إن الاتصال الحكومي في هذه المرحلة بالذات، هو ضمانة الانتصار على كافة التحديات التي تطرحها المرحلة، والأداة الفعالة التي لا يمكن استبدالها بغيرها، لتحقيق الأهداف السامية التي ستجعل من غدنا أكثر قابليةً للعيش وأفضل بمقاييس الاستدامة والتنمية.
لو تأملنا قليلاً في الأهداف المطروحة على أجندة الأمم المتحدة وأجندة كل دولة على حدة، وحتى على الأجندات الأصغر للشركات والمؤسسات والعائلات والأفراد، سنجد أن تحويل هذه الأجندات إلى برامج قابلة للتحقيق مرهون بالحوار وبأدواته وفاعليته بين مختلف الأطراف المعنية.
لذا فإن بناء منظومة اتصال حديثة، تجمع تحت مظلتها كافة الفئات الاجتماعية، وتنسج علاقة منسجمة بين المجتمعات وحكوماتها من ناحية، وبين دولةٍ وأخرى من ناحية ثانية، وتبنّي رؤية مشتركة ومنهجاً متوافقاً، أصبح تحدياً أساسياً من تحديات هذا العصر الذي تشكل الخلافات والانقسامات وغياب لغة الحوار والتواصل عائقاً رئيساً أمام تنفيذ مستحقاته.
لهذه الأسباب اختارت الشارقة مهمة بناء هذه المنظومة، ووضعتها على رأس أولوياتها. وجندت في سبيل تطويرها الكثير من الجهود والإمكانيات التي تجلت بشكل رئيس في المنتدى الدولي للاتصال الحكومي وجائزة الشارقة للاتصال الحكومي.
لقد حققت إمارة الشارقة بقيادتها الحكيمة، وبمؤسساتها الإعلامية وغير الإعلامية، سبقاً تاريخياً في إدراك أهمية الاتصال، وسبقاً تاريخياً في تكريسه كمنهج وعلم يمكن البناء عليه وتطويره. والحديث هنا ليس عن الاتصال التقليدي فحسب، وإنما الاتصال كما نراه يجب أن يبدع في بناء وسائله ورسائله وثقافته وأهدافه، وفي توحيد المجتمعات وجهودها لتحقيق الأهداف التنموية ذات المصلحة المشتركة.
لم تكن مهمة الشارقة سهلة، ولم يكن للمخرجات الإيجابية التي تمثلت بالمشاركة الدولية الواسعة في المنتدى الدولي للاتصال الحكومي أو التنافسية العالية بين المشتركين في فئات جائزة الشارقة للاتصال الحكومي أن تتحقق، إلا لأنها استمدت مصداقيتها وجديتها من طبيعة العلاقة بين المؤسسات والمجتمع والقيادة في إمارة الشارقة، هذه العلاقة التي اتسمت بالتميز والرقي على امتداد تاريخ العمل المؤسساتي في الإمارة، كانت نموذجاً ملهماً لمسيرة عملنا في بناء منظومة الاتصال الحكومي.
ولأن رصد نتائج هذه المسيرة يتطلب منا ابتكار دائم للأدوات التي تعمم الإنجازات وتسلط الضوء عليها وتجعلها حافزاً لإنجازات أخرى، فقد أولينا اهتماماً خاصاً بجائزة الشارقة للاتصال الحكومي باعتبارها حاضنة للتجارب الناجحة والمبدعة في الاتصال داخل دولة الإمارات العربية المتحدة وفي دول مجلس التعاون الخليجي.
لقد طورت الجائزة خلال دوراتها الثلاث الماضية وما تحمله من مستجدات في دورتها الرابعة هيكليتها ومعاييرها وأدوات قياسها، ووسعت من مساحاتها المستهدفة لتشمل كافة مجالات العمل الحكومي في دولة الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي، ولتشمل أيضاً الإبداعات الفردية كما هو الحال في فئة البحث العلمي ومشروع التخرج الأكاديمي وفئة المتحدث الرسمي.
ووضعت جائزة الشارقة للاتصال الحكومي، على عاتقنا مسؤوليات كبيرة وواجبات تمليها استحقاقات المرحلة الراهنة وأهدافها الرئيسة التي حددتها قيادتنا الرشيدة المتمثلة في بناء مجتمعات، مستقرة تنعم بالمعرفة والسعادة، وقادرة على ابتكار أدواتها الخاصة لتطوير واقعها الاجتماعي والاقتصادي.
ومن البديهي أن يحتل الاتصال الحكومي مكانة متقدمة على قائمة عوامل بناء المجتمع بالصفات التي حددتها القيادة، السعادة والاستقرار والابتكار، ولا يمكن تخيل السعادة والاستقرار الاجتماعي بدون علاقات بنّاءة بين كافة الفئات الاجتماعية ومؤسساتها الرسمية والخاصة. فالسعادة كما التنمية، قيمة وثقافة تنتجها المؤسسة في إطار تبنيها للسياسات الملائمة لكل حالة، ولكي تتمكن هذه المؤسسات من الإبداع في سياساتها وبرامجها، فلا بد من أن تكون على اتصال قوي ومباشر مع المجتمع، تستكشف الدولة من خلاله، حاجات الجمهور ومتطلباته ورؤيته الخاصة لما يجب أن تكون عليه مجتمعات المستقبل.
السعادة ليست مفهوماً فردياً بل نتاجاً طبيعياً للتفاعل بين الجهات الرسمية والأفراد. ولهذا السبب بالذات اخترنا أن يكون مقياس كفاءة الاتصال بين المؤسسة وجمهورها على مواقع التواصل الاجتماعي، هو حجم التفاعل والتبادل البناء للآراء والتصورات.
وكذلك الاستقرار الاجتماعي، فهو أيضاً ثمرة جهد المؤسسات وذكائها في التعامل مع الأزمات سواء كانت داخلية أو خارجية، وليس المقصود بالأزمات تلك التي تصل لمرحلة الصراعات فقط، بل يشمل هذا المفهوم كافة المتغيرات والمستجدات التي تطرح أسئلة قد لا يكون بمقدور المجتمع الإجابة عليها أو تفهمّها بمفرده، وهنا تبرز الحاجة إلى وجود مؤسسات قادرة على مواكبة المستجدات وتحليلها وتبسيطها ونقلها للجمهور. ومن هنا أيضاً تأتي أهمية فئة أفضل حملة إدارة أزمة في فئات جائزة الاتصال الحكومي.
أما الابتكار فهو وليد التحفيز والدعم والمتابعة من قبل الجهات الرسمية. عندما استحدثنا فئات تركز على الإبداع الفردي في جائزة الاتصال الحكومي، كنا نسعى إلى تهيئة مناخ مناسب للابتكار، وإلى تكريم المبتكرين ليشكلوا حافزاً ونموذجاً لإمكانيات الفرد في تخطي حاجز العمل التقليدي. فالمجتمعات لا تتطور من خلال القيام بالعمل نفسه وبالطريقة ذاتها كل يوم، بل من خلال ما تضيفه من جديد في جوهر هذا العمل ونوعيته.
هذه باختصار استراتيجيتنا في بناء منظومة اتصال حكومي، وهنا تكمن أهمية جائزة الشارقة للاتصال الحكومي كأداة لتنفيذ مخرجات المنتدى الدولي للاتصال الحكومي وخلاصة ما يتم بحثه على منصته. لقد كان هدفنا منذ البداية أن نوفر محفزات التنمية والتطور، وعندما نراجع الأعداد الكبيرة من المشاركين في الجائزة من داخل الدولة وخارجها، ندرك أننا على المسار الصحيح، وأن منظومة الاتصال الحكومي تجد كل يوم متسعاً لها في ساحة الوعي الاجتماعي والرسمي.
* رئيس مركز الشارقة الإعلامي
