قال الدكتور عبد الرزاق حمزة المنسق العلمي الأول للمركز العربي للدراسات الجينية التابع لجائزة حمدان بن راشد للعلوم الطبية إن صحة الجهاز الهضمي تعتمد بدرجة كبيرة على نمط حياة الأفراد وبالأخص نوعية الطعام المتناول وممارسة الرياضة ومدى التعرض للضغط النفسي، أي أن العوامل البيئية تلعب دوراً كبيراً في الإصابة بالأمراض الهضمية.
وبيّن أن هناك ثلاثة أنواع من الأسباب التي تؤدي للإصابة بالأمراض وهي؛ أسباب جينية (كالطفرات الوراثية) وأسباب بيئية بالإضافة إلى نتاج تفاعل العوامل البيئية والجينية معاً، وفي كثير من الأحيان لا تقتصر العوامل الجينية المسببة للمرض على خلل وراثي في جينة واحدة بل يصيب التغيير الجيني جينات عدة معاً، وهذا يستدعي القيام بقدر كبير من الأبحاث العلمية لتحديد الأسباب المرضية بدقة.
والجدير بالذكر أن الكثير من أمراض الجهاز الهضمي تصنف كأمراض ناتجة عن التفاعل بين عوامل بيئية، والعديد من الجينات، ومن هنا نجد أن عدداً قليلاً جداً من الأمراض الهضمية يصنف كـ«أمراض وراثية» بحتة.
وبالطبع فإننا نجد انعكاس ذلك على قاعدة البيانات CTGA التي ترصد الدراسات الجينية على الأمراض الوراثية عند العرب، حيث يقل كثيراً عدد الأمراض الوراثية الهضمية عن مثيلاتها العصبية مثلاً، مع وجود الكثير من الحالات التي فيها أعراض هضمية لأمراض وراثية تصيب أكثر من جهاز في آن من مثل التليف الكيسي ومرض الفوال.
وأكد الدكتور عبد الرزاق حمزة أن قاعدة بيانات المركز العربي للدراسات الجينية «CTGA» تشمل العديد من الأمراض الهضمية الوراثية التي تمت دراستها عند العرب من أهمها:
سرطان القولون الوراثي
تقع تحت هذا العنوان عدد من المتلازمات التي ينتج عنها حالات إصابة عائلية بسرطان القولون، وتصنف بشكل عام إلى نوعين: الأول منها هو الذي يترافق مع داء السلائل (البوليبات) والثاني غير مرتبط بظهور تلك السلائل. وقد تم اكتشاف العديد من الجينات التي تلعب دوراً مهماً في النوع الأول لأن إصابتها بالخلل الجيني يرفع كثيراً من احتمال تشكل السلائل، أما النوع الثاني فيتمثل بمتلازمة لينتش، وتعد الطفرات التي تصيب الجينات التي تصلح الدنا وتزيل الأخطاء التي تطرأ عليه من أهم أسباب الإصابة بمتلازمة لينتش.
ويورد المدخل الخاص بـسرطان القولون والمستقيم في قاعدة البيانات (CTGA) أبحاثاً عن هذا المرض من 6 دول عربية، منها الكويت وقطر والسعودية، ففي الدراسة الكويتية نجد مسحاً جينومياً لمرضى سرطان القولون هناك من أجل تحديد الجينات المسؤولة عن الإصابات، بينما تذكر الدراسة القطرية أن معدل حدوث المرض سنوياً يبلغ 7.5 لكل 100000 من السكان، وبالمقابل تلقي الدراسات السعودية الضوء على أدوار جينات بعينها من مثل «PIK3CA» و«GSTM1» و«TLR4».
كما تحتوي الـ«CTGA» على مدخل خاص بـمتلازمة لينتش يوصف الأعراض السريرية لحالات مصابة بهذه المتلازمة النادرة التي تؤهب المرضى بالإضافة للإصابة بسرطان القولون إلى الإصابة بسرطانات أخرى في الجسم مثل سرطان عنق الرحم والأورام التي تصيب الجهاز البولي.
وهنا نذكر الإسهامات الكبيرة لأحد الفائزين بجائزة حمدان بن راشد للبحوث الطبية المتميزة وهو البروفيسور سانفورد ماركويتس من جامعة كيس ويسترن ريزرف (الولايات المتحدة) في الكشف عن العلاقة بين طفرات الجينة الكابتة للورم (TGF-beta RII) ومتلازمة لينتش، إذ أثبتت تلك الدراسات أن تعطيل الجينة المذكورة آنفاً يسبب الإصابة بسرطان القولون العائلي.
سرطان المعدة الوراثي المنتشر
ينتج هذا النوع من السرطان عن طفرات في الجينة (CDH1) ويكون من النوع المنتشر مما يجعل كشفه في المراحل المبكرة صعباً جداً، وهنا تبرز أهمية الكشف الوراثي عن قابلية الإصابة بهذا المرض في العائلات التي ظهرت فيها هذه الحالة المرضية. وتحتوي الـ«CTGA» على العديد من الدراسات من الأردن وعُمان عن حالات سريرية خاصة بهذا المرض.
سرطان البنكرياس العائلي
يعتبر وجود ثلاث حالات من سرطان البنكرياس في العائلة دليلاً على وجود هذا النوع من الأورام الوراثية، إذ إنه يصعب في كثير من الأحيان تحديد السبب الوراثي بدقة. وهنا تظهر أهمية الدراسات التي قام بها فائز آخر بجائزة حمدان بن راشد للبحوث الطبية المتميزة وهو البروفيسور ديفيد توفسون من مختبرات كولد سبرنج هاربر (الولايات المتحدة) والتي رسمت الطريق للوصول إلى تشخيص هذه الحالات وعلاجها، ويوصف المدخل الخاص بهذا المرض في قاعدة البيانات «CTGA» حالة من عمان بجميع موجوداتها السريرية، ومما لا شك فيه أن هناك حاجة ماسة للتركيز على دراسة هذه الحالات بشكل أكبر في العالم العربي.
داء الأمعاء الالتهابي
بينت العديد من الدراسات أن لهذا المرض مكوناً جينياً مهماً وتساهم العديد من الجينات في هذا المكون، وتورد قاعدة البيانات «CTGA» نتائج الكثير من الأبحاث التي تم إجراؤها على مستوى معظم دول العالم العربي، وفيها نجد أن نسبة الإصابة بهذا الداء في الكويت تبلغ 2.16 لكل 100000 مولود سنوياً، بينما تبلغ نسبة حدوث التهاب القولون التقرحي (أحد أنماط داء الأمعاء الالتهابي) في عمان 1.35 لكل 100000 من السكان سنوياً، ويعد هذا المرض مثالاً مهماً لما يمكن أن تحققه الدراسات الجينية الدوائية من الوصول إلى المعالجات الفضلى بما يناسب كل مريض – أي من خلال الطب الشخصي.
الداء البطني
وهو من الأمراض المناعية الذاتية، حيث ينتج عن الاستجابة المناعية للغلوتين الموجود في الغذاء وبخاصة في مخاطية الأمعاء الدقيقة مع وجود تأثيرات في أماكن أخرى من الجسم، ويقدم هذا المرض مثالاً عن الدور الذي يلعبه تفاعل العوامل الوراثية مع العوامل البيئية في الإصابة بالأمراض، ويوجد في المدخل الخاص بهذا المرض في قاعدة البيانات «CTGA» العديد من الدراسات المهمة التي أجريت في دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والمغرب وسوريا وغيرها.
أمراض الكبد الاستقلابية
تنضوي تحت هذا العنوان العديد من الأمراض ويعد داء ويلسون أهمها وهو ناتج عن طفرات وراثية تسبب اضطرابات في نقل عنصر النحاس مما يؤذي الكبد بشكل رئيسي، وهناك العديد من الدراسات الجينية الخاصة بهذا المرض عند العرب وهي موجودة في المدخل الخاص بـداء ويلسون في قاعدة البيانات «CTGA»، الذي يعرض نتائج الدراسات على دور التعددية الشكلية في جينة «ATP7B» في الإمراضية.
وختاماً نشير إلى الدور الذي تلعبه هذه الدراسات في الوصول إلى تحديد أدق للخارطة الجينية لهذه الأمراض في المجموعات السكانية العربية. ويتزايد عدد هذه المدخلات بشكل مطرد في قاعدة البيانات «CTGA»، التي تقدم نافذة بانورامية تجمع كل هذه النتائج مما يساعد على تقديم التشخيص والعلاج بشكل أفضل.

