قالوا إن فضاء وطن «الكيبورد» منقسم بين مواطنين مستقبلين ومرسلين بإيجابية ملهمة، وآخرين مندسين، ولكنهم أيضاً مؤثرون وإن غردوا خارج نسيج الانسجام الاجتماعي والثقافي والقيمي، مخلّفين وراءهم تركة فاسدة من التحديات والجرائم الإلكترونية المحرضة على الإرهاب وإثارة النعرات ونشر أفكار التطرف والعنف والترويج لها واستقطاب أعضاء جدد، وإمكانية نشر توترات بين مكونات المجتمع.
ويتلمس الناشطون معاني الأمل والإيجابية وتناقل المعلومات، ويسعون بقوة إلى إعلاء الهوية الثقافية ونبذ الكراهية والطائفية، لصد تلك الحملات الإعلامية التي تشوه كيان المجتمع العربي، وطالبوا بدعم الحكومات العربية لمواجهة صحافة المواطن العشوائية التي معيارها الضمير الإنساني في انتظار قوانين وتشريعات تحكم مدوناتها، فالرهان ليس على استبعاد الصحافة المدنية وتهميشها، وإنما على المنافسة بأدوات الاحتراف واستيعاب هذه الظواهر التي أصبحت واقعاً يجب التعامل معه.
تكتل عربي
ويعتقد الممثل والإعلامي المصري محمد كريم أن النداء بحضور الثقافة العربية في فضاء جديد لا يعني التخلي عن قيمنا لمصلحة أدوات وتقنيات الإعلام الجديد، بل على العكس تماماً علينا السعي جاهدين لتوظيفها للتعبير عن هويتنا وثقافتنا بخصوصية أكبر وأعمق في الفكرة والطرح لتفادي الأفكار المغلوطة والمغرضة وحسم الخلاف لتوحيد الصفوف، حيث لا يجوز طمس خصوصيتنا القومية، بل نريد لثقافتنا العربية أن تكون متفاعلة بثقل عبر الوسائط الحديثة، لتكون بمنزلة معبر نشيط لكل هذه الخصوصيات التي لا تنفصل عن وجودنا وحاضرنا ومستقبلنا، فلا مكان في عصر الإنترنت لانغلاق ثقافي، والمستقبل في عصر المعلومات رهن قدرة مجتمعاتنا العربية على اللحاق بركب مجتمع المعرفة، ولا أمل بإقامة مجتمع معرفة عربي دون تكتل عربي يتخذ من الثقافة مدخلاً رئيساً.
ويضيف كريم أن السلطة الخامسة المتمثلة في وسائل التواصل الاجتماعي تحت مظلة الأعلام الجديد تطرح على الحكومات العربية تحدياً غير مسبوق، وهو تحدي تطوير إعلامها وتخليصه من اللغة الخشبية، وإكسابه المزيد من المصداقية، وتخليصه من الدعاية الفجة لها، بوجود بدائل ومنصات إعلامية يمتلكها ويديرها ويقدم محتواها النوعي والكمي رجل الشارع، وعليه لا بد أن تقف الحكومات العربية بمعزل عن التفاعل والتلاحم مع شعوبها، لتتصدى لهجمات قد يصدر بعضها عن حسن النية وبدافع الوطنية، وقد يصدر بعضها الآخر عن سوء النية والعداوة، والرغبة في زعزعة استقرارها، وبث الفرقة في مجتمعاتها لتي تبدي ممانعة ضعيفة في وجه الشائعات.
صحافة المواطن
وفى السياق، يشير الإعلامي اللبناني نيشان ديرهاروتيونيان إلى أنه لا بد من دراسة تطورات شعبية ورسائل التواصل الاجتماعي والتوقف عندها، باعتبارها تشكّل سلطة خامسة يدريها المدونون في منصات مختلفة، والرهان ليس على استبعاد وصحافة المواطن والتدوين والصحافة المدنية وتهميشها، وإنما على المنافسة بأدوات الاحتراف واستيعاب هذه الظواهر التي أصبحت واقعاً يجب التعامل معه. وعلى القائم بالاتصال أن يتذكر دائماً أن استيعاب هذه الظواهر يُعلي من شأن موقعه ويجعله أكثر مصداقية واهتماماً من قبل الجمهور، بل يثري الحوار والديمقراطية معاً، حيث تعتبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وفي مقدمتها «الفيسبوك وتويتر»، مساحة تواصل ونقطة تلاقٍ بين الثقافات المختلفة، وتعتبر فرصة للتواصل وبناء علاقات إنسانية راقية بين مختلف الأفراد ومن سائر البلدان، بهدف تبادل الثقافات والخبرات والتجارب بين المجتمعات في البلدان العربية، كما أنها توفر فرصة للتفاعل الحضاري والإنساني.
وشدد نيشان على ضرورة مراعاة الأخلاقيات والأعراف العامة على شبكات التواصل الاجتماعي، وأن يتحمل كل مستخدم لتلك المواقع مسؤوليته، مشيراً إلى أن حرية التعبير التي أتاحتها الوسائل الاجتماعية تتطلب أن يراعي كل شخص ضميره فيما يكتب، وأن يفكر في أبعاد الكلمات التي ينشرها على صفحته أو حسابه على وسائل التواصل الاجتماعي، فلا يعمد إلى إثارة النعرات، أو ينشر كلاماً قد يتسبب في إيذاء الآخرين، نظراً إلى قوة التأثير التي باتت تتمتع بها وسائل التواصل الاجتماعي في العالم العربي، على الرغم من أنها حديثة العهد، فخلال سنوات معدودة لم تعد محصورة في التواصل فحسب، إذ تعددت غاياتها لتضاهي قوة الوسائل الإعلامية في نشر المعلومات، وطرح القضايا والنقاشات، ولذا ينبغي تحري الدقة في نقل الأخبار والمعلومات.
إلغاء الحواجز
ويقول الممثل السعودي طارق الحربي، حائز جائزة رواد التواصل الاجتماعي العرب 2016، إن طبيعة المواقع الافتراضية للتواصل الاجتماعية جعلت العالم أمام موضوع اتصالي معلوماتي أكثر أهمية وحداثة، هذا المفهوم أخذ يفرض نفسه بقوة في مستهل القرن الحادي والعشرين الذي يزخر بمتغيرات، تمثل ثورة معلوماتية وإعلامية جديدة في عصر جديد «مُعولم» الأبعاد وقوامه أدوات وتقنيات اتصالية جديدة، فقد أسقطت وسائل الإعلام الجديدة الحواجز بين الشعوب، واستعادت البشرية اتصالها المألوف ببعضها، وانهارت حواجز الاقتباس والاقتداء والانتقاء والانبهار، وانطلقت ثورة المعلومات تؤثر فيمن يرغب ومن هو مستعد دون معوقات أو تعقيدات، لتصبح هناك حوارات وتفاعلات لا تنتهي، ولتصبح الثقافة الإنسانية بوتقة تصهر كل الثقافات في تفاعل حضاري يستمر، وهذا ما يسمى بتكنولوجيات الإعلام والاتصال أو ما يصطلح عليه الإعلام الجديد.
ويرى الحربي أنه لطالما اعتبر الإعلام إحدى حقائق الحياة المعاصرة، وواحدة من أهم قوى تشكيل السلوكيات والقيم والعلاقات الإنسانية والثقافية، بما يبثه من خلال قنواته المتعددة ووسائطه المتنوعة من أفكار وآراء، تتسلل في رفق وهوادة إلى أذهان الجماهير العريضة، فتعمل على تغيير واقع حياتهم وتغرس فيهم قيماً جديدة، ويستأثر الإعلام الجديد بالكثير من الاهتمام من قبل المشتغلين بالإعلام بصفة عامة وأساتذة الإعلام.
أكد ناشطون إعلاميون أن وسائل التواصل الاجتماعي تحولت من منصات شعبية رائجة إلى قوة مؤثرة وفعالة، منحتها الصدارة والمنافسة لتحصد لقب «السلطة الخامسة» اعترافاً بهيمنتها المشرعة على الأبواب والاحتمالات كافة، مشددين على أنه لا مكان في عصر الإنترنت لانغلاق ثقافي، والمستقبل في عصر المعلومات رهن قدرة مجتمعاتنا العربية على اللحاق بركب مجتمع المعرفة، ولا أمل بإقامة مجتمع معرفة عربي من دون تكتل عربي يتخذ من الثقافة مدخلاً رئيساً.
حتمية
باتت فكرة «الحتمية التكنولوجية» واقعاً ملموساً وانعكاساً لحالة الانقلاب في نظم الاتصال والتفاعل بين الأفراد، ولكن هذا المصطلح يرتبط ارتباطاً وثيقاً أيضاً بالثقافة الفكرية والوطنية والإنسانية لتلك الشعوب التي تتحدث لغة التواصل الاجتماعي بين مؤيد ورافض، ومرسل ومستقبل لمحتوى هائل من الرسائل الإيجابية والسلبية مدعومة بحرية التعبير عن الرأي، وهو حق مشروع، ولكن يحتاج إلى الكثير من الضوابط والناشطين، لتصحيح الكثير من المواقف التي قد تسبب أزمات سياسية واجتماعية نتيجة لسطحيتها أو تكاسل الكثيرين عن البحث الدقيق عن المصدر الحقيقي عن المعلومة وقيمتها.



