قيل له: «أوجز يا سعد»، فأجاب: «لا وقت عندي للإيجاز».. هذه الواقعة الشهيرة حدثت أثناء إحدى الخطب الجماهيرية للزعيم المصري سعد زغلول، أي قبل حوالي مئة عام عندما كان التواصل بين القيادة والشعب محصوراً في المنابر والساحات العامة.

في إجابة القائد الشعبي الراحل زغلول دلالة كبرى على أهمية الإيجاز، فوضع المعاني الكثيرة في ألفاظ أقل يعني توخي الدقة لإيصال مغزى الكلام، والدقة تستوجب الجهد، والجهد يستغرق وقتاً. لكن الأهم من كل ذلك، أن اختزال فكرة محددة للجمهور يتطلب حساً عالياً بالمسؤولية لدى القائد لتوجيه رسالة واضحة تعكس المقصد الحقيقي منها، فلا يتم تأويل الكلام أو تفسيره بشكل خاطئ من قبل المتلقي، لأن كل التباس خلاف.

إذا كنا نحن المسلمين قد تربيّنا على أصول ومقاصد الإيجاز من القرآن الكريم، ففي القرن العشرين وما بعده أصبح الإيجاز سمة العصر، ولعل الهدف الرئيسي لكل الابتكارات التكنولوجية هو اختصار المسافات وتوفير الوقت والجهد في كل أعمالنا وأنشطتنا.

أما الإعلام الجديد وقنوات التواصل الإلكترونية فكان لها الدور الأكبر في ترويض اللغة واختزال المفردات أو حتى الاستغناء عنها بالمطلق لصالح الصورة و«الإيموشن»، وفي كثير من الأحيان ساهم هذا الاختزال في اجتزاء قيم ومفاهيم أساسية كالهوية والانتماء والتي لا تحتمل الالتباس أو الموقف المزدوج منها.

إن النقاش سيبقى مفتوحاً حول مخاطر وفوائد الثورة الرقمية على مستقبل الدول والشعوب، فمن يدافع عن الفضاء المفتوح يراه إثراءً للحضارة الإنسانية وفرصة للتقارب بين البشر. ويدعم موقفه هذا بالمتغيرات التي جلبتها حرية الأسواق والعولمة الاقتصادية من انفتاح بين الدول وتسهيل تبادل السلع والمنتجات وتمكين العديد من الشعوب في الحصول على الموارد الأساسية لبقائها.

أما على الطرف النقيض، فنسمع أصواتاً تحذر من خطر هذا الانفتاح على مستقبل الهويات وخصوصيتها، ويحلو للبعض تسمية هذه العولمة الثقافية بـ «فاست فود ثقافي» ليظهر المدى الذي وصل إليه استخدام التكنولوجيا من أجل الإثارة والتشويق وتحويل المنتج الثقافي إلى سلعة جاهزة للاستهلاك السريع.

وتماماً كالوجبات الجاهزة التي تحتوي على محفزات للشهية تؤدي إلى الإدمان، تخترق تلك «المعلبات» الثقافية الوعي العام وتتجاوز حاسة النقد لدى المتلقي، لتحوّله إلى ناقل «أمين» لجميع القيم والمواقف والأفكار دون اعتراض أو ممانعة ذهنية أو حتى نفسية.

من هنا يتعين علينا النظر إلى الثورة الرقمية والخطاب المختزل الذي أفرزته، من زاوية نقدية سليمة، فنحدد وظيفتها وكيفية تبنيها واستخدامها بما يتلاءم مع خصوصية مجتمعاتنا واحتياجاته. إن السهولة التي تتم بها عمليات تبادل السلع لا يمكن تعميمها على المنتج الثقافي والاجتماعي، فهذا المنتج -أي الثقافة - لا يمكنه أن يكون عالمياً إلا بمقدار ما يتبنى ويلتزم قضايا الإنسان العامة من دون تمييز.

ومهما تطورت التكنولوجيا وأدوات التواصل الرقمية فإن الثقافات يجب أن تبقى نتاج مجتمعات لها خصوصيتها في بناء ماضيها وتصور مستقبلها لتكون قادرة على التلاقي مع ثقافات أخرى على القيم الإنسانية التي تشكل المشترك الإنساني العام.

لقد جاءتنا التكنولوجيا بوسائل رائعة للتواصل مع بعضنا البعض كأمم ومجتمعات وأفراد، ودفعت بالتواصل الإنساني إلى حدود تخطي حاجز اللغة وسطوة السمعي والبصري على المنظومة الثقافية الجديدة، لكن التمييز بين المنتجات الفكرية والثقافية التي يتم تسويقها عبر تلك الوسائل، يحتاج إلى إشراك الجمهور والمسؤولين في عملية فرز جادة.

وانطلاقاً من ذلك من الضروري أولاً: تأسيس ثقافة الحوار الإيجابي بين أفراد المجتمع الواحد يصونها القانون والاحترام المتبادل والقيم الأخلاقية التي تشكل مناعة قوية أمام الإفراز العشوائي للثقافات العابرة للقارات، والذي لا يراعي خصوصيات الهوية وقابلية المجتمعات على الانسجام مع المتغيرات.

ثانياً: بناء ثقافة الشراكة بين أفراد المجتمع الواحد والقيادة على قاعدة وحدة الهدف والمصير بحيث يدرك كل طرف دوره ومسؤولياته في مسيرة بناء المستقبل فيصبح الطرفان: الشعب والقيادة على جبهة واحدة منسجمة في إنتاجها لمكونات استدامة الاستقرار الداخلي ولمتطلبات رقيها وازدهارها.

وانطلاقاً مما سبق فإن الضرورة الثالثة التي يتعين علينا كمواطنين ومسؤولين التأسيس لها، تتمثل في السعي إلى تجديد الثقافة من داخلها، أي تجديد وعينا وفهمنا لماضينا وتراثه، ولحاضرنا ومنجزاته، وتجديد معرفتنا لما يتطلبه المستقبل من أدوات تتلاءم مع تطلعات مجتمعنا وأجيالنا القادمة. إن الجسم السليم يبني مناعته من ذاته ومما يتغذى، والمجتمع السليم هو الذي يتغذى من ذاته أولاً، من إنتاج وإبداعات أبنائه.

في «القمة العالمية لرئيسات برلمانات العالم» التي ستنطلق فعالياتها في أبوظبي غداً، سنناقش مستقبل المجتمعات في ظل تنامي الإعلام الرقمي وتكنولوجيا التواصل، وأعتقد أننا اليوم معنيون جميعاً بتحصين منظومتنا الثقافية والإعلامية من خطرين: خطر الانغلاق المتطرف والانسحاب من المسؤولية في صياغة مستقبل أفضل، وخطر الانفتاح الفوضوي على كل جديد يخترق أسس هويتنا ووحدتنا كشعب ويشتت مسارنا التنموي.

ولعل الشراكة الوطنية التي يحميها أبناء المجتمع الموحد والقوانين والتشريعات التي تتجدد بوعي الضرورات المستقبلية، هي السبيل الوحيد الذي يختصر لنا الكثير من الوقت والجهد والتحديات لصياغة مستقبل أفضل.

* وزيرة الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي