محترفو التسول من الجنسية الآسيوية يروعون ليلاً الأهالي في المناطق السكنية، معتمدين على ظهورهم الخفي أمام الناس في محيط المواقف الرملية الملحقة بالشقق السكنية، التي تعج بسيارات القاطنين في شوارع الأحياء، عبر حيل متعددة وادعاءات كاذبة، تحمل أصحاب المركبات على عدم التدقيق في فحواها خاصة السيدات والأمهات اللواتي يلجأن للتخلص منهم بإعطائهم المال والهروب نحو مدخل البناية، خوفاً ورعباً من تطورات الموقف والتي قد لا تكون في الحسبان.

مواجهة المجهول

وتؤكد جمانة بركات أن التسول عبر الاختباء ليلاً في مواقف السيارات التابعة للبنايات والشقق السكنية من أخطر أنواع التسول وأكثرها رعباً، خاصة مع السيدات وهي الفئة التي يركز عليها متسولو الظلام والمندسون بين المركبات في انتظار الظهور المخيف والمفاجئ أمام سيدة وحيدة أو أم بصحبة أطفالها.

وأعتقد أن ظاهرة التسول ليست مسؤولية الجهات الأمنية وحدها ولا تعتمد مواجهتها على جهة دون أخرى، وإنما هي مسؤولية مجتمعية على جميع الجهات والأفراد، ويجب أن يكون هناك تفاعل من قبل المواطنين والمقيمين من أجل مكافحة ضعاف النفوس الباحثين على النصب والاحتيال على السيدات مستغلين ضعفهن وخوفهن من المجهول.

التسول الصريح

وتضيف جمانة: إن المتسولين لديهم حيل كثيرة، فهناك التسول الظاهر وغير الظاهر، فالتسول الظاهر هو ذلك التسول الصريح الذي يمد فيه المتسول يده مستجدياً الناس ويطلب العطاء، والآخر المستتر من خلال عرض أشياء أو بيع سلع تافهة لا قيمة لها في كل مكان وبوسائل غريبة منها عرض أنواع مجهولة من العطور ومسابح فيتقاضون أضعاف ثمنها في صورة بطالة مقنعة، خاصة أمام المنازل والشوارع عند إشارات المرور، فضلاً عن أنها ظاهرة تشوه صورة المجتمع بشكل كبير ومن الضروري اتخاذ كل الخطوات والإجراءات الرادعة.

ضغوط نفسية

وتقول تسنيم صابر، يندرج «تسول الظلام» تحت أسوأ صور أشكال التسول: وذلك لأنه يحمل بين طياته رسائل تهديد مبطن في حالة عدم الاستجابة لمنح المال وفي معظم الحالات يتحول إلى إجبار خفي بالملاحقة والتعرض إلى الأطفال بصحبة أمهاتهم من خلال توجيه أسئلة لطيفة على شاكلة ما اسمك؟ ليس لدى أطفال رائعين مثلك؟ انت محظوظ أن لديك عائلة؟، مما يشكل ضغطاً نفسياً قد يتحول إلى هاجس من القلق والخوف على سلامة الأطفال لدى خروجهم من المنزل للعب أو الذهاب إلى السوبرماركت، ومن جانب آخر فقد لوحظ في الفترة الأخيرة تنامي ظاهرة التسول، لتصل إلى حد ما يعرف بأنها «تجارة منظمة» باتت مصدر قلق وإزعاج وأخذت منحى خطيراً.

حيث تعدى من كونه ممارسة فردية تعود بالنفع على بعضهم إلى نمط حياة وفرق وعصابات منظمة واختصاصات في الأماكن والمواقع من نقطة تجمعهم وحتى توزيعهم على الأماكن الحيوية في المدينة ووصولهم إليها وبشكل يومي، آخذة شكل الاستثمار والتجارة التي لا تحتاج لرأس المال أو التراخيص فقط توفير الطاقات البشرية من المتسولين الذين يدعي بعضهم المرض والبعض الآخر حاجته للمال من الحصول على طعام وغيرها من الحيل.

مهارات مبتكرة

وتؤكد تسنيم أنه مما لا شك فيه أن فنون التسول وإبداعات المتسولين تعدت الخيال ولم يعد المتسول هو ذاك المسكين العاجز لإصابته بشلل في أطرافه أو بعضها أو الضرير المتدثر بملابس رثة، بل باتوا أشخاصاً غير عاجزين يتمتعون بالصحة والعافية ولكنهم متمرسون وشرسون وأصحاب خبرة ومهارة تمكنهم من اصطياد فرائسهم وإيقاع الناس في حبائلهم بغية جني المال بطريقة غير مشروعة وسهلة ودون عناء فقط التمرس على أساليب الاستجداء واستعطاف المارة والتفنن بالوسائل والكيفية، وأصبحت من الظواهر المتفاقمة والتي تحتاج إلى حلول مناسبة وتكاتف وتضافر الجهود للجهات المعنية

تقارير طبية

وتضيف هدى محمد: أن حل مشكلة التسول يتطلب تعاون الأجهزة الحكومية مع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني وإيجاد حلول جذرية له.

90% من المتسولين محتالون وليسوا بحاجة، فهم يدعون إصابات وعاهات في أجسادهم تمكنهم من كسب ثقة الناس واستدرار عطفهم وهم في كامل صحتهم وعافيتهم ونحن في حاجة إلى إجراءات أكثر ردعاً لوقف جميع أشكال التسول الخفي والمعلن، لاسيما أن العديد منهم يحملون تقارير طبية مزيفة تثبت إصابتهم بأمراض خطيرة.

وأنهم بحاجة لإجراء عمليات طبية تكلفهم مبالغ مالية طائلة لا يستطيعون تدبيرها، فيما يدعي بعضهم معاناتهم بسبب إعاقات معينة في الجسم أو النظر للنيل من جيوب السيدات والأمهات الخائفات على سلامتهن وسلامة أطفالهن.

وتوضح هدى أن «متسول الظلام» من أحدث وسائل التسول إلى جانب متسولات يرتدين النقاب على وجوههن ليكن أكثر إقناعاً ويؤثرن التجوال بين الأحياء وفي الأسواق والمنازل يعرضن ظرفهن مستجديات وقد اتخذ بعضهن من المراكز التجارية الصغيرة في محيط المناطق السكنية مكاناً استراتيجياً دون مساءلة حتى غدا وجودهن مشهداً مألوفاً ومكرراً يومياً لمرتادي تلك المراكز.

ويتخذ المتسولون بين الحين والآخر أساليب وأفكاراً جديدة لاستعطاف المارة، فمنهم من يدعي بأنه لا يملك مالاً للعودة إلى دياره والآخر لديه مريض وأخرى تدعي بأن لديها أيتاماً أو أن المتسول أو أحد أفراد عائلته يحتاج إلى عملية جراحية ولا يستطيع أن يتحمل نفقاتها وغيرها من فنون التسول والاستعطاف.

توزيع الكتيبات

ومن جانبها تقول علياء عبد الله إن «متسول الظلام» من هؤلاء المتسولين المختبئين ليلاً، انهم لا يمدون آياديهم لطلب المال فقط، ولكنهم في الوقت نفسه يجبرونك على دفع المال، إذ تشعر بأنه حق لهم كما لو كانوا أدوا عملاً وعليك مقاضاتهم المال إزاءه، تماماً كما فعل احدهم معي حيث يقوم بتوزيع كتيبات أدعية وآيات واعترض طريقي بعد خروجي مباشرة من السيارة دافعاً لي بإحدى تلك الكتيبات وبمجرد قبول ذلك يؤكد حقه في أن أعطيه ما تيسر من المال لقاء ذلك ويثابر بالطلب وبإلحاح.

وتؤكد علياء أن خطورة التسول تكمن في خلق أشخاص يعيشون على هامش المجتمع، ويقومون بأعمال مخالفة للقانون تطال المجتمع بأسره، ويدفع المجتمع في وقت لاحق ثمناً باهظاً لمعالجة الآثار السلبية الناجمة عن ذلك من جرائم سرقة وانتهاك للحقوق ويهدد امن وسلامة الناس وتمجيد السلوك العدواني، وغيرها من السلوكيات غير المقبولة اجتماعياً.

مهنة المخالفين

وتؤكد كارين موسى أن تواجد متسولي الظلام وتحركاتهم السريعة بين المركبات ليلاً، تسبب إرباكاً وقلقاً حول النوايا الخفية لذلك الرجل الذي يظهر فجأة في المكان الذي يسوده الظلام الدامس وتخف فيه حركة المارة أو قد تكون معدومة، ويمضي طوال يومه في استجداء المواطنين ونيل عطفهم للحصول على المساعدة دون عناء.

وهذه الظاهرة ليست بجديدة ولكن تنتشر في كل عام بشكل أوسع عن العام الذي يسبقه ونجدها تتطور وكأنها مهنة تتطلب التجدد والتغيير للحصول على أكبر قدر من الأموال بأسهل الطرق من قبل العمالة الهامشية أو المخالفة لقوانين تصريحات العمل والإقامة داخل الدولة ويتخذ الكثير منهم التسول حرفة مع مرور الوقت ويتمركزون في مناطق معينة، حيث تتكرر الوجوه ذاتها في كل مرة وفي نفس الموقع، وهذا يعني انه يتخذ من تلك البقعة مكاناً لمزاولة مهنته.

وترى كارين أن على الجهات المعنية تكثيف حملاتها التفتيشية في المواقف الرملية ومحيط المناطق السكنية وخاصة في فترة المساء، حيث يبدأ المتسولون بالظهور من مخابئهم، ولابد من إبلاغ الناس أيضاً عن أماكن وجودهم وعدم الاكتفاء بالصمت والهروب من أمامهم، فعلينا دعم المحتاجين وهو واجب وفريضة ولكن في وجهاتها الصحيحة من خلال جمعيات الخير والإحسان، والتي تنطلق تحت إشراف الجهات المعنية، والتصدي لمختلف الظواهر.

تساهل أفراد المجتمع يشجع التسول

أجمع مواطنون ومقيمون على أن آفة التسول دخيلة على مجتمع الإمارات، رافضين إياها خشية من مخاطرها ونتائجها السلبية، في حين أكدوا تراجع التسول في الفترة الأخيرة نتيجة لمجهودات وزارة الداخلية؛ وحزمة الإجراءات التي اتخذتها الجهات الأخرى في التصدي لهذا الآفة، واعتبروا أن تساهل أفراد المجتمع مع المتسولين يشجعهم على الاستمرار في كسب المال بهذه الطريقة.

إذ يستدرّون عطف الناس الذين يستجيبون لهم دون معرفة حقيقية بحاجتهم، ما يتيح لهم فرصة التسول والعودة مرات عديدة إلى الأماكن التي يقصدونها لجمع المال، مضيفين أنهم يتفننون بتحايلهم، وان علاج تلك المشكلة يبدأ من أفراد المجتمع، باعتبارهم خط الدفاع الأول، والحد من الآفة مسؤولية جماعية بعدم التعاطف نهائياً مع المتسولين الذين بإمكانهم اللجوء إلى الجهات الخيرية التي تُعنى بتقديم المساعدات للمحتاجين، مقابل توحيد جهود التصدي، وتوسيع دائرة التوعية ضمن حملات وبرامج متواصلة بهذا الشأن.

مبادرات توعوية

شدد عدد من المواطنين والمقيمين على أهمية تعميق التوعية لدى الجميع، والمبادرة على وجه السرعة بتبليغ الشرطة في حال مشاهدة أي متسول، مؤكدين العمل على مكافحة التسول خشية من مخاطره، فالمشكلة تكمن في تغليب الجانب العاطفي على العقلاني في تعامل الناس مع المتسولين .

فالبعض يعتبر ذلك من القيم الاجتماعية والدينية وانتشار ظاهرة التسول نتيجة لاستغلال هؤلاء المتسولين عواطف الناس؛ وحبهم لعمل الخير في دولة الخير، فيلجأ كثير منهم إلى التخفي خلف ستار العاطفة، لدفع الناس إلى تلبية احتياجهم التي في أغلبها غير صحيحة، وفق تعبيرهم.