حققت مبادرة «العمل عن بعد» التي أطلقتها ونفذتها جهات محددة لموظفيها من خلال العمل في المنزل، نجاحاً كبيراً على صعيد الإنجاز الوظيفي، ومكاسب اقتصادية واجتماعية من خلال تقليل النفقات على المؤسسة، بدءاً من موقف السيارة وتكاليف التشغيل وتخفيف الازدحام المروري وزيادة الإنتاج، وانعكس الأمر إيجاباً خصوصاً على النساء اللواتي أصبح لديهن مرونة في العمل وبات من السهل عليهن متابعة شؤون منازلهن، علاوة على أن ذلك سهل مهمة العمل على ذوي الإعاقة حيث أصبح بإمكانهم العمل في المنزل دون الحاجة للتنقل وتجهيزات خاصة في مقر العمل وهو ما يزيد فرص دمجهم في المجتمع.

إيجابيات

ومع جملة الإيجابيات التي تحققها المبادرة التي أثبتت نجاحها في الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب في دبي ووزارة الموارد البشرية والتوطين، بات من الأفضل حصر الوظائف التي يمكن تحويلها «للعمل عن بعد» خصوصاً التي تشغلها النساء في المؤسسات والتي تأتي في ظل توجهات القيادة الرشيدة بضرورة إسعاد المجتمع.

وفي هذا السياق قال اللواء أحمد محمد المري مدير الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب في دبي إن مبادرة «العمل عن بُعد» ساهمت في رفع إنتاجية الموظفات بما يزيد على 100%، مشيراً إلى أن عدد الموظفات اللاتي يعملن عن بعد في إقامة دبي بلغ 15 موظفة من قطاع أذونات الدخول والإقامة، ومنهن موظفات من ذوي الإعاقة وجميعهن يتمتعن بالكفاءة.

سعادة الموظفين

وأوضح أن مبادرة «العمل عن بعد» حققت مبدأ سعادة الموظفين والرضا التام من قبل الموظفات، لافتاً إلى أن اعتماد المبادرة جاء بعد دراسة أوضاع الموظفات الاجتماعية والصحية وبعدهن عن مقر العمل.

وأوضح المري أن عدد المعاملات المنجزة في قطاع أذونات الدخول والإقامة خلال العام الماضي بلغ 3 ملايين و72 ألفاً و52 إذن دخول، منها 829 ألف و232 معاملة تم إنجازها عن بعد، وهو الأمر الذي يثبت نجاح المبادرة.

أبعاد اقتصادية

وأشار إلى أن إقامة دبي لديها توجه مستقبلي لزيادة أعداد العاملين لارتباط المبادرة بنظام رؤية الإمارات، وسيتم إلحاق عدد آخر من الموظفات في المستقبل، لافتاً إلى أن المبادرة لها أبعاد اقتصادية من حيث زيادة مواقف الموظفين وتقليل استهلاك الكهرباء والترشيد في المواد المكتبية والتقنيات الإلكترونية، والتقليل من مستخدمـــــــي الطريق، إضافة إلى أبعاد اجتماعية حيث حققت هذه المبادرة جوانب إيجابية في الاتجاه الاجتماعي الذي كان عائقاً أمام الظروف الخاصة لبعض الموظفات، اللاتي لهن احتياجات أسرية تتطلب بقاءهن في المنزل فمنهن الأم لأبناء من ذوي الإعاقة، ومنهن من ترعـــــى والديها كبار في السن ممن يحتاجون للرعاية الدائمة، لذا أسهمت هذه المبادرة في دعم الروابط الاجتماعية لدى الموظفات وتقويتها وتحقيق الحياة الكريمة التي يرجونها، بالإضافة إلى تحسين العلاقات الأسرية والاجتماعية لهؤلاء الموظفات بعد أن أكدن أن هذا الحل ساهم في القدرة على العطاء في العمل بطريقة تفوق تواجدهن في المكاتب.

حل مناسب

ومن ناحيتها أكدت شمسة صالح الأمين العام لمجلس الإمارات للتوازن بين الجنسين والمدير التنفيذي لمؤسسة دبي للمرأة، أن عمل المرأة عن بعد يمكن أن يكون أحد الحلول المناسبة للنساء اللاتي يعملن لساعات طويلة، أو من يتعرضن لظروف طارئة باعتباره ينسجم مع ظروفهن الأسرية، كما أنه يساهم في زيادة الفرص الوظيفية أيضا للأشخاص من ذوي الإعاقة وأصحاب الأمراض المزمنة، وكذلك الذين لا يستطيعون التنقل ويعانون من صعوبة الحركة.

وأضافت أن نجاح هذه التجربة مرهون بتحديد المسارات الوظيفية المناسبة للعمل عن بعد، ووفق التخصصات المطلوبة، مشيرة إلى أن هذا النظام لا ينطبق على كافة التخصصات الوظيفية، فهناك تخصصات تتطلب مهارات عالية للموظف والعمل بدوام كامل وبالتالي تبقى هناك محدودية في إمكانية اللجوء إلى العمل عن بعد.

قوانين مشرعة

وتابعت صالح: «أؤيّد العمل عن بعد في ظل وجود مجموعة قوانين مشرّعة لذلك واعتماد لوائح لتنظيم العمل عن بعد في مختلف المؤسسات، سواء كانت تابعة للقطاع الحكومي أو الخاص، وبدون شك إذا لم تتوفر هذه الشروط فإن ذلك قد ينعكس سلبا على انتاجية العمل، كما أنني لا أحبذه لخريجات الجامعات الجدد، لأن الخبرات الحديثة في التوظيف بحاجة إلى اكتساب النضوج المهني وإلى المهارات المهمّة المطلوبة في العمل».

وأشارت إلى أن الخريجات أو الخريجين الجدد يحتاجون إلى تطوير مهاراتهم وهذا لا يتأتى إلا من خلال الاحتكاك المباشر ببيئة العمل وبزملائهم ورؤسائهم وغيرهم، إلى جانب عدم اطلاعه على آخر التطورات في مقر العمل، كما قد يواجه العمل من المنزل صعوبة الفصل بينه وبين العمل المنزلي، وأيضا يمكن القول إن غياب حاجز فاصل بين العمل والمنزل قد يسهم بزيادة الضغط الذي يفرض على المرء الاستمرار بالعمل.

تقليل المخالفات

ومن جانبه أيد اللواء خبير محمد سيف الزفين مساعد القائد العام لشرطة دبي لشؤون العمليات ضرورة تخصيص وظائف للعمل عن بعد، لافتاً إلى أنه يعد من الحلول المناسبة لبعض الحالات خاصة للأم العاملة، كما أنه سيعود بالفوائد على الطرق من حيث انه يقلل الازدحام المروري الحاصل على الشوارع والضغوط النفسية الناتجة عنه، وبالتالي يقلل الحوادث والمخالفات المرورية، فضلا عن الحفاظ على البيئة من انبعاثات الكربون الناتجة عن عوادم السيارات، وتوفير البترول والطاقة والحفاظ على السلامة العامة.

وأضاف أنه مع وجود الإنترنت، لا توجد أي أهمية لموقع العامل عن بعد على خريطة العالم، طالما لديه الوسيلة اللازمة لتلقي الطلب وتسليم العمل، كما أنه يوفر فرص عمل للقاطنين في الأماكن البعيدة والنائية دون الانتقال المادي، أو تكبد عناء الطريق يومياً، مما يقلل فرص الغياب وطلب الإجازات، والاستقالات.

انعكاسات مالية

وبدوره قال الخبير الاقتصادي الدكتور حسين التميمي مدير برنامج ماجستير إدارة الأعمال في جامعة الشارقة إن الإجراء صحيح وله انعكاسات مالية واجتماعية وإدارية، فمن الناحية المالية هناك تكاليف يمكن توفيرها وهي تكلفة المكاتب ومتطلباتها، بالمقابل هناك مرتبات وربما مكافأة ومستحقات أخرى يجب أن تدفع لذلك فإن موضوع التكلفة والمنافع يجب دراستها، ومن الناحية الاجتماعية يمكن أن تتحقق فوائد كثيرة خاصة بالنسبة للموظفة المتزوجة لرعاية أطفالها حتى غير المتزوجة ربما يتطلب وجودها لرعاية اخوتها أو والديها وتقوم بعملها بالشكل المطلوب، وأما من الناحية الإدارية يمكن أن يساهم هذا الإجراء إلى زيادة الإنتاجية أو تحسين نوعيتها.

مناقشة

وأكد حمد الرحومي عضو المجلس الوطني الاتحادي سعيه إلى طرح ملف العمل عن بعد، والدوام المرن، وتفعيل العمل بالنظام الجزئي، ضمن جلسات المجلس القادمة، خاصة للمرأة والأم العاملة من أجل دعم استقرار الأسر من خلال تهيئة البيئة اللائقة لعمل المرأة للمساهمة في دعم وتعزيز مشاركتها في سوق العمل والتنمية، وإيجاد التوازن السليم بين الحياة العملية والأسرية.

أسئلة برلمانية

وأضاف أنه سيقوم بطرح هذا الموضوع في أقرب فرصة مع الوزارات المعنية، وذلك ضمن نقاش المواضيع العامة التي يتبناها المجلس، أو من خلال أسئلة برلمانية توجه للجهات المعنية، مثمنا قرار تمديد إجازة الوضع الإلزامية لمدة 3 أشهر مدفوعة الأجر كاملاً، الذي يدعم توفير كافة مقومات الاستقرار النفسي والأسري للمرأة.

وأشار إلى أن تحقيق التوازن بين الجنسين يكون بمنح المرأة مميزات أعلى من الرجل وليس مساواتها به، مما يمكنها من ممارسة وظائفها العملية والعائلية على أكمل وجه، وأن تحقق التوازن بينهما، ومنحها الفرصة للإبداع في عملها، مشيراً إلى أن المرأة تتحمل أعباء والتزامات أكبر من الرجل الذي لا يستطيع بأي حال من الأحوال أن يقوم بدورها، لذا فإن الحل يكمن في تشريع وظائف للعمل عن بعد للأم العاملة.

وأكد سعي المجلس للعمل على تحقيق هذه الأهداف التي من شأنها أن تحد من التسرب الوظيفي خاصة للأم التي لا ترغب في ترك منزلها وأطفالها، وفي الوقت ذاته تريد أن تسهم في تنمية المجتمع باعتبارها شريكاً أساسياً في التنمية الاقتصادية وأن تثبت ذاتها وتحقق طموحها.

ثورة رقمية

ومن ناحيتها قالت المهندسة عزة سليمان عضو المجلس الوطني الاتحادي إن التطور التقني والثورة الرقمية أصبحت واقعاً معاشاً ومن آثارها التي فرضت نفسها علينا هي إمكانية إنجاز الكثير من المهام في عدة قطاعات عبر الشبكة العنكبوتية، وهو ما جعل مسألة التزام الموظف بالعمل من المكتب أو مقر العمل بنظر العديد من الشركات والمؤسسات الحكومية حول العالم مسألة تستحق التوقف عندها وإعادة النظر فيها.

وتعتبر مسألة العمل عن بُعد سلاحاً ذا حدين، أحدهما إيجابي عند وضع ضوابط لحوكمة العملية، والآخر سلبي إن لم يتم اتخاذ الضمانات الكفيلة بديمومة العمل بأفضل صورة ممكنة، وضمان سيره على الوجه المطلوب، مشيرة إلى أن العديد من الدراسات العالمية للاندماج الوظيفي تحدثت عن الآثار الإيجابية لمرونة أوقات العمل ومنح حرية العمل والتي من شأنها أن تُعزز الإبداع والابتكار في أداء الموظف وتزيد انتاجيته إذا تم تنفيذها بالشكل السليم.

وأشارت إلى أن دولة الإمارات كانت ولا تزال سباقة في تبني أفضل الممارسات وتطوير قطاع العمل لذا شاهدنا ولمسنا تجارب لبعض الجهات الحكومية ومنها وزارة الموارد البشرية والتوطين التي أطلقت في ديسمبر 2016 المرحلة الأولى من مبادرة «العمل عن بعد»، والتي تتيح لأكثر من 70 موظفاً وموظفة في الوزارة إنجاز مهامهم الوظيفية دون الحاجة إلى الحضور لمقر العمل، وسبقتها في العام 2014 الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب في دبي التي طبقتها على مجموعة من الموظفات وأعلنت في حينها ارتفاع إنتاجيتهم نتيجة المرونة التي انعكست على إنتاجيتهم.

معايير واضحة

قالت المهندسة عزة سليمان: رغم أن مبدأ العمل عن بعد قد يكون نتيجة حتمية في المستقبل القريب للتطور الرقمي الهائل الذي نشهده يومياً، إلا أن تنفيذه يتطلب من الجهات المختلفة وضع معايير واضحة لضمان تحقيق الآثار الإيجابية، مشيرة إلى أن نجاح التجربة في عدد من الجهات، يجعل من سياسة العمل عن بعد أحد الحلول الفريدة لتمكين الموظفين وعدم تسربهم وخاصة النساء، وذلك بمنحهن فرصة القيام بواجبهن تجاه الأبناء والأسرة، دون الإخلال بمهامهن الوظيفية.