يعد مركز محمد بن راشد للتواصل الحضاري من أهم القنوات الملهمة للترويج للثقافة الإماراتية منذ أكثر من 20 عاماً، ولا يزال يصطف أمامه مع إشراقة كل صباح المئات من السياح والأجانب يلتقطون الصور في تأمل مهيب لروعة هذا العقار رقم 26 في شارع المصلى، بحي الفهيدي العريق والمنازل المجاورة، محملين بفضول التساؤلات وسط الطرقات الضيقة والأزقة الصغيرة، مدفوعين بدهشة تقودها التأملات المعتقة بالسحر ما يروى عن تراث الإمارات المغزول بالعراقة لتقترب الصورة ويكتمل المشهد لدولة، شعارها الأمن والسلام وثقافتها التسامح ظل حضارة عالمية واحدة تتميز بالتعدد الثقافي.
تقاليد راسخة
وقال عبد الله السركال مؤسس مركز الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للتواصل الحضاري: طوال 27 عاماً قمنا بتفتح قنوات تواصل مستنيرة تكسر الحواجز وتشجع الزوار من الأجانب والسياح، وكذلك الضيوف على اكتشاف الأسس الثقافية والمعرفية المتعلقة بتقاليدنا المحلية، وذلك بهدف تقريب المسافات ونشر ثقافتنا بأسلوب بسيط وممتع في الوقت ذاته، في ظل دولتنا التي باتت واحة تتعايش فيها عشرات بل مئات الجنسيات والثقافات وأتباع الديانات المختلفة، وأكثر من ذلك أصبح التسامح بالإضافة إلى تكريسه كقيمة عليا تحكمه منظومة من العادات والتقاليد الراسخة والقائمة على تعاليم الإسلام السمحة، أمراً قانونياً فهناك منظومة متطورة من القوانين والتشريعات التي تحمي المعتقدات وتحترم الأعراف والتقاليد وتوفر للناس حرية ممارسة شعائرهم بعدالة وشفافية.
منظومة التسامح
وأضاف: أن سياسة الإمارات المتوازنة في الداخل والخارج بوأتها مكانة لائقة بين دول العالم، ومن الصعوبة بمكان أن تتمكن أكثر 206 جنسيات تنتمي إلى ثقافات متنوعة وحضارات مختلفة وأديان متعددة أن تجتمع على أرض واحدة لولا توجه الحكومة الرشيدة إلى سياسة التعايش السلمي وخدمة الإنسان وحرية معتقده وفكره طالما أنه لا يتجاوز القيم الأخلاقية والنظم القانونية المعمولة بها في الدولة، لذلك غدت الإمارات بلد السلام العالمي الذي يقدس فيه حق الإنسان وينصف فيه ويعطى حقه غير منقوص بمعزل عن دينه أو عرقه أو ثقافته وإشاعة المعرفة ضمن منظومة التسامح.
فضاءات متناغمة
كما أكد السركال: أنه لا يمكن الحديث عن صراع بين الحضارات في الإمارات التي خاطبت العالم من خلال نموذجها الحضاري لمجتمع موحد في ظل ثقافات متعددة تتفاعل وتتجاور فيما بينها بشكل يومي منسجمة تعيش في فضاءات نوعية متناغمة، ولضمان التواصل والاستمرار علينا أن نقوم بدورنا في التعريف عن تلك المنظومة المجتمعية الرائدة التي تؤكد الهوية الإماراتية ومخرجاتها الحضارية والثقافية وسط التحولات جذرية والتوترات ثقافية التي تشهدها الشعوب الأخرى.
برامج نوعية
وأضاف: شيد المركز في بيت تراثي ذي براجيل في قلب الفهيدي، ويستقبل خلال ساعات عمله مئات الزوار من مختلف الجنسيات والديانات، والذين يتوافدون على المركز للاطلاع على البرامج الذي يقدمها بلغات عدة عدد من العاملين في المركز والمتطوعين، كما يقدم المركز خدمة الحجز للوفود السياحية، حيث إنه بعد التنسيق مع المركز يتم تجهيز الطعام والأماكن المناسبة لاستقبال الوفود، حرصاً على أن يحصل الكل على خلفية معلوماتية متكاملة، ومن أبرز البرامج التي يقدمها المركز تقديم الأطعمة الشعبية والتعريف بطريقة تحضيرها، كما يتم تدريب الزوار على طريقة تناول الطعام، إضافة إلى ذلك يتم تعريفهم بالمنزل القديم الذين كان يقطنه الإماراتي، والهندسة الفنية التي استطاع من خلالها التغلب على عوامل الطقس، وإلى جانب ذلك يحظى الزوار بتجربة الزي الإماراتي النسائي والرجالي، وإمكانية التقاط الصور بهذه الملابس بتفاصيل مناسباتها المختلفة.
رهان المستقبل
كما أشار السركال إلى أن برنامج «فوالة» يسلط الضوء على التقاليد الإماراتية بالترحيب بالضيوف مع تقديم الشاي والحلويات، كما سيستمتع الضيوف بزيارة داخل مسجد الديوان مع حوار حول الدين الإسلامي والتراث الإماراتي، إضافة إلى مناقشة حرة في فناء المركز، في أجواء بسيطة وأسلوب قائم على الحوار، يرسخ لمفهوم التسامح الذي هو اندماج عميق للكائن الإنساني في مبادئ الحرية، العدالة، المساواة، والتضامن بين كل البشر،لذلك يكون الرهان على الحس المشترك للإنسانية ووحدة مصيرها لبناء نظام اجتماعي كفيل بأن يؤسس لقواعد الحوار بين الشعوب والحضارات وتلك هي الأسس الأخلاقية التي يرتكز عليها مركز محمد بن راشد للتواصل الحضاري للربط بين الماضي والحاضر والمستقبل بحيث تتفاعل تجارب الماضي مع إيقاع الحاضر ليفتح آفاقاً للتفكير في المستقبل الواعد والنظر إلى التسامح كحاجة إنسانية لتتحول الصراعات بشكل إيجابي إلى مواقف تعاونية وتشجيع ثقافة المشاركة قصد تدعيم قيم التضامن، الإخاء، والتسامح، ومن شأن ذلك أن يجنب الأجيال المقبلة الكثير من المآسي والحروب والعنف وأن يرسي قيم السلام والتعاون داخل مختلف المجتمعات. ويبدو أنه من المهم بذل مجهودات كبيرة لمراجعة الكتب المدرسية وإعادة قراءة تاريخ وذاكرة مختلف الشعوب قراءة نقدية، متفتحة ومتيقظة.
تفاعل
أشار عبدالله السركال إلى أن هناك حتمية للاتصال والتفاعل بين مختلف الحضارات والثقافات على اعتبار أن التبادل الحضاري ظاهرة إنسانية متأصلة في التاريخ الإنساني، ومن هنا ضرورة إرساء تواصل حي ودائم ومثمر بين مختلف الخصوصيات الثقافية حتى يصبح العالم موطناً رحباً للجميع، وحتمية الاتصال لا تعني الذوبان للتوحد في حضارة عالمية واحدة.

