حالة من الاستياء والغضب أثارها انتشار فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر حاضنة تعتدي بالضرب على طفل صغير لم يتجاوز عمرة 4 أشهر، محاولة منعه من البكاء، بدت السيدة في منتهى القسوة وهي تمارس عنفها ضد الطفل بلا رحمة ودون مراعاة لآدميته، مقطع الفيديو دفع قانونيين وأخصائيين اجتماعيين إلى المطالبة بتجريم تصوير وتداول مقاطع الفيديو التي تتضمن إساءة للأطفال، فمواقع التواصل الاجتماعي ( فيسبوك، تويتر، سناب شات، واتساب) تؤكد حرفياً أن العالم أصبح قرية صغيرة، يمارس خلالها مستخدمون سلوكيات خاطئة لا تخضع لا لقانون ولا عرف ولا دين.

وأكد تربويون ومختصون نفسيون أن تصوير مشاهد لانتهاكات حقوق الطفل وتعنيفه بالضرب والاستهزاء والسخرية وبثها على مواقع التواصل الاجتماعي يشكل خطراً على مستقبله من الناحية النفسية والاجتماعية، حيث لوحظ في الفترة الأخيرة تعرض الأطفال إلى انتهاكات شبه يومية، بعضهم أصيب بعاهات وغيرهم انتقلوا إلى مثواهم الأخير، والأدهى عرضها بكل تفاخر على برامج «التواصل الاجتماعي» وكأن الأمر أصبح مجالًا للتباهي والاستعراض، بعضها وثق لانتهاكات نفسية وأخرى جسدية وعقلية والتي بدورها تؤثر تأثيراً سلبياً على الأطفال، ومنها على سبيل المثال ما نجده في حوادث «تعنيف الأطفال» من قبل الخادمات بغياب الوالدين والذي أصبح أمراً عادياً، حيث يتم رفعه على مواقع التواصل الاجتماعي أو المنصات الإعلامية ومن ثم تداوله بصورة تدعو للحيرة والاستغراب، مما لا يحق لناشري تلك المقاطع أن يمنعوا أحداً من كتابة تعليقه أو حتى رأيه أو حتى إرساله إلى جهات أمنية للتحقيق حول الواقعة.

التوعية والتثقيف

وفي قصة واقعية، أوضحت (ن، إ، أ) أنها قامت برفع فيديو يوثق التعنيف الذي تعرض له طفلها منذ مدة من قبل خادمتها إلى مشاعر نفسية ما زالت تغالبها، بعد أن قصدت في نشر الفيديو هدف التوعية والتثقيف، إلا أنها وجدت الاتهام يقع عليها وبأنها لا تستحق أن تكون أماً، دون أن يدرك هؤلاء الأشخاص ماهية ظروفها الحقيقية التي تتعلق بأن والدتها متوفاة وكل شقيقاتها منشغلات في حياتهن الأسرية، ووالدة زوجها امرأة كبيرة في السن ولا تستطيع رعاية طفل، وهي وزوجها كلاهما يعملان ولا يجدان أحداً يرعى طفلهما، ما اضطرهما الاستعانة بخادمة لرعايته وقت غيابهما عن المنزل، وتثبيت كاميرا للرقابة عليه أثناء تغيبهما للعمل.

خطر

وعبر مواطنون عن استيائهم الشديد من تعمد البعض نشر مقاطع الفيديو في الآونة الأخيرة التي تظهر حجم ظاهرة العنف الأسري الذي يتعرض له الأطفال، مشيرين إلى أن تلك المشاهد السلبية تظل راسخة في ذاكرة المحيطين من الطفل الذي قد يصبح مثالاً للاستغلال المجتمعي أما الجسدي أو النفسي عبر السخرية والضحك منه مما قد يؤدي إلى تكوين شخصية لا سوية. مطالبين من الجهات ذات الاختصاص بتشديد القوانين والعقوبات على كل من تثبت إدانته بتصوير العنف بحق الأطفال ونشرها وتداولها كذلك، ولكل من استخدم طفلاً، أو استغله في تصوير، أو تسجيل وغيره سواء كان بمقابل أو من دونه. وعلى كل من يعرض الأطفال للخطر وسوء المعاملة.

ودعت خديجة الطنيجي «كاتبة في مواقع التواصل الاجتماعي» إلى أهمية إطلاق حملة وطنية تحمل في مضمونها «فكر قبل أن تنشر» لتقنين ما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا لا يتعلق بموضوع الاعتداء على الأطفال أو ما شابه بل في التفكير قبل أن يجرب أي فرد منا التعاطي مع أي موضوع حساس أو خطير من كل النواحي سواء الصحية أو الأمنية أو الأخلاقية أو الفكرية، مشيرة إلى أهمية التعاطي مع حالات تصوير مشاهد تعنيف الأطفال بحزم شديد أولاً لمنع انتشار الظواهر السيئة، وثانياً لمنع انتشار المقاطع التي تثير الرأي العام، ما شأنه أن يتسبب في زيادة الضغط على الجهات المعنية في حوادث مرجعها في المقام الأول إلى عدم المسؤولية من قبل الأفراد ذاتهم، مشيرة إلى أن الأسر مسؤولة عن تربية أبنائها وحمايتهم.

انتهاك خصوصية

وأوضح يوسف إبراهيم أن تصوير مقاطع الفيديو لحالات الاعتداء والتعنيف ونشره على مواقع التواصل يعد خطراً، وانتهاكاً للخصوصية وهو أمر منافٍ للدين والقيم المجتمعية والعادات والتقاليد، لافتاً إلى أن البعض يستغل هذه المقاطع لتحقيق الشهرة والظهور الإعلامي عبر تعاطف عدد كبير من الناس وإثارة الرأي العام لتحقيق مكاسب أخرى في مجال الدعاية والإعلان أيضا، لذا فاختيار الموضوعات له ارتباط مباشر بعدد المتابعين والمغردين ولأن موضوعات الأطفال فلذات الأكباد تمس عدداً كبيراً من مرتادي وسائل التواصل الاجتماعي فهي تنال القدر العالي لمن يفكر في الحصول على الكسب السريع من وراء نشر موضوعات تلامس المشاعر وتؤجج الأحاسيس، إلا أنه لا شك أن مستخدمي تلك المقاطع يرتكبون حماقة بحق أنفسهم وأطفالهم والمجتمع.

واعتبر محمود جمال وهو طالب في كلية الدار الجامعية في دبي توثيق جرائم يرتكبها الأهل بحق الأبناء ونشرها ليست سوى دليل لبعض الخفايا والأسرار التي تتكشف عبر هذه الوسائل ويجب أن يتلقوا عقوبتهم عليها.

عقوبات

أما دينا حيدري اختصاصية نفسية في مدرسة النور الدولية بالشارقة، فقد طالبت بتشديد العقوبة على كل من تثبت إدانته بتصوير سلوكه بتعنيف أبنائه، مشيرة إلى أن انتشار هذه الظاهرة بات مزعجاً ومقلقاً فهي تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الطفل الواجب حمايته ممن ينبغي عليه تقديم الدعم والرعاية له.

وقالت إن بعض الأهل يطمحون في الحصول على بعض الشهرة عند تعنيف أو ضرب الطفل ونشره على المواقع، وبغية لفت الأنظار أو الحصول على الإعجاب، فالحياة أصبحت مكشوفة بلا خصوصية وبات كل شيء فيها قابل للتصوير والنشر حتى أكثر المشاهد عنفاً، مبينة ان البعض يعمد لتحقيق غاية أبسط هي عنصر الإضحاك، فعند التحقيق مع أم نشرت مقطع فيديو وهي تضرب ابنها قالت إن هذا مجرد دعابة وليس الهدف منه ضرب الطفل وتعنيفه.

ونبهت الاختصاصية النفسية من الآثار النفسية التي يتركها هذا الفعل مؤكدة ان الطفل المعنف يعيش حالة من القلق وانعدام الشعور بالأمان، إضافة إلى أنه يصبح عرضة للإصابة بأمراض جسدية كالربو، والناحية الاجتماعية فقد ينسحب الطفل من المحيط المجتمعي وينعزل ويعزف عن المشاركة في أي أنشطة أو قد يتحول لشخصية عنيفة وعدائية.

وطالبت بإجراءات رادعة لمنع ممارسات العنف ضد الأطفال التي من حقوقهم بل وتوثيقها، وحضت المؤسسات التعليمية علي التوعية خاصة بالنسبة للفئات العمرية في الحلقة الثانية بأهمية عدم نشر ومشاركة مقاطع أو معلومات من هذا النوع وتحري الدقة والتحلي بالمسؤولية الأخلاقية في هذا الإطار.

انتهاكات

أما فيصل حمود اختصاصي اجتماعي فقد أبدى أسفه لتكرار مثل هذه الوقائع التي تمثل عنفاً ضد الأطفال وانتهاكاً لحقوقهم إذ يرى أن الإتيان بهذا السلوك يترتب عليه آثار نفسية تخل بشعور الطفل المعنف بقيمته الشخصية بين أقرانه، كما أنها تعد استغلالاً للسلطة بوصف ولي الأمر مؤتمناً على الطفل وقائماً بمسؤولية تربيته، مشيراً إلى أن الطفل الذي يتعرض للإهانة أو الضرب ويوثق الفعل يتحول إلى فرد انعزالي يرغب بالبقاء لوحده بشكل إرادي، والطبيعي عندما يخجل أي شخص من شيء يتجنب رؤية من شاهده فيتجنب في هذه الحالة رفاقه وجيرانه وأقرباءه الذين وصلهم المقطع المصور وهناك حالات تصل في صعوبتها إلى رفض الطفل الذهاب إلى المدرسة خشية ارتفاع أصوات المستهزئين به.

وقال ربما تتولد لدى الطفل حالة من الرهاب قد تجعله غير قادر على النطق بصورة سليمة ليس لمشكلة لديه في جهاز النطق بل كرد فعل لما حدث له.

وتساءل ما العبرة لولي أمر من نشره مقطع لتعنيف أو ضرب ابنه، هل هو التأديب وهل هو على قناعة بأن التربية تتم بهذه الصورة وبأن النشر سيصوب سلوك الطفل؟، مجيباً: أعتقد أن هذا مبدأ خاطئ والنتيجة كارثية تتمثل في هدم شخصية الطفل المعنف وزعزعة ثقته في ذاته، ومهما وصل في المستقبل تبقى المواقف الصعبة ماثلة في ذاكرته.

قانون

المحامي جمعة بن مليح، قال إن تصوير أولياء أمور مقاطع فيديو لأطفالهم أو لأطفال من أقاربهم أثناء تعنيفهم أو ضربهم أو الاستهزاء والسخرية منهم أو تصويرهم بطريقة مباحة ثم القيام بنشرها خطير جداً وله تداعيات نفسية واجتماعية وعليه فقد أخذ المشرع الإماراتي هذا الأمر على عاتقه، فجرم في قانون حقوق الطفل وديمة رقم 3 لسنة 2016 بالمادة 36 كل فعل يعرض الطفل للتعذيب والاعتداء أو الاعتداء على سلامته البدنية أوإتيان أي عمل ينطوي على القسوة من شأنه التأثير على توازن الطفل العاطفي أو النفسي أو العقلي أو الأخلاقي وحتى لو كان هذا الفعل صادراً من أحد الوالدين أو من أحد المتولين رعاية الطفل.

وأوضح أن المشرع جرم أيضاً استخدام الطفل في تصوير أو تسجيل أو إنتاج مواد إباحية وجرم إذاعة ذلك بأي طريقة مرئية أو عن طريق أي وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي بالحبس والغرامة التي لا تقل عن خمسين ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين طبقاً لنص المادة 69 من ذات القانون، ونجد أن المشرع شدد العقوبة على من يقوم بهذا الجرم حتى ولو كان أحد والدي الطفل أو أحد المتولين رعايته لكون ذلك الفعل يمس الحياة الخاصة للطفل ويؤثر في تكوينه وفي حالته النفسية مما يجعله فرداً غير سوي وغير نافع لنفسه ولوطنه بعد ذلك وهو الأمر الذي يعرض المجتمع للخطر لأن الشباب السوي المتعلم الناجح السليم القادر على مجابهة كل ظروف الحياة الصعبة هم سلاح الدول المتقدمة وأدواتها التي تساعدها على النجاح وهم عماد المستقبل ومن دنوهم فلا مستقبل للأمم.

قلق وإحباط

ترى يارا البنا «ربة منزل» أن نشر المقاطع التي تتضمن إساءة للأطفال يثير استياء من يشاهدها، ويسبب حالة من الإحباط والقلق لوجود انتهاكات تمارس بحق الأطفال في الخفاء، مطالبة بمحاسبة ذوي الطفل الذين يستخدمون الضرب أو التعنيف اللفظي طريقة للتربية وتجريمهم لبث ما يمارسونه، وما ينشرونه من أفكار سلبية في هذا الإطار. وقالت، لست مجبرة على متابعة فيديو لضرب طفل صغير، وآمل أن تتم مكافحة استغلال الأطفال في مواقف مشابهة أو حتى في فيديوهات الغرض منها إضحاك المتلقي.

حقوق

مروان جكة: تصوير أبنائنا في مواقف محرجة انتهاك صريح

قال المقدم مروان عبدالله جكة مدير إدارة الإعلام والعلاقات العامة ورئيس فريق حقوق الإنسان في شرطة رأس الخيمة، إنه ليس من حقنا تصوير أطفالنا في مواقف محرجة أو مسيئة أو مثيرة للجدل، كما ليس من حقنا نشر وتوزيع مثل هذه المشاهد، كونه يعد انتهاكاً صريحاً للطفولة؛ وهناك ضوابط كثيرة تفرضها الجهات ذات الاختصاص سواء المحلية أو العالمية مثل جمعيات ولجان حقوق الطفل والإنسان، ولكن ذلك يتطلب رقابة ذاتية وبالأخص لدى من يقومون بتصوير الأطفال في مواقف لا يريدون من أحد أن يتطلع إليها ويشاهدها.

وأوضح أن الجهات الأمنية والقضائية ما زالت تغطى قضايا الأحوال الشخصية والمختصة بالطفل والأسر بالسرية التامة، لمنع انتشارها بين أفراد المجتمع كونها قد تحمل تصرفات سلبية ومؤثرة وقد تعود على المجتمع بعواقب مؤسفة جراء تكررها وتداوله، وقد جاء قانون «وديمة» الذي أقرته القيادة الرشيدة أخيراً مكملاً لتلك الجهود في حفظ حقوق الطفل من كل الانتهاكات التي قد تجرى في حقه.

وأشار جكة في هذا الإطار، إلى أهمية أن يتم تقنين ما يعرض على وسائل التواصل الاجتماعي، وأن تكون هناك جهات رقابية تراقب ما ينشر عن الطفل، فأطفال اليوم هم رجال المستقبل وعلينا أن نرعاهم ونحفظهم.

مخاطر

مدير حقوق الطفل في الشارقة: محاكمة الفاعلين ضرورة لحماية الأطفال

أكد أحمد إبراهيم الطرطور مدير إدارة حماية حقوق الطفل التابع لدائرة الخدمات الاجتماعية في الشارقة أن تصوير الاعتداء على الأطفال ونشره يقع في خانة الانتهاك القانوني والإنساني لحقوق الطفل، ورغم أنها تجاوزات قليلة وليست ظاهرة في المجتمع لكنه يرى وجوب محاكمة من يقوم بهذا الفعل وتقديمه للعدالة.

وذكر أن تصوير الأطفال ونشر مقاطع عنهم في مواقف محرجة أو مضحكة أو فيها تعنيف يعتبر شكلاً من أشكال العنف الذي يمارس على الطفل، كالعنف الجسدي أو اللفظي، وانتهاكاً صارخاً لكرامة الطفل وقيمته الإنسانية وامتهاناً لحقوقه التي كفلها له الشرع والقانون، مشيراً إلى أن قانون وديمة يعاقب الأهالي الذين يقومون بفعل من شأنه الإضرار بالطفل، حيث عالج هذه الجزئية بحكمة وحزم.