أكد صندوق النقد الدولي، في تقرير صدر بالأمس على هامش المنتدى أن النمو الاقتصادي العالمي سيظل ضعيفاً في عام 2016، وسيرتفع تدريجياً عام 2017 وما بعده. ويُتوقع أن يكون ارتفاع النمو مدفوعاً بالأسواق الصاعدة، لا سيما الاقتصادات المتعثرة التي يُتوقع أن تعود الأوضاع فيها إلى طبيعتها، بينما يرجح أن يظل النمو ضعيفاً في الاقتصادات المتقدمة بسبب تأثير ضعف نمو الإنتاجية والعوامل الديمغرافية على آفاق تلك الاقتصادات في الأجل المتوسط. وتتشكل الآفاق المستقبلية في ضوء عمليات إعادة الاتساق الاقتصادي الجارية، مثل إعادة التوازن في الصين وتكيف البلدان المصدرة للسلع الأولية مع التراجع المطول في معدلات التبادل التجاري، وكذلك العوامل السياسية والجغرافية السياسية، بما في ذلك عدم اليقين السياسي والصراعات وأزمات اللاجئين. ويميل ميزان المخاطر إلى الجانب السلبي الذي يتضمن، من بين جملة أمور، تعميق الصراعات السياسية والسياسات المنغلقة، والكساد في الاقتصادات المتقدمة، والصعوبات الانتقالية التي تشهدها الصين، ومواطن الضعف المالي في عدد قليل من الاقتصادات الصاعدة الكبرى، والقدر الكبير من عدم اليقين الناجم عن نتائج الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والانتخابات الأميركية.

وعلى هذه الخلفية، تواجه البلدان العربية تصاعد الصراعات في العراق وليبيا وسوريا واليمن، إلى جانب التراجع الحاد في أسعار النفط العالمية منذ منتصف عام 2014. ويؤدي عدم اليقين الناتج عن الصراعات إلى تقويض الثقة، بينما يؤثر تراجع أسعار النفط سلباً على مركز المالية العامة والمركز الخارجي للبلدان المصدرة للنفط.

وتستفيد البلدان المستوردة للنفط من تراجع أسعاره، ولكن انخفاض تحويلات المغتربين الواردة من البلدان المصدرة للنفط يوازن هذه الفوائد جزئياً. وبالرغم من إجراء تصحيحات كبيرة على مستوى السياسات، يتوقع أن يشهد العالم العربي نمواً محدوداً هذا العام مع تحسن طفيف يتوقع في عام 2017. ويتعين إجراء تحولات هيكلية عميقة بغرض تعزيز دور القطاع الخاص ودعم توفير فرص عمل جديدة.

من المتوقع أن يتباطأ نمو الاقتصاد العالمي في عام 2016 إلى ما يزيد قليلاً على 3 %. وتعكس تنبؤات عام 2016 خفض توقعات الاقتصادات المتقدمة نتيجة تراجع النشاط الأميركي عن المتوقع خلال النصف الأول من العام وتحقق أحد أهم مخاطر التطورات السلبية متمثلاً في التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وتشير التنبؤات إلى تحسن طفيف في نشاط اقتصادات السوق الصاعدة والاقتصادات النامية خلال عام 2016 ـــ لا سيما في آسيا الصاعدة والاقتصادات المتعثرة (مثل البرازيل وروسيا) ـــ بعد خمس سنوات من الانخفاضات المتتالية.

ويتوقع ارتفاع النمو العالمي إلى 3.4% خلال العام المقبل. حيث تستند هذه التنبؤات إلى مزيد من التحسن المتوقع على المدى المتوسط في النشاط الاقتصادي لاقتصادات السوق الصاعدة والاقتصادات النامية التي أصبحت محرك النمو العالمي، وإن كانت آفاق هذه الاقتصادات متفاوتة فيما بينها وأضعف عموماً عما سبق. ولا يزال التباطؤ يخيم على آفاق الاقتصادات المتقدمة بسبب الآثار الديمغرافية المعاكسة وضعف نمو الإنتاجية. وتحديداً: يعكس تراجع آفاق الاقتصادات المتقدمة توقعات باستمرار ضعف نمو الاستثمار في الولايات المتحدة، واستمرار عدم اليقين بشأن علاقة المملكة المتحدة بالاتحاد الأوروبي على المدى الطويل، والتأثير السلبي لتزايد أعداد المسنين وضعف اتجاهات الإنتاجية في الأجل الأطول. ومن المتوقع أن يستعيد الاقتصاد الأميركي بعض الزخم بسبب تراجع الأعباء الناتجة عن المخزون، والتعافي الطفيف في الاستثمار نتيجة انحسار تأثير انخفاض أسعار الطاقة والارتفاع السابق في قيمة الدولار الأميركي. وفي اليابان يتوقع انتعاش النشاط الاقتصادي عقب التنشيط المالي الأخير. وتشير التنبؤات إلى تراجع طفيف في معدلات التعافي المحدود الذي تشهده منطقة اليورو ـــ تراجع ثقة المستثمرين بسبب حالة عدم اليقين التي أعقبت التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيؤثر على النشاط رغم المكاسب الناتجة عن انخفاض أسعار النفط وتيسير السياسة النقدية.

تؤثر عوامل اقتصادية وغير اقتصادية سلباً على هذه التنبؤات. أولاً من شأن النزاع السياسي والسياسات المنغلقة ـــ نتيجة عدم استفادة الفئات منخفضة الدخل من النمو الضعيف ـــ منع التعاون الدولي وتعطيل التدفقات التجارية والمالية، مما يؤدي إلى زيادة التقلبات وتباطؤ النمو في الولايات المتحدة وغيرها. ثانياً، يخيم خطر الكساد على الاقتصادات المتقدمة، لا سيما التي لا تزال ميزانياتها العمومية ضعيفة. وأخيراً، توجد درجة كبيرة من عدم اليقين بشأن عواقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وفي هذا السياق، زادت المخاطر المتصلة بالائتمان والأوضاع النقدية والمالية ودرجة الإقبال على المخاطر. كذلك فإن حالة عدم اليقين بشأن موقف السياسات في الاقتصادات المتقدمة ـــ لا سيما فيما يخص التنظيم المالي والتجارة الدولية ـــ في ظل انحسار التوافق حول منافع التكامل عبر الحدود قد تؤدي في نهاية المطاف إلى سياسات غير قابلة للاستمرار، مما يؤثر سلباً على النمو العالمي ويفاقم من تقلبات الأسواق المالية.

وثمة مخاطر أخرى قد تؤثر أيضاً على الآفاق العالمية المتوقعة. وتحديداً، لا تزال المخاطر الناتجة عن إعادة التوازن في الصين والتداعيات المقترنة بها قائمة، وذلك رغم تنفيذ دفعة تنشيطية أخيراً أدت إلى تحسن الشعور العام في الأجل القصير منذ بداية العام. ولكن دون إحراز تقدم حاسم نحو معالجة قضايا الدين والحوكمة، ستشهد الصين مرحلة انتقالية أكثر اضطراباً عن المتوقع، وانعكاسات مهمة على أسواق السلع الأولية تحديداً. كذلك رغم استمرار تحسن الأوضاع المالية في الأسواق الصاعدة، لا تزال الاقتصادات التي تعاني من مواطن ضعف مالي كبير - متمثلة في ارتفاع مستوى ديون الشركات وتراجع الربحية وضعف الميزانيات العمومية المصرفية - ومحدودية هوامش الأمان التي توفرها السياسات معرضة لتحولات مفاجئة في شعور المستثمرين.

وأخيراً، توجد طائفة من العوامل غير الاقتصادية التي قد تؤثر، أيضاً على الآفاق المتوقعة في بعض المناطق. ويتمثل أحد أكبر التحديات في تفشي الصراعات وتصاعدها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وما يتصل بذلك من أزمة لاجئين غير مسبوقة. وتتضمن المخاطر الأخرى الجفاف في شرق وجنوب إفريقيا، والأوبئة في نصف الكرة الغربي وجنوب شرق آسيا. وفي حالة تفاقم هذه العوامل، يمكن أن تؤدي مجتمعة إلى تأثير سلبي حاد على الشعور السائد في الأسواق، مما يلحق أضراراً جسيمة بالطلب والنشاط. ومن المتوقع ارتفاع النمو في اقتصادات السوق الصاعدة والاقتصادات النامية، ولكن الآفاق متفاوتة عبر المناطق ـــ ما بين نمو قوي في آسيا الصاعدة، وبعض بوادر التحسن في البرازيل وروسيا، وتباطؤ حاد في إفريقيا جنوب الصحراء. وفي ظل الدعم المتاح من السياسات في الصين، سيستمر النمو في التباطؤ تدريجياً مع تحول الاقتصاد إلى مسار نمو أكثر توازناً. ومن المتوقع أن يظل النمو قوياً في اقتصادات السوق الصاعدة والاقتصادات النامية الأخرى. وستستمر الهند في تحقيق معدل نمو إجمالي الناتج المحلي الأسرع على الإطلاق بين الاقتصادات الصاعدة الكبرى بدعم من المكاسب الضخمة الناتجة عن معدلات التبادل التجاري والتدابير الإيجابية على مستوى السياسات والإصلاحات الهيكلية وتحسن مستويات الثقة.