيضاً، منح الثقة والصلاحيات للموظفين بالإضافة للترقيات وغيرها من المكافآت.
القائد الذي لا يمارس الشكر، هو قائد فقد الثقة بنفسه، لأن الشكر يتطلب شجاعة وقوة وثقة عالية.
ثانياً، القائد الإيجابي والناجح يشعر بالشكر والامتنان تجاه كل ما يمر به. يبدأ يومه وحياته بشكر الله. يبدأ صلاته بحمد الله، ومع كل لقمة أو شربة ماء يشكر الله، ومع إشراقة كل يوم يجدد شكره لله ولكل ما حوله. نشكر كل شيء. نشكر التجارب التي مررنا بها. نشكر التحديات التي تعلمنا منها. نشكر الظروف التي صنعتنا. نشكر الماضي الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه. ونشكر الحاضر على السعادة التي نشعر بها. ونشكر المستقبل لأنه يعطينا دافعاً للاستيقاظ كل صباح ونفوسنا مليئة بالتطلع والطموح والاندفاع والإبحار في آفاقه الرحبة.
نظرية القائد الشكور
القائد الشكور يرى الأمور على حقيقتها لأنه قائد غير مغرور. وهو قائد قوي لأنه يستطيع التحكم بمشاعر النجاح في وقت الإنجاز، ولا تعميه تلك المشاعر عن رؤية الأمور على حقيقتها أو عن رؤية فضل الآخرين وجهدهم في تلك الإنجازات. وكلما ازددت شكراً لمن حولك، ارتفع في نفوسهم قدرك ومكانتك.
وأخيراً أقول: لا بد أن يكون الشعب أيضاً شكوراً؛ شكوراً لربه ولنعم الله عليه ولفضله، شكوراً لظروفه، وشكوراً لنفسه وأيضاً شكوراً لقائده.
نشكر التحديات التي تعلمنا منها، نشكر الظروف التي صنعتنا، ونشكر الماضي الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه.
لا يوجد قائد لا يشكر الناس، ولا يجوز أن يكون قائداً من لا يشكر فريق عمله.

200 مليـون طاقــة إيـجابيـــة
لدينا 200 مليون شاب عربي، هم بين خيارين: أن يفقدوا الأمل بمستقبل أفضل، وحياة أفضل، ليصبحوا فريسة للفكر المتطرف ووقوداً للصراعات المذهبية والطائفية العرقية في منطقتنا، أو أن يكون لديهم أمل حقيقي في المستقبل، وثقة كبيرة في حياة أفضل، وطاقة إيجابية لصنع بلد أفضل. لدينا خياران: إما 200 مليون شاب بطاقة إيجابية كبيرة يمكن أن يغيروا العالم للأفضل، أو 200 مليون شاب تتنازعهم قوى الإرهاب.
لا بد من خلق أجواء إيجابية في عالمنا العربي. لا بد من تعزيز قيم الإيجابية والتسامح والتفاؤل بالمستقبل في عالمنا العربي حتى يستطيع الخروج من دائرة لا متناهية من الصراعات والتوترات التي لا يربح فيها أحد.
وبدأنا في الإمارات حراكاً لنشر هذه القيم والأفكار والمبادئ، عبر تغيير هيكلي هو الأكبر في حكومتنا، عينا فيه وزيراً للتسامح لترسيخ هذا المفهوم محلياً عربياً، ووزيراً للسعادة، ووزيرة شابة عمرها 22 عاماً للشباب، لنقل أفكارهم وتطلعاتهم وطموحاتهم.
الشباب العرب قادرون على تغيير الواقع للأفضل، الشباب الذين بنى أجدادهم إحدى أعظم الحضارات قادرون بكل تأكيد على إعادة البناء وتغيير الواقع بل ومنافسة العالم. شباب العرب توّاقون ومبدعون وقادرون متى ما توفرت لهم الفرص والبيئة الصحيحة.
الوجهة الأولى
في استطلاع رأي للشباب العرب تجريه إحدى الشركات العالمية سنوياً، تأتي الإمارات دائماً كوجهة مفضلة أولى للعمل والحياة، حتى قبل الوجهات الغربية المعتادة. لم نفعل شيئاً في الإمارات غير توفير البيئة الصحيحة والسليمة ليحقق الشباب أحلامهم وليدركوا طموحاتهم. لا أقول ذلك للتفاخر، بل أقول ذلك لأثبت أن هناك الكثير مما يمكن أن نفعله، وأن الأمل كبير في المستقبل.
أنا من المتفائلين دائماً، مهما كانت الظروف صعبة. وأنا من أنصار بث روح الإيجابية بشكل كبير في عالمنا العربي. نريد تغيير نظرة الشعوب لواقعنا. أنا لا أتحدث هنا عن إعطاء أمل كاذب ووهم للشعوب العربية. أنا هنا لأتحدث عن نظرة متوازنة للأمور. سؤالي هنا، هل حالنا اليوم كأمة عربية أفضل أم حالنا قبل خمسين سنة مثلاً، أو حتى قبل 25 سنة؟
لماذا لا نتفاءل؟
لدينا التكنولوجيا التي لم تكن موجودة من قبل، وأصبحت المعرفة اليوم في متناول الجميع عبر الشبكات الإلكترونية، لماذا لا نتفاءل؟
اقتصادياً، الناتج الإجمالي للدول العربية تضاعف خمس مرات بين 1980 و2010؛ خمس مرات في ثلاثين عاماً حسب البنك الدولي. هناك تطور اقتصادي، لماذا لا نتفاءل؟
دخل الفرد بين 2004 و2011 في العالم العربي ارتفع 100%، أي خلال سبع سنوات زاد بمعدل الضعف، وذلك أيضاً حسب البنك الدولي، لماذا لا نتفاءل؟
كانت الدول العربية سابقاً تقريباً كلها مستعمرة، الآن كلها تقريباً حرة، لماذا لا نتفاءل؟
كان التنقل بيننا صعباً جداً قبل عشرات السنين. لم توجد طرق وموانئ ومطارات. كنا نحتاج شهراً كاملاً للذهاب للحج. اليوم تستطيع أن تفطر في دبي، وتتغدى في القاهرة، وتتعشى في الرباط. لماذا لا نتفاءل؟!
التسامـح والسعادة والمستقبل
كثير من الأسئلة والتعليقات والمكالمات تلقيتها حول التغيير الهيكلي الحكومي الأكبر الذي أجريناه في دولة الإمارات، والذي تم على إثره تعيين وزراء للسعادة والتسامح والمستقبل ووزيرة للشباب بعمر الـ 22. البعض تناول التغييرات بالإعجاب، وهم كثيرون، وآخرون بالاستغراب، وفريق ثالث قارن التغييرات ببناء أطول برج وأكبر جزيرة، وكأن التغييرات جزء من حملة دعاية تقوم بها دولة الإمارات.
ولعلي أوجه خطابي اليوم للفريقيْن الأخيريْن.. لأشرح لهما بشكل مختصر لماذا غيّرنا؟
نحن غيّرنا لأننا تعلّمنا الكثير خلال السنوات الخمس الأخيرة؛ تعلمنا من أحداث المنطقة حولنا، وتعلمنا من دروس التاريخ، وتعلمنا أيضاً من جهود كثيرة بذلناها لاستشراف المستقبل.
علمتنا منطقتنا، وعبر أحداث رهيبة مرت بها في السنوات الأخيرة، بأن عدم الاستجابة لتطلعات الشباب الذين يمثلون أكثر من نصف مجتمعاتنا العربية هو سباحة عكس التيار، وبداية النهاية للتنمية والاستقرار.
الاعتناء بالشباب
علمتنا منطقتنا بأن الحكومات التي أدارت ظهرها للشباب، وسدت الأبواب أمامهم إنما سدت أبواب الأمل لشعوب كاملة. نحن لا ننسى أن بداية التوترات في المنطقة وما يُسمّى للأسف «الربيع العربي»، إنما كانت لأسباب تتعلق بتوفير فرص للشباب وبيئة يستطيعون من خلالها تحقيق أحلامهم وطموحاتهم.
لا للكراهية
لا يمكن أن نسمح بالكراهية في دولتنا، ولا يمكن أن نقبل بأي شكل من أشكال التمييز بين أي شخص يقيم عليها أو يكون مواطناً فيها، لذلك عيّنا وزيراً للتسامح.
عندما كانت المنطقة في أزهى عصورها متسامحة مع الآخر ومتقبلة للآخر، سادت وقادت العالم..
نعم، تعلمنا من التاريخ أهمية التسامح، ولكن جاءت الأحداث الأخيرة في منطقتنا لتؤكد لنا أنه لا مستقبل لهذه المنطقة بدون إعادة إعمار فكري ترسخ قيم التسامح والتعددية والقبول بالآخر فكرياً وثقافياً وطائفياً ودينياً.
التسامح ليس فقط كلمة نتغنّى بها، بل لا بد أن تكون لها مؤشرات ودراسات وسياسات، وترسيخ سلوكي في مجتمعنا لنصون مستقبله ونحافظ على مكتسبات حاضره.
نحن دولة نتعلم كل يوم، ومع كل درس نتعلمه لا بد أن نأخذ قرارات نطوّر بها مستقبلنا. وبالحديث عن المستقبل ولماذا غيرنا اسم إحدى الوزارات لتكون أيضاً وزارة للمستقبل، أقول لأننا نتعلم أيضاً من المستقبل وليس فقط من التاريخ.
استشراف المستقبل
بذلنا جهوداً كبيرة في السنوات الأخيرة لاستشراف المستقبل، ولدينا خطط كبيرة وسياسات وطنية علمية وتقنية تتجاوز قيمتها الـ300 مليار درهم استعداداً لاقتصاد المستقبل، اقتصاد لا يجعل أجيالنا رهينة لتقلبات أسواق النفط ومضارباتها وعرضها وطلبها.
لا بد لحكوماتنا أن تفكر بما بعد اقتصاد النفط من اليوم. لا بد من إعادة النظر في المنظومة التشريعية والإدارية والاقتصادية بشكل كامل للابتعاد عن الاقتصادات المعتمدة على النفط. لا بد من وضع بنية تحتية تنظيمية ومادية قوية لبناء اقتصادات مستدامة لأبنائنا ولأبناء أبنائنا.
نعم، نحن مغرمون بالمستقبل وبما يحمله.. المستقبل يحمل تغييرات عظيمة، في الصحة وطرق التعليم وفي إدارة مدن المستقبل وفي الخدمات الذكية وفي التنقل المستقبلي وفي الطاقة المتجددة وفي الفضاء، ونحن وضعنا رهاننا في موجة التغييرات القادمة، واستثمرنا في أبنائنا، وتجربتنا مفتوحة للجميع للاستفادة منها.
لا أكتب ذلك تفاخراً أو إعجاباً بأية إنجازات، بل أكتبه لأرسل رسالة للمنطقة من حولنا بأنه بيدنا لا بيد غيرنا يأتي التغيير، منطقتنا ليست بحاجة لقوى عظمى خارجية لإيقاف انحدارها، بل لقوى عظمى داخلية تستطيع التغلب على موجة الكراهية والتعصب التي تضرب نواحي الحياة في الكثير من دول المنطقة.
أكتبه لأرسل رسالة بأنه لا بد للحكومات أن تراجع دورها، دور الحكومات هو خلق البيئة التي يستطيع الناس من خلالها إطلاق إمكاناتهم وتحقيق أحلامهم وطموحاتهم وذواتهم.. وظيفة الحكومات خلق البيئة التي يستطيع الناس أن يحققوا فيها سعادتهم. نعم، وظيفة الحكومات هي تحقيق السعادة.
هذه هي الأسباب التي دفعتنا لإجراء ذلك التغيير الحكومي، وسنستمر في التغيير متى تعلمنا دروساً جديدة، لأن هدفنا هو خير الناس ومنفعتهم، هذا هو الثابت عندنا، وما سواه متغير.
التسامح ليس فقط كلمة نتغنى بها، بل لا بد أن تكون لها مؤشرات ودراسات وسياسات، وترسيخ سلوكي في مجتمعنا لنصون مستقبله ونحافظ على مكتسبات حاضره، وظيفة الحكومات خلق البيئة التي يستطيع الناس أن يحققوا فيها سعادتهم، نعم وظيفة الحكومات هي تحقيق السعادة.
إيجابية «مهندس دبي»
يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عن والده مؤسس دبي المعاصرة: كان «بعد جولة صباحية في أنحاء المدينة، رحمه الله، يرجع لبيته في الثامنة، لتناول فطوره الذي كان بسيطاً كشخصية ذلك القائد العظيم، كان تمراً وحليباً وما تيسر من أصناف أخرى، ثم يتوجه إلى مكتبه ويقضي نهاره في التخطيط للمشاريع الجديدة واعتماد الموافقات القائمة، واستقبال الوفود من التجار أو المواطنين، أو وفود الشركات الأجنبية أو غيرها، حتى إذا جاء الظهر أمر بالغداء ثم أخذ قيلولة لا تتعدى الساعة، قبل أن ينطلق عصراً لتفقد المشاريع ومتابعة العمل مع المقاولين بنفسه، حتى إن كثيراً من الشركات كانت تلقبه بالمهندس أو «الفورمن» - كبير العمال - لكثرة تواجده معهم ومتابعته اليومية لحجم الإنجاز في جميع المشاريع. كما كانت له، رحمه الله، جلسة أخرى في الفترة المسائية.
طـاقـات كبيــرة وشعـوب متعطشــــة للتطـوير والـعـمــل والإنتـاج والاستقـرار
لماذا لا نتفاءل؟
كانت الأسواق بالنسبة للتجار هي أسواقهم المحلية المحدودة. اليوم العالم كله سوق للجميع، وانظروا لشركات الطيران الإماراتية مثلاً. لماذا لا نتفاءل؟
الحياة أصبحت أسهل، وأسرع، والفرص أصبحت أكثر وأكبر. لماذا لا نتفاءل؟
أنا متفائل؛ لأن لدينا طاقات كبيرة، وشعوباً متعطشة للتطوير والعمل والإنتاج والاستقرار.

البشر هم البشر في منطقتنا. الإنسان هو الإنسان نفسه الذي بنى الحضارات، وأسس الثقافات، وابتكر الاختراعات سابقاً، ولكن الذي تغير القيادات. أزمتنا الرئيسة في الإدارة الحكومية العربية، وكررت هذا الكلام قبل أكثر من 15 سنة. لدينا موارد عظيمة من كل الثروات، ولكن لدينا إدارة عربية ضعيفة؛ سوء إدارة في الاقتصاد، وسوء إدارة في السياسة، وسوء إدارة حتى في الرياضة.
هناك قادة أخذوا شعوبهم للفضاء، وقادة أرجعوا شعوبهم 50 عاماً للوراء.
هل يمكن أن تكون السياسة إيجابية؟ «من الفصل 23»
في لقاء جمعني بمجموعة من المفكرين والإعلاميين في إحدى ليالي رمضان المبارك، كنت في حوار مع أحدهم فقال لي: أكثر ما يعجبني فيك أنك رجل اقتصاد أكثر منك رجل سياسة، وقائد ميداني أكثر منك صاحب أفكار فلسفية. ابتسمت وقلت له: هذا يعتمد على تعريفك للسياسة وللفلسفة.
لا يمكنك أن تنجح في إدارة اقتصاد دولة دون أن تكون سياسياً بارعاً. ولا يمكن أن تكون ناجحاً في الميدان دون فكر ورؤية وفلسفة تقود عملك الميداني وتسبقه أيضاً.
ينظر الكثير من الناس للسياسة على أنها شيء سلبي، تسوده الألاعيب، وتتحكم فيه المصالح، وتغيب عنه الأخلاق. ولكني يمكنني أن أقول، وبعد سنوات طويلة قضيتها كرجل دولة وتعاملت خلالها مع الآلاف من السياسيين من أنحاء العالم كافة، إنه يمكن إنجاز الكثير من الخير للشعوب إذا كانت نظرتنا للسياسة نظرة إيجابية. أفكارنا حول السياسة هي ما يحكم تصرفاتنا وقراراتنا حولها. لا بد أن تتغير نظرتنا للسياسة، لأن مصير الأمم والشعوب بأيدي السياسيين.
عندما نركز على نقاط الاتفاق وليس الاختلاف تكون السياسة إيجابية، عندما نركز على ما يجمعنا وليس ما يفرقنا تكون السياسة إيجابية، عندما نركز على الأفكار والمصالح وليس على الأشخاص والطوائف والأعراق والأديان، تكون السياسة إيجابية. عندما تكون مصلحة الناس متقدمة على مصلحة الأحزاب والتيارات تكون السياسة إيجابية. كل شيء يعتمد على نظرتنا وأفكارنا حول السياسة.
يزعجني كثيراً التركيز على الأخطاء وما يفرق بين الأمم والشعوب في الكثير من وسائل الإعلام. أعرف أن الأخطاء، هي التي تجعل الصحف تبيع أكثر، وهي أيضاً مصدر الرزق لكثير من المحللين السياسيين، وهي أيضاً الأداة الرئيسية لكثير من السياسيين. ولكن السياسة الإيجابية الحقيقية هي في التركيز على الإيجابيات وتعظيمها والاستفادة منها والبناء عليها لما فيه منفعة شعوبنا.
ولننظر لمثال آخر. قادة مثل زايد وراشد وكيف كانت سياستهما الإيجابية مصدراً للخير لشعبهما، وأيضاً للكثير من الشعوب حولهما. يتبنى الكثير من الساسة مبدأ فرّق تسُد، وتبنى زايد وراشد مبدأ وَحّد تَقُــد. كان مبدأهما الوحدة دائماً. محلياً وخليجياً وعربياً. فأصبح زايد حكيماً للعرب، وبنى راشد مدينة تقوم على المبدأ نفسه هي اليوم فخر لكل العرب. فأي المبدأين أثمر خيراً؟ وأي المبدأين بقي في سجلات التاريخ؟
ذهب زايد وراشد وبقيت أفكارهما الإيجابية في السياسة، وبقيت ذكراهما الطيبة على كل لسان، وبقيت إنجازاتهما شاهدة عليهما. وبقيت مدرستهما الفكرية في السياسة الإيجابية الحقيقية مصنعاً للقادة الذين يريدون الخير لشعوبهم. إذا نسيت فلا أنسى أبداً مقولة زايد رحمه الله: «نحن لسنا مخلدين، والمال ليس دائماً. الذي سيبقى هو الوطن فقط، وما فعلناه من أجل هذا الوطن».
السياسة الإيجابية هي مصالح ومنافع وفق أخلاق ومبادئ. أنت تحتاج لأن تكون سياسياً ليس فقط في علاقتك مع الدول الأخرى، أنت تحتاج لأن تكون سياسياً مع شعبك، مع فريق عملك، مع أسرتك، وحتى مع أبنائك الصغار. هناك لغة للحوار والتفاهم وأرضية للعيش المشترك، والمصالح المتبادلة أيضاً.
جانب آخر مهم أيضاً في السياسة، هو موضـوع التواصل. يقولون إن السياسة هي فن الممكن. وأقول إن السياسة هي أيضاً فن التواصل. إذا فهمت الشعوب بعضها، وفهمت ثقافاتها، وفهمت احتياجات بعضها، استطاعت أن تتبادل المصالح والمنافع في جو من الثقـة، وفي بيئة يسودها الاستقرار.
لا أريد أن أُتهم بأني غير واقعي. أنا أعرف أنه لن تكون هناك نهاية للمنافسة بين الأمم والشعوب، لأن سنّة الحياة هي التدافع بين البشر. ولا يمكن أن يتفق جميع الناس أيضاً، لأن سنّة الحياة الاختلاف بين البشر. هكذا خلقهم الله. ولكن يمكن الاتفاق على لغة حوار، ويمكن الاتفاق على مصالح، وحتماً يمكن الاتفاق على طريقة للعيش المشترك، لأن الله لم يخلقنا وحوشاً، بل خلقنا بشراً.
تحفيز المجتمع
ثمنت فعاليات وطنية كتاب «تأملات في السعادة والإيجابية» حيث قال الدكتور محمد مطر الكعبي، رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، إن كتاب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، «تأملات في السعادة والإيجابية»، دعوة لتحفيز المجتمع العربي إلى التمسك بالإيجابية التي يرى سموه أنها تفتح أبواب التفاؤل إلى المستقبل، وتيسر أسباب النجاح أمام صاحب كل طاقة ورؤية متفائلة للتطوير والإبداع في المجالات كافة، فالإيجابية تغير وجه الحياة إلى الأفضل.

وأشار الدكتور الكعبي إلى أن من ثمرات الإيجابية التي غرستها القيادة الحكيمة برئاسة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في نفوس أبناء الإمارات، أن المجتمع بأسره أصبح في ارتقاء وازدهار مستمرين، وتقدم متزايد يطمح إلى التميز، ويهدف إلى الفاعلية والبناء، ولا توقفه العقبات، وقد عبّر سموه عن هذا المعنى حين قال: «هل رأيت الصخرة إذا اعترضت ماء يجري هل يقف الماء؟ لا يقف بل يذهب يميناً ويساراً ليتجاوزها، وهكذا الإنسان صاحب الطاقة الإيجابية؟».
تحليل عميق
أوضحت عائشة الدربي، الرئيسة التنفيذية للسعادة في وزارة تنمية المجتمع، أن كتاب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عصارة خبرة وتجربة سموه خلال سنوات قيادته، وأن الكتاب بما يضمه من تحليل عميق لكل ما مرت بها الدولة خلال المراحل الماضية، وخاصة ما يتعلق بالأداء الحكومي، يعتبر البوصلة التي ساعدت الوزارات وكل الجهات التنفيذية على تفعيل هذه الأفكار والبناء عليها، حتى أصبحت تحتل مراتب متقدمة في الأداء على مستوى حكومات العالم.

وأضافت أن تعزيز الإيجابية والسعادة والعمل الجاد كلها أهداف حرصت على تنفيذها وزارة تنمية المجتمع، من خلال إطلاق العديد من المبادرات والأهداف، وترجمتها نتائج إيجابية تتحقق للمستفيدين من خدمات الوزارة كافة، إذ تم وضع خطة لتعزيز السعادة والإيجابية في جميع الوحدات التنظيمية التابعة للوزارة، التي سيتم تنفيذها من خلال فريق السعادة وناشريها بكل وحدة على مستوى الإمارات.
وذكرت أن هذه البرامج ستشمل ورشاً وجلسات عمل للتدريب على تعزيز مفهوم السعادة والإيجابية والتحرر من السلبية، وسيتم استهداف المتعاملين والموظفين من خلالها، وتتضمن برنامج «الصحة سعادة»، و«الرياضة سعادة»، و«جدد حياتك»، و«قهوة مع مسؤول»، وغيرها من البرامج التي يتم العمل عليها لإطلاقها مستقبلاً.
قول وفعل
أكد الدكتور سعيد مصبح الكعبي، عضو المجلس التنفيذي رئيس مجلس الشارقة للتعليم، أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يقرن القول بالفعل، فهو بنفسه نموذج يحتذى كطاقة إيجابية، وترى ذلك متمثلاً في سلوكه اليومي.

وقال إن توثيق خبراته في إصداره الجديد «تأملات في السعادة والإيجابية» مهم جداً، وعرض نماذج من الحياة ستكون ذات فائدة عظيمة للأجيال الحالية والأجيال القادمة، مشيراً إلى أن الإيجابية والسعادة سمة من سمات شعب الإمارات، بعد أن تحولت من سلوك القيادة العليا ثم الوسطى ومن ثم لعموم الشعب، مؤكداً أن الإمارات تصدر ما يبني الحضارات ويسهم في بناء الإنسان، ونثمن لسموه كل ما يقوم به من خطوات ومبادرات بناءة لها عظيم الأثر في مسيرة التطور والنماء التي تشهدها الدولة.
قمم بناء

قال حميد راشد الشامسي، الأمين العام للمجلس التنفيذي في أم القيوين، إن على العالم أن يعي رسالة قيادة الإمارات بأن قمم البناء أفضل بكثير من قمم الهدم، وأن التقارب بين الشعوب على اختلاف ثقافتهم هو القدر الحتمي الذي لا يمكن الفكاك منه، وأن الارتقاء بالإنسان هو السبيل الوحيد لالتحام الشعوب مع حكوماتها، وأن التنمية هي دائماً الخيار الذي يحتاج إلى جهد وبذل لا يكل ولا يمل، مبيناً أن كتاب «تأملات في السعادة والإيجابية» يدلل على أن سموه يعد قائداً عربياً ملهماً، بما تحوي الكلمة من معانٍ.
منهج حياة

قال مروان عبيد المهيري، مدير إدارة المشاريع والرئيس التنفيذي للسعادة والإيجابية في دائرة البلدية والتخطيط في عجمان: «يعد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أحد أهم القيادات التي تحمل فكراً رائداً في عالمنا العربي، كما يتبنى السعادة منهجاً للحياة، ويحرص على تقديم خبرته للأجيال، لتكون مرجعاً أساسية للباحثين عن الإبداع في المجالات كافة، واليوم يصدر صاحب السمو كتاب (تأملات في السعادة والإيجابية) الذي يهدف إلى صناعة الأمل للمنطقة العربية واستئناف الحضارة في عالمنا العربي، طارحاً فيه رؤية إدارية وتنموية قائمة على التفاؤل والإيجابية».
تجارب قادة

قال عبد الله بن عقيدة، الأمين العام لصندوق الزكاة: «إن كتاب (تأملات السعادة والإيجابية) عبارة عن نقل تجربة القادة، بدءاً من المغفور لهما بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمهما الله، في الدولة، ويعبّر عن ثقافة القائد الذي يؤمن بأن المستقبل يقام بدور الشباب، الذين يجب أن تنقل إليهم الخبرات والمعارف بطريقة علمية موثقة صحيحة، وربط الجانب العلمي والأكاديمي بالجانب الميداني، وهذا ما يوثقه سموه بطريقة سهلة ومبسطة وخفيفة.
وصفة ذهبية

أكد المستشار أحمد محمد الخاطري، رئيس دائرة محاكم رأس الخيمة، أنه يجب على البشرية عموماً، والعرب على وجه الخصوص، أن يجتمعوا دون تردد على هذه الوصفات الذهبية التي شملها كتاب «تأملات في السعادة والإيجابية» بوضوح، مستشهداً ببراهين حية على حتمية تحقق السعادة للأمم والشعوب، لما يحمله الكتاب من انعكاس صادق لروح حب الخير للآخرين التي يتمتع بها سموه، وما يحمله من همّ تعدى حدود الوطن، ليعم العالم العربي الذي كان حاضراً دوماً وأبداً في أقواله وأفعاله.
خريطة طريق

قال محمد الكعبي، رئيس قسم نظافة المدينة في بلدية الشارقة، إن إصدارات سموه تحمل دائماً إضاءات وخريطة طريق للراغبين في التميز والإبداع وتقديم ما يخدم المجتمعات، مؤكداً أن الإيجابية هي بوابة الإنتاجية والعمل المبدع، وأضاف أن التفاعل والعمل الناتج عن الفكر والخبرة والعمل منبع التفاؤل، والتفاؤل دافع قوي إلى السعي أكثر فأكثر.
