تحتفل دولة الإمارات العربية المتحدة، باليوم الوطني الخامس والأربعين على قيامها وتأسيسها، وهي تزهو بما حققته من مكتسبات وإنجازات تفاخر بها أمام الأمم والدول وشعوب العالم، لتميزها وتفردها وتعددها، والتي شملت مختلف القطاعات والمجالات، ويأتي تأسيس القوات المسلحة في صدارة هذه الإنجازات، حيث حرصت الدولة على تحقيقه منذ اليوم الأول لقيامها، بهدف تأسيس قوات مسلحة قوية مؤهلة مدربة، تتحمل مسؤولية حماية منجزات ومكتسبات دولة الاتحاد، حتى وصلت الإمارات إلى مصاف الدول الكبرى والمتقدمة، محصنة بقواتها المسلحة.

وجاء توحيد القوات المسلحة، إضافة قوية إلى بنيان دولة الاتحاد، وترجمة لأحد المبادئ الراسخة التي حرص عليها القادة المؤسسون، إيماناً بدولة الوحدة والعمل على تعزيز ركائزها، كي تواصل مسيرة البناء والتطور والنهضة.

خطوة تاريخية

وتعد هذه الخطوة التاريخية، من الخطوات العملاقة التي جسدت عمق الإيمان بتجربة الوحدة والمصير المشترك، فكانت اللبنة الأساس والأهم في صرح دولة الاتحاد، والبداية الحقيقية لمرحلة جديدة من العمل الجاد والدؤوب لبناء وتطوير قوات مسلحة إماراتية فاعلة وقادرة على حماية أمن الوطن والحفاظ على مكتسباته.

وقواتنا المسلحة، وهى تحتفل باليوم الوطني الخامس والأربعين، تمضي قدماً إلى الأمام، برعاية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، وبالتوجيهات السديدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.

وتشكلت قوة دفاع الاتحاد في 27 ديسمبر 1971، بقرار من المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وعلى إثر تسليم الحكومة البريطانية لقوة ساحل الإمارات المتصالحة إلى حكومة الإمارات.

ويمكن القول إن قرار توحيد القوات المسلحة في السادس من مايو 1976، أي بعد قيام دولة الاتحاد بخمس سنوات، يعد من أعظم القرارات التي تم اتخاذها في مسيرة دولة الاتحاد، لأنه كان البداية الحقيقية لمسيرة التطوير والتحديث التي شهدتها قواتنا المسلحة على المستويات كافة، وفي كل أفرعها حتى أصبحت قوة ضاربة ومسلحة ومدربة وفق أحدث نظم التدريب والعتاد العسكري في العالم، لحماية المكتسبات وصنع السلام والمساهمة في حمايته وتحقيقه في المنطقة والعالم.

وأثبتت قواتنا المسلحة على مدى تاريخها الممتد، جدارتها واحترافيتها العالية في القيام بدورها كاملاً داخلياً وخارجياً بكل كفاءة واقتدار، وفي تحمل مسؤولياتها، واستعدادها للتضحية دفاعاً عن تراب الوطن وسيادته وإنجازاته، بسواعد أبناء الوطن وقدرتهم على مواكبة أحدث تقنيات الجيوش في عالمنا المعاصر.

وأسهمت قواتنا المسلحة في تعزيز حضور الدولة إقليمياً ودولياً، من خلال القيام بدور فاعل وبنّاء في عمليات حفظ السلام، والعمليات الإنسانية تحت مظلة الأمم المتحدة، وفي إطار مبادئ الشرعية الدولية، والحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام مبادئ حسن الجوار.

عنصر استقرار

وباتت قواتنا المسلحة اليوم، تمثل عنصر استقرار إقليمي فاعل، ودرعاً قوياً يحمي مكتسبات التنمية الوطنية، ليس في دولة الإمارات بحسب، بل في بقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أيضاً، حيث تؤمن القيادة الرشيدة، وعلى رأسها صاحب السمو رئيس الدولة، بأهمية وجود قوة حامية للمكتسبات الوطنية، وهي قوة تصون وتحمي ولا تعتدي، وتؤمن بالقيم الحضارية والإنسانية، وتضع في صدارة أولوياتها، حفظ السلام والإسهام في المهام الإغاثية الإنسانية، وتسخير خبراتها ومواردها كافة، من أجل تحقيق أهدافها على هذا الصعيد.

وجاءت مشاركة القوات الجوية الإماراتية في الحرب ضد إرهاب تنظيم داعش، وفي الدفاع عن الشرعية الدستورية في اليمن، وحماية الشعب اليمني في مواجهة اعتداءات بشعة يتعرض لها على يد الحوثيين، لتثبت ارتفاع مستويات الجاهزية العملياتية والقتالية لقواتنا وطيارينا المواطنين، بما يعزز مستويات الولاء والانتماء، ويعمق ثقتنا الهائلة في رشادة القرار الوطني.

تحقيق الأهداف

وتلعب القوات المسلحة دوراً حيوياً في تحقيق أهداف سياسة الإمارات الخارجية، وخاصة ذلك الهدف المتعلق بالمساهمة في حفظ الأمن والسلم والاستقرار على الصعيدين الإقليمي والدولي، كما تمثل طرفاً فاعلاً في مواجهة مصادر التهديد الرئيسة التي تواجه أمن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وكان لمشاركة القوات المسلحة في مهام خارجية، خليجياً وعربياً ودولياً، دور بارز في تعزيز مكانة الإمارات عالمياً، وبات ينظر إليها على أنها طرف فاعل في تعزيز السلام والاستقرار العالميين.

مراحل البناء

مرت القوات المسلحة بعدة مراحل منذ البدايات وحتى توحيدها: وتمثل المرحلة الأولى إنشاء قوة ساحل الإمارات المتصالحة، وتأسست في 11 مايو 1951 بقرار ملكي رقم 1 لسنة 1951، تحت بند 82 من قبل حكومة المملكة المتحدة، وبعد مشورة حكام الإمارات المتصالحة، وأطلق عليها الإنجليز «قوة ساحل عُمان»، والتي أصبحت تعرف بعد ذلك بـــ «كشافة الإمارات المتصالحة»، وكان تنظيم القوة يتكون من خمس سرايا مشاة، وسرية إسناد، وسرية اللاسلكي، وسرية التدريب، وسرية المشاغل، والسرية الطبية والموسيقى العسكرية ومدرسة تعليم الصغار، وتمركزت قيادة القوة في بداية تأسيسها في معسكر القاسمية بإمارة الشارقة، ثم انتقلت إلى معسكر المرقاب لاحقاً، واتخذت من منطقة المنامة التابعة لإمارة عجمان مركزاً للتدريب.

وفي المرحلة الثانية عام 1956، تغير اسم القوة إلى كشافة «TOS»، أي «كشافة ساحل الإمارات المتصالحة»، وجاءت المرحلة الثالثة في 21 ديسمبر عام 1971، وكانت بداية استلام القوة من الحكومة البريطانية، وتغيرت من مسمى «كشافة ساحل الإمارات المتصالحة»، إلى «قوة دفاع الاتحاد»، وبعد أسبوع من هذا التاريخ سلمت الحكومة البريطانية قيادة القوة إلى وزير دفاع دولة الإمارات العربية المتحدة.

وفي عام 1974، وبقرار من وزير الدفاع، تم تغيير مسمى قوة دفاع الاتحاد إلى «القوات المسلحة الاتحادية»، مع تغيير شعار وعلم القوة الجديدة، لتواكب التحديث والتطوير في الدولة، مع إبقاء نفس الواجبات والمهام والتنظيم ومرتبات القوة البشرية والتسليح والمعدات ونفس مواقع التمركز لقيادة القوة والسرايا ومركز التدريب، وأصدر المجلس الأعلى للاتحاد، قراراً بتوحيد القوات المسلحة في 6 مايو عام 1976، وذلك في منطقة أبو مريخة، وبرئاسة المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله.

وصدر القرار التاريخي لرئيس المجلس الأعلى للدفاع رقم 1 لسنة 1976، في شأن توحيد القوات المسلحة، الذي نص على توحيد القوات المسلحة البرية والبحرية والجوية، تحت قيادة مركزية واحدة، تسمى «القيادة العامة للقوات المسلحة»، وشمل القرار على إنشاء ثلاث مناطق عسكرية، هي: «المنطقة العسكرية الشمالية»، «القوة المتحركة برأس الخيمة سابقاً»، و«المنطقة العسكرية الغربية»، «قوة دفاع أبوظبي سابقاً»، «والمنطقة العسكرية الوسطى»، «قوة دفاع دبي سابقاً»، وتم إنشاء لواء اليرموك، ويضم كافة قوات جيش الاتحاد والحرس الوطني في إمارة الشارقة وحرس إمارة أم القيوين، وقيادة القوات البحرية، وقيادة القوات الجوية، ومعاهد التدريب الرئيسة «كلية زايد الثاني العسكرية، ومدرسة المشاة، ومدرسة المظليين، ومدرسة الدروع، ومدرسة المدفعية»، وتم توحيد العلم العسكري والشعار والزي العسكري، وأعلام القادة على مختلف مناصبهم.

تشكيلات عسكرية

تتكون القوات المسلحة من تشكيلات، تضم القوات البرية والقوات البحرية والقوات الجوية والدفاع الجوي، والتي تم تزويدها بأحدث الأسلحة الدفاعية في العالم وتأهيل وتدريب أفرادها من ضباط وضباط صف وجنود عليها، وفقاً لأرقى المعايير العالمية المعول بها، والمطبقة في أحدث جيوش العالم. وفي السادس من يونيو 1987، تم دمج القوات الجوية والدفاع الجوي تحت قيادة واحدة بوحداتهما المختلفة.

 

كفاءة قتالية وجاهزية عالية للتعامل مع مختلف التحديات

تدرك الإمارات أن البيئة الإقليمية والدولية المضطربة، تفرض العديد من التحديات والمخاطر، ما يتطلب معها تحديث وتطوير قواتها المسلحة، ورفع كفاءتها القتالية وجاهزيتها للتعامل مع مختلف هذه التحديات، وسارت عملية التحديث هذه في اتجاهين الأول، تزويد أفرع القوات المسلحة البرية والبحرية والجوية كافة بأحدث الأسلحة المتطورة، وحظيت القوات الجوية والدفاع الجوي، بالنصيب الأكبر من الاهتمام في عمليات التحديث والتطوير، حيث شهدت نقلات عملاقة مكنتها من الوصول إلى أعلى درجات التأهيل والتسليح عبر الحصول على أحدث تقنيات العصر، فأصبحت قوة قادرة على ردع أي تهديدات أو مخاطر تواجه الدولة، وفي الوقت نفسه للمساهمة الفاعلة في مواجهة مصادر التهديد التي تواجه دول المنطقة، كالمشاركة في عمليتي «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل» ضد الحوثيين في اليمن عام 2015، والتحالف الدولي ضد «داعش» عام 2014.

والاتجاه الثاني، يتمثل في العمل على تأهيل الكوادر العسكرية الوطنية، وصولاً بها إلى أعلى درجات الكفاءة القتالية، وتعددت الخطوات والمبادرات التي اتخذتها دولة الإمارات، بهدف رفع الكفاءة القتالية لقواتها المسلحة، فعمدت إلى إنشاء المعاهد والمدارس والكليات العسكرية التي تقوم بتدريب المنتسبين إليها، وتأهيلهم عسكرياً، وتزويدهم بجميع العلوم والخبرات التي تؤهلهم لكي يكونوا قادرين على استيعاب ما يسند إليهم من مهام مستقبلاً. كما تحرص القوات المسلحة على إجراء المناورات والتمارين والتدريبات العسكرية بشكل متواصل، بهدف رفع قدرات عناصرها القتالية والتنظيمية، وتأهيل الكوادر الوطنية، وإعدادها للتعامل مع التقنيات الحديثة والاستراتيجيات العسكرية المتقدمة.

مهمات خارجية

وشاركت القوات المسلحة في العديد من المهام الخارجية، من بينها المشاركة ضمن قوات الردع العربية في لبنان، بموجب قرار مؤتمر القمة العربي الاستثنائي الذي عقد في القاهرة، وتكونت القوة من خمس دفعات، بدأت من تاريخ 10 نوفمبر 1976 وحتى نهاية مهمة القوة عام 1979، وشكلت القوة المشاركة في هذه العملية، من سريتي مشاة وسرية مدرعات وسرية إسناد وفصيلة هندسة ميدان وفصيلة دفاع جوي وفصيلة إشارة ووحدات الإسناد الإداري ومستشفى ميداني.

تحرير الكويت

وشاركت قواتنا المسلحة بفعالية في معركة تحرير الكويت، ضمن قوات التحالف الدولي، ومع قوات مجلس التعاون الخليجي، وتكونت مشاركة الإمارات من ثلاث مراحل، الأولى مرحلة عملية درع الصحراء، المرحلة الثانية عاصفة الصحراء، والثالثة مرحلة «وداعاً أيتها الصحراء».

وبناء على التوجيهات السامية لمد يد العون لإعادة بناء ما دمرته الصراعات، ومن أجل وحدة شعب الصومال واستقراره، تم إرسال كتيبة من قواتنا المسلحة إلى الصومال، للمشاركة في «عملية إعادة الأمل»، ضمن نطاق الأمم المتحدة، بناء على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 814 بتاريخ 4 مايو 1993، تحت اسم عملية الأمم المتحدة بالصـومال، وتكونت قوة الإمارات المشاركة من أربع دفعات، بدأت من شهر يناير 1993 وحتى نهاية مهمة القوة في شهر أبريل 1994.

ونتيجة لاعتداء القوات الصربية على الشعب الكوسوفي المسلم، وتزايد أعداد النازحين لجمهورية ألبانيا، قررت قيادتنا، وبتوجيه من صاحب السمو رئيس الدولة، القائد الأعلى للقوات المسلحة، مساعدة الشعب الكوسوفي في حفظ وإعادة الأمن وحفظ السلام، بموافقة قيادة حلف شمال الأطلسي، وكانت المشاركة تتكون من مرحلتين، سبقتها مراحل تحضيرية خمس، وهي: التخطيط، التنسيق، الاستطلاع، إعداد الخطط، وتجميع الوسائل والقوات.

نزع الألغام

وإثر الانسحاب الإسرائيلي من جنوبي لبنان، أدركت الإمارات مدى جدية طبيعة المشكلة الإنسانية المتأتية، سواء من الألغام أو من الأجسام غير المنفجرة، فأعلنت عن دعمها لعملية إزالة الألغام من المناطق الجنوبية المحررة، وتم توقيع مذكرة تفاهم بين حكومة الإمارات والحكومة اللبنانية، تحت مسمى «عملية التضامن الإماراتي لنزع الألغام من جنوبي لبنان»، في 25 أكتوبر.

والتزاماً بالقرارات التي انبثقت عن اجتماع وزراء الدفاع والخارجية لدول المجلس، الذي عقد في جدة في الثامن من فبراير 2002.

إغاثة

أدت قواتنا المسلحة دوراً مفصلياً في عمليات الإغاثة الكبرى، التي نفذتها خلال زلزال 2005، الذي ضرب شمالي باكستان، وفي 2008، لعبت القوات المسلحة دوراً حيوياً في عمليات إغاثة في اليمن، جراء السيول والفيضانات. وكذلك في أفغانستان.

مرحلة

الخدمة الوطنية.. تمتين لبنيان الاتحاد

جاء قانون الخدمة الوطنية والاحتياطية، وانخراط أبناء الوطن في التجنيد الإلزامي للذكور، والاختياري للإناث، ليشكل مرحلة جديدة في حياة الوطن والقوات المسلحة، وإضافة حقيقية وقوية لبنيان الاتحاد. وتؤكد النتائج المبهرة التي تحققت حتى الآن، أننا لسنا أمام تجربة حديثة لدولة فتية، بل تجربة لدولة ناهضة صلبة تقوم، وتعتمد على سواعد أبنائها الذي يشكلون اليوم العناصر الأساسية لجيش دولة الإمارات الحديث، كأحد المواقع الرئيسة التي يلتحق بها الذين ينطبق عليهم قانون الخدمة الوطنية والاحتياطية.

وحدد قانون الخدمة الوطنية والاحتياطية الشروط الواجب توافرها في من يجند بالخدمة الوطنية، وتم مؤخراً فتح المجال للتطوع في الخدمة الوطنية للذين لا تنطبق عليهم شروط الالتحاق بالخدمة، الذين تتراوح أعمارهم بين 30 إلى 40 عاماً، حيث التحق بالخدمة التطوعية دفعتان حتى الآن.

مشاركة

حفظ السلام

لم يقتصر دور القوات المسلحة على الأعمال العسكرية والدفاعية فحسب، بل امتدت أياديها البيضاء في زرع الأمل والتفاؤل والتخفيف عن المكلومين والثكالى، والقيام بدور شهد به العالم أجمع في الجهود الإنسانية في العديد من دول العالم منذ سنوات طويلة، ولا تزال تقوم بهذا الدور في حالات تعرض أي دولة شقيقة أو صديقة لحالات طوارئ وأزمات، حيث تكون القوات المسلحة أول من يلبي نداء الواجب. وكانت لقواتنا المسلحة مشاركات عديدة فاعلة في عمليات حفظ السلام الدولية.