أكد وزير المالية اللبناني الأسبق د. جورج قرم والخبير النفطي العالمي د. ممدوح سلامة، خلال الجلسة الثالثة من المنتدى الاستراتيجي العربي، على أن دول المنطقة العربية وخصوصاً المنتجة للنفط ظلت تتحدث عن تنويع مصادر الدخل منذ اكتشاف البترول في مطلع القرن الماضي، مشيرين إلى أن دولة الإمارات كانت الدولة الوحيدة عربياً التي استطاعت تطبيق استراتيجية التنوع بشكل ناجح، حيث وصلت مساهمة النفط إلى 30 في المئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي للدولة وهي تسعى حالياً إلى تخفيضها بشكل أكبر.
وأضاف جورج قرم، في تصريحات لـ«البيان»، أن العالم العربي يواجه تحدياً حقيقياً يتمثل في عدم وجود صناعة وطنية قوية تدعم الاقتصاد في حال هبطت أسعار النفط، في حين عملت دولة الإمارات في صمت فعال عن طريق الاستثمار الحكيم في قطاعات خدمية وإنتاجية منها الصناعة والتكنولوجيا والطيران والسياحة، بالإضافة إلى تطوير بنية تحتية ولوجستية جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي.
وأكد قرم على أن دولة الإمارات كانت سباقة في إيجاد الحلول بعد الهبوط الحاد لأسعار النفط، حيث سارعت إلى تحرير أسعار الوقود وهو ما لحقتها فيه باقي دول الخليج، مشيراً إلى أن رفع الدعم الكامل على مشتقات البترول من البنزين والديزل سيوفر على هذه الدول 170 مليار دولار سنوياً.
وأوضح أن دولة الإمارات أيضاً كانت سباقة في فتح المجال لمساهمة فعالة للقطاع الخاص، عن طريق إنشاء بنية تشريعية ملائمة وجاذبة، وهو ما يفسر التدفقات المتواصلة للاستثمار الأجنبي على الدولة. وأشار في هذا الصدد إلى أن العالم العربي يعاني من دور غير فعال للقطاع الخاص خصوصاً في القطاع الصناعي والتكنولوجي. ودعا قرم دول الخليج إلى مواصلة إصلاح المنظومة المالية والضريبية، وربما فرض ضريبة على الدخل تدريجياً واستثمارها في تنويع الاقتصاد.
وخلال الجلسة قال قرم:«العالم العربي يعيش في ظل السياسة المرتبطة بأسعار النفط، يجب تخصيص 10% من عوائد النفط للاستثمار في القطاع التكنولوجي وقطاعات مختلفة وتنويع الاقتصاد، إذا استثمرنا 5% من العوائد في الزراعة في السودان مثلاً، فسيتمكن العالم العربي من توفير احتياجاته الغذائية، ومن ثم تصدير الفائض إلى العالم».
وأكد أن بعض دول الخليج سارعت إلى الحد من الإنفاق الحكومي بشكل سريع ومباشر بعد انخفاض سعر النفط، ما عمق من الأزمة ولم يساهم في حلها أو التأقلم معها. وأضاف أن دولة الإمارات كانت الأقل تأثراً بهذا الانخفاض بسبب سياستها الرشيدة في ما يخص الإنفاق الحكومي وخلق مصادر جديدة للدخل.
وفي ما يخص الائتمان في دول الخليج، بلغت الإصدارات السيادية لدول الخليج خلال 2016 نحو 40 مليار دولار مقابل 10 مليارات في 2015، وهو ما علق عليه قرم بأن دول الخليج تملك تصنيفاً ائتمانياً عالياً، بالإضافة إلى احتياطات نقدية ممتازة، وهو ما يمنحها قوة في التحكم في الدين الخارجي أو المحلي، وأضاف قائلاً: «لا خوف على دول الخليج من الاستدانة، ما يهم هو التحكم في كلفة الدين ومحاولة تخفيضها قدر الإمكان».
من جهته، أكد ممدوح سلامة أن أسعار البترول ستغلق العام الجاري على مستويات 60 دولاراً للبرميل أو بداية 2017 على أقصى تقدير، على أن تستمر في الارتفاع العام المقبل حتى الوصول إلى 70 دولاراً منتصف 2017، وستواصل الارتفاع بعد ذلك، طالما المشهد الاقتصادي العالمي مستمراً في مستوياته الحالية، مشيراً إلى أن وصول السعر إلى 70 دولارا فما فوق سيساعد دول الخليج على سد العجز في ميزانيتها واستئناف برامج الإنفاق. وأضاف أن معادلة العرض والطلب قد توازنت بعد الاتفاق التاريخي لمنظمة أوبك والأعضاء خارجها، حيث تمثل هذا الاتفاق في خفض 1.8 مليون برميل يومياً مع العلم أن الفجوة سابقاً كانت عند 1.5 مليون برميل (تخمة المعروض).
وأشار إلى أن الطلب سيستمر في النمو خصوصاً وأن 75 % من الطلب عالمياً يأتي من الدول النامية، في حين أن أميركا والصين واليابان وحتى أوروبا لا تزال تعتمد على النفط كمصدر أساسي ورئيسي للطاقة، وأشار قائلاً إنّ «الحديث عن الوصول إلى ذروة الطلب غير صحيح، فالولايات المتحدة ومع أنها تنتج النفط، إلا انها تستورد 8 ملايين برميل يومياً». وتوقع سلامة تمديد اتفاق أوبك بعد ستة شهور على مستويات الإنتاج الحالية بعد الخفض، على أن يتم رفع الإنتاج تدريجياً لمواكبة ارتفاع الطلب. وأضاف أن انخفاض أسعار النفط كلف الاقتصاد العالمي نحو 0.75 إلى 1% من معدل نموه خلال 2015 و2016، كما كلف دول المنطقة المنتجة للبترول ما يعادل 320 مليار دولار، بالإضافة إلى أن الاستثمارات في قطاع البترول انخفضت بما يعادل 1.8 تريليون دولار.
وأضاف أن زيارة قصيرة إلى دبي قد تؤكد للزائر أن الشعب العربي خلاق ومبدع إذا توفرت له القيادة الحكيمة، مستشهداً بتجربة دولة الإمارات التي تمكنت من تخفيض الاعتماد على النفط بشكل كبير، ومشيراً إلى أن السعودية ستصبح في المستقبل القريب أكبر منتج ومصدر للبتروكيماويات، وهذه مؤشرات جيدة، لكنه أكد على أهمية دور القطاع الخاص في المساهمة في التحول الاقتصادي والاستثمار في التقنية لضمان اقتصاد مستدام مبني على الابتكار.
وقال سلامة: «يجب علينا التعلم من دروس الماضي وعدم التخوف من خفض انتاج النفط، الدول النامية ستستورد النفط إلى الأبد، والطاقة المتجددة لا تلبي إلا 2.7 % من احتياجات الطاقة عالمياً، وهذا يعني أن الحاجة إلى النفط ستبقى والدول المنتجة ستعتمد على بيع النفط في تطوير وتنويع اقتصاداتها».
ودعا سلامة أعضاء منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك» إلى عدم المبالغة في التخوف من النفط الصخري الأميركي، حتى لو عاد إلى الواجهة بعد ارتفاع أسعار النفط عالمياً.
وحول الوصول إلى اقتصاد متنوع قال قرم: «إن دول الخليج على الطريق الصحيح للانتقال إلى اقتصاد متنوع، ولكن 80 % من استثمار الدول المنتجة للنفط يذهب إلى القطاع النفطي والعقاري والسياحي، والأفضل أن ننظر إلى دول شرق آسيا والتي ركزت استثماراتها على القطاع التكنولوجي وخاصة الشركات الخاصة، لهذا يجب على الدول العربية التركيز على القطاع التكنولوجي والابتكار لتنويع اقتصادها والحد من هجرة العقول».
وأكد أن اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي لديها إمكانيات لتحمل أي انكماش اقتصادي من خلال الامكانات المادية الكبيرة التي تملكها، ولكن التركيز على تطوير مناخ الاستثمار سيسهل المعوقات التي تواجه مواكبة التطور التقني العربي.
