تنتهج الإدارة العامة للمؤسسات العقابية والإصلاحية بشرطة دبي، مبدأ الفرصة الثانية في سياستها بالتعامل مع المحكوم عليهم، لتغيّر بتجربتها الرائدة، مفهوم السجون الضيق المقتصر على العقاب وحبس حرية الخارجين عن القانون، إلى مفهوم إصلاح الآخرين وإعادة تأهيلهم، ليعودوا أفراداً فاعلين ينتفع بهم المجتمع، لتغدو اليوم باباً ينقل النزيل من حالة الضياع والانحراف، إلى حالة أخرى من اليقين والاستقامة، منتشلة إياهم من براثن اليأس والتخبط، ومعيدة إليهم الأمل بانطلاقة جديدة، حيث يخضع النزلاء لبرامج ودورات توعوية وإصلاحية ومهنية أيضاً، تعيد التوازن لشخصيتهم، في محاولة للقضاء على الاعتلالات النفسية والاجتماعية، إضافة لتعلم النزلاء مبادئ المشاركة والتفاعل والمبادرة، ما يسهم في إعادة تأهيلهم وتمكينهم، بهدف دمجهم في المجتمع مرة أخرى.

فجر جديد

تقييد حرية المرء تجربة مريرة، تدفع بالكثيرين ليغيروا من أنفسهم بعد خروجهم، أملاً ببداية أخرى، لكن السجن بالنسبة لفاطمة.م كان ميلاداً جديداً، وبداية مشوار طويل من الدعوة إلى الإسلام ومساعدة الضعفاء من النساء.

حكم على «فاطمة»، التي كانت تدعى «جوي» سابقاً، بالسجن المؤبد، لكنها قضت 10 سنوات منها في السجن فقط، بعد تخفيف عقوبتها، نظراً لحفظها للقرآن الكريم وحسن مسلكها، فبعد إسلام فاطمة، شرعت في التفقه بالدين، داعية بنات وطنها لاعتناق الإسلام، وألقت العديد من المحاضرات، كما عكفت على حفظ القرآن الكريم كاملاً، ونالت عليه هدية بلغت 10 آلاف درهم، تبرعت بنصفها لمساعدة النزيلات، والنصف الآخر شيّدت به مسجداً كبيراً في وطنها الأم بعد خروجها من السجن، حيث ضم بين أركانه قاعة للتعليم والدعوة، وغرفاً أخرى تستقبل من لا مأوى لهن من النساء.

إيثار

أما «شميم.س»، فقد تم الحكم عليها بالسجن المؤبد، لارتكابها جريمة قتل، ندمها الشديد وشعورها العميق بالذنب، دفعاها لتغير حياتها، فشرعت في التفقه أكثر بدينها، مفنية نفسها ووقتها لإصلاح الأخريات، وتعريفهن بأخلاق الإسلام، إلى جانب تبرعها بالمال الذي كان يُرسل إليها من أقاربها لمساعدة النزيلات في أمورهن الخاصة، ومنحهن تذاكر ووجبات طعام، وسداد ديونهن، إن لزم الأمر، فكانت مثالاً يحتذى في الاحترام والصبر والالتزام بين زميلاتها.

وقد شيّدت شميم أيضاً، بعد تخفيف عقوبتها وعودتها لوطنها، مسجداً تقدم فيه محاضرات دينية، إلى جانب انتقالها بين المناطق والدول خلال دعوتها إلى دين الإسلام السمح.

دخل بديل

دخلت يولا السجن لارتكابها جريمة قتل، وما زالت تقضي حتى اليوم فترة عقوبتها بين أسوار السجن منذ 18 عاماً، تقول يولا «أضعت من عمري سنوات طويلة خلف القضبان، استثمرتها في تطوير مهارتي في الأشغال اليدوية وأعمال التطريز، من المفترض أن أخرج خلال الشهور القادمة، وحينها سأعود إلى وطني لأشارك صديقتي وزميلتي سابقاً في السجن، مشروعها الذي ابتدأته في الحرف والأشغال اليدوية، لا سيما أنني أتواصل معها عبر البريد الإلكتروني، بمساعدة الموظفات، حيث نتبادل الخبرات في هذا المجال، للاطلاع على آخر الأعمال الجديدة».

أضافت «يمكننا الالتحاق بورش ودورات وبرامج عدة في السجن، كل نزيلة بحسب اهتمامها، لدينا مشغل للخياطة والتطريز، ومجال الإبداع والابتكار مفتوح أمامنا، وما نحتاجه من أدوات ومستلزمات، يتم توفيره، وفي النهاية، نبيع ما ننتجه، ونحصد جزءاً من الأرباح، لذلك، يمكنني القول إنني اكتسبت خبرة جدية طوال السنوات الماضية في هذا العمل، الأمر الذي يساعدني على توفير مصدر دخل عند خروجي من السجن، وأتمنى أن يكون ذلك في القريب العاجل، لأتمكن من حضور زفاف ابنتي».

أكد العميد علي الشمالي مدير الإدارة العامة للمؤسسات العقابية والإصلاحية بشرطة دبي أن المؤسسات العقابية معنيّة بتأهيل وإصلاح النزلاء بين أسوارها، بمنحها إياهم فرصة ثانية للبدء من جديد عبر برامجها التوعوية.

تأهيل نفسي واجتماعي

وأضاف العميد أن المؤسسات العقابية والإصلاحية، وبالشراكة مع هيئة تنمية المجتمع، يتم إخضاع النزلاء والنزيلات لبرامج نفسية واجتماعية، لمساعدتهم على تجاوز أزمتهم والتخفيف عنهم، مشيراً إلى أن الهيئة تحرص على التواصل مع أسر النزلاء، إذا اضطر الأمر لتحسين ظروف بيئتهم، وحل أي إشكاليات اجتماعية تواجههم.

ترفيه ورياضة

قالت المقدم جميلة الزعابي مديرة سجن النساء: إن التعامل في السجن مبني على الرأفة والحزم في آن معاً، وروح القانون هي السائدة في المكان، مشيرة إلى أن السجن هو مكان للإصلاح والتهذيب والإرشاد، قبل أن يكون مكاناً للعقاب، لذلك، فإن الإدارة تعكف على الاطلاع على احتياجات النزيلات، والسعي لتوفيرها لهن ولأطفالهن أيضاً، والإنصات لمشاكلهن، ومحاولة الترفيه عنهن بين الحين والآخر، عبر المسابقات والهدايا، والاحتفال معهن بالمناسبات السنوية المختلفة، إلى جانب إقامة بطولات رياضية، إضافة إلى توفير ما يشغل وقتهن بالفائدة.