بأسلوب مباشر وواضح، استطاع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، نقل معنى الخير من ساحة الانفعال اللحظي المحدود إلى فضاء العطاء الممتد، ومن طفرة المبادرات المتواضعة إلى ترسيخ الخير منهج حياة.
فجاء مقال سموه الذي حمل عنوان «ماذا نريد من عام الخير؟» حافلاً بصور العطاء العميقة، التي لم تترك باباً للخير إلا ضربت فيه بسهم، ولم تستثنِ أحداً من أبناء هذه الأرض الطـــيبة والمقيمين عليها إلا رسمت أمام عينيه ملامح العطاء في خريطة مضيئة، تضــع دولة الإمارات في المقام الذي تستـــحقه وهي أهل له.
مقال سموه، الذي كتبه بمناسبة إعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، العام المقبل عاماً للخير، لم يكن مجرد رؤية عادية، بل كان رؤية خلّاقة لم يتم طرحها عالمياً من قبل، رؤية تتعلق بتعريف مختلف لفعل الخير، يتجاوز التبرع المؤقت وكل أشكال السخاء التي نعرفها، رؤية تتجاوز المؤقت إلى الديمومة، والانفعال اللحظي لفعل الخير إلى المأسسة التي تقود تغييراً جذرياً في حياتنا.
تعريفات
فكل تعريفات الخير وصورها معروفة ومتداولة، وأغلبنا يميل إلى تعريف الخير بالعطاء والسخاء، وإغاثة الفقراء والمساكين والمحتاجين والمظلومين واليتامى ومن تقطعت بهم السبل، والتخفيف عن الشعوب المنكوبة في محنها وأزماتها، وهذا الأمر على صحته وصدارة الإمارات فيه، على صعيد المساعدات في العالم، واليد البيضاء داخل الإمارات وخارجها، فإن صاحب السمو، في مقاله.
يأتي له برؤية أكثر عمقاً، وأكثر استراتيجيةً وتأثيراً، تحت عنوان يقول إن الخير يعني إحداث الفرق في حياتك وحياة عائلتك، وفي المؤسسة التي تعمل فيها، وفي وطنك، فسموه يريد لكل هذه الطاقة الخيرة في نفوسنا أن تصبح محركاً ومغذياً لأعوامنا المقبلة.
اللافت للانتباه هنا، في هذه الرؤية الابتكارية المبدعة، أنها تهدف إلى تجاوز فكرة العطاء بمعناه المعتاد إلى التغيير الجذري، وهو التغيير الذي سيثمر لاحقاً عن تغيرات جوهرية على صعيد حياة الإنسان والمجتمع.
بهذا المعنى، يريد سموه أن يكون الخير ممتداً، بحيث يكون العام المقبل عاماً لإطلاق مبادرات وأفكار تؤدي إلى إحداث فرق في الأداء والحياة، على صعيد الفرد والمجموعة، وعلى كل الصُّعد، وهذا يعني فعلياً أن نتائج هذا العام سوف تؤسس لفروق كبيرة على كل المستويات، بحيث لا ينتهي عنوان الخير مع إطلالة العام 2018.
بل تكون مبادرات عام 2017 سبباً في إحداث فرق كبير خلال السنوات المقبلة، يستمر أثره إلى وقت طويل، وهو ما يأتي تكثيفاً في مقالة صاحب السمو حين يقول: «الخير الحقيقي هو في إحداث فرق، فرق في حياة إنسان أو حياة مجتمع أو مسيرة وطن، كل فرد أو مؤسسة حكومية أو خاصة أو رجل أعمال أو صاحب علم وتخصص أو شاب يمكن أن يسأل نفسه سؤالاً واحداً: كيف يمكن أن أحدث فرقاً؟».
امتنان
في مقالة صاحب السمو امتنان وإشادة بكل جهد وخير بذله فرد أو مؤسسة عطاءً وسخاءً، فهذا دأب أهل الإمارات، وعقيدة الآباء المؤسسين، زايد الخير ومن معه من رجال كان التاريخ شاهداً عليهم، حين كانت أولى قطاف الخير بهذه الدولة التي توحدت في بنية واحدة، وفيما نراه اليوم من حياة كريمة، واستشراف للمستقبل، ومكانة عالمية لم تحزها الإمارات مجاملة من أحد بقدر كونها حقيقة.
لكن الرؤية التي صاغت المقال تتحدث عن إدامة الخير، وهذه إدامة لا تكون إلا بإحداث فروق في الحياة، تبدد الاعتياد والرتابة، وتأخذنا باتجاه التجديد، على صعيد الأفراد والمؤسسات، وبما يثمر لاحقاً عن بنية كاملة للخير، لا تتأثر بميقات ولا بموسم، ولا تقف عند حدود العطاء المتقطع، بل تُحدث تغييراً كبيراً في الأداء وفي العلاقات الإنسانية، بما يؤدي إلى أن تبقى الإمارات دولة الخير.
دعم
يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، في مقاله: «أبناء بلادنا وأبناء عوائل نعرف عنهم الخير ونرى في أبنائهم الخير.. وسنعمل على دعمهم خلال عام الخير لمن يرغب منهم في إحداث فرق.. هناك الكثير من فرص الخير لهم.. فأن تبني داراً لمعاقين، أو ترعى كباراً للسن، أو تشيد عيادة أو مستوصفاً، أو تجعل لك وقفاً تعليمياً أو صحياً، أو تطلق مبادرة معرفية أو بيئية أو إنسانية».
رؤية
هكذا إذاً، يعرّف سموه كل الخير في شعبه، ويريد تعظيمه بوسائل مختلفة، ليبقى أثره ويتجدد، وبحيث يكون الخير هنا رؤية استراتيجية، تترك أثرها عبر إحداث الفروق، لا أن تكون مجرد ممارسة عابرة، وبهذا المعنى فإن مبادرة عام 2017، أي عام الخير، تكون من أبرز المبادرات المستدامة، من حيث استمرارها بعد 2017، ومن حيث طبيعة مبادراتها التي سيكون أساسها إحداث فرق كبير.
هــــذه الرؤية تســتدعي من كل واحد أن يبحث عن فكرة جديدة، يُحدث عبرهـــا فرقاً في حياته، عائلته، منطـــقته ومدينـــته، مؤسسته وشركته، ولنُحدث الفرق، ولنُثبت القدرة على إبداعنا بأفكار إنسانية جديدة تقترب من المألوف، لكنها تتفوق عليه بالابتكار، وبكونها تُحدث فرقاً جذرياً، فيما يفصل بيننا وبين السباق مع مطلع عام الخير بضعة أيام قليلة.
