دعت القاضية ابتسام البدواوي، رئيسة الدائرة المدنية الكلية الثالثة في محاكم دبي، إلى وضع نموذج موحد لوثائق التأمين من المسؤولية الطبية أسوة بالدول المتقدمة، بحيث يلزم المستشفيات والعيادات والأطباء المرخصين بالتأمين على أخطائهم ومسؤولياتها في مواجهة المريض، مع مراعاة المبادئ المستقر عليها بشأن قواعد التأمين من المسئولية المدنية، واستبعاد المواد التي تعفي شركات التأمين من التزامها مطلقاً دون قيد لها.

وقالت البدواوي إن الأخطاء الطبية في دبي محدودة ولا تشكل ظاهرة والغالبية منها تحل بالتوافق، مشيدةً بالدور الذي تؤديه الجهات الصحية المختصة في دبي، لسعيها بشكل ملموس نحو تطبيق التشريعات واللوائح والقرارات التي تمثل الإطار التشريعي لمزاولة مهنة الطب في الإمارة، وبما يساعد على تحقيق الأغراض التي أُنشئت من أجله بالنسبة إلى هذا النشاط، وعلى الأخص حماية حقوق متلقي الخدمات الصحية.مسؤولية

وقالت البدواوي لـ«البيان» إن المشرع الإماراتي لم يكتفِ بتعديل القواعد العامة للمسؤولية الطبية بموجب القانون الاتحادي رقم 4 لسنة 2016 الذي ألغى القانون السابق رقم 10 لسنة 2008 في هذا الشأن، بل استقر على مبادئ جديدة، مشيدةً به لجهة أخذه بالتوجه العام نحو مساءلة الطبيب جزائياً في الخطأ الجسيم، لا سيما أن الهدف الرئيس من إقامة المتضرر لدعواه هو جبر الضرر الذي أصابه، والذي يتحقق من خلال الدعوى المدنية وحصوله على التعويض المالي المناسب، مع تحقق ردع مزاولي المهنة المخطئين عبر مساءلتهم تأديبياً وفقاً للجزاءات المحددة لذلك.

وأكدت القاضية أن القانون الجديد، بموجب المادة الثالثة، نص على أنه يجب على كل من يزاول المهنة في الدولة تأدية واجبات عمله، بما تقتضيه المهنة من الدقة والأمانة، ووفقاً للأصول العلمية والفنية المتعارف عليها، وبما يحقق العناية اللازمة للمريض، مع عدم استغلال حاجته لغرض تحقيق منفعة غير مشروعة لنفسه أو لغيره، ودون التمييز بين المرضى، والالتزام بالتشريعات النافذة في الدولة.

وبينت البدواوي أن القانون ألزم، في مادته الرابعة، الطبيب «باتباع القواعد والنظم والإجراءات الخاصة بممارسة المهنة تبعاً لدرجته ومجال تخصصه، وتسجيل الحالة الصحية للمريض والسيرة المرضية الشخصية والعائلية الخاصة به قبل الشروع في التشخيص والعلاج، واستخدام وسائل التشخيص والعلاج المتاحة واللازمة للحالة المرضية، إلى جانب استخدام الأدوات والأجهزة الطبيبة اللازمة في تشخيص ومعالجة المريض بكل يقظة وانتباه، ووفقاً للأصول العلمية المتعارف عليها».

كما شددت على أهمية تبصير المريض الذي فرضته المادة السالفة، من خلال إخطار المريض بخيارات العلاج المتاحة له، ووصف العلاج وتحديد كمياته وطريقة استعماله كتابةً بوضوح، مع بيان اسمه وتوقيعه وتاريخ الوصفة الطبية، وتنبيه المريض أو ذويه بحسب الأحوال إلى ضرورة التقيد بالأسلوب الذي حدده العلاج، عطفاً على إبلاغ المريض بطبيعة مرضه ودرجة خطورته إلا إذا اقتضت مصلحته غير ذلك أو لم تكن حالته الصحية تسمح بإبلاغه، ويتعين إبلاغ أي من ذوي المريض أو أقاربه أو مرافقيه في الحالتين الاثنتين الأولى إذا كان عديم الأهلية أو ناقصها، وإذا كانت الحالة الصحية لا تسمح بإبلاغه شخصياً ولم يحدد شخصاً لإبلاغه.

كما ألزمت المادة الرابعة الطبيب بإعلام المريض أو ذويه بالمضاعفات التي قد تنجم عن التشخيص أو العلاج الطبي أو التدخل الجراحي قبل بدء تطبيقه ورصدها، والمبادرة إلى علاجها متى أمكن ذلك، والتعاون مع غيره من الأطباء الذين لهم صلة بعلاج المريض، وتقديم ما لديه من معلومات عن حالته الصحية، والطريقة التي اتبعها في علاجه كلما طلب منه ذلك، واستشارة زميل متخصص إذا استدعت الحالة ذلك، مع ضرورة الإبلاغ عن الاشتباه في إصابة أي شخص بأحد الأمراض السارية، وفقاً للإجراءات المحددة بالتشريعات المنظمة لمكافحة الأمراض السارية.

إعفاء من المسؤولية

وتطرقت رئيسة الدائرة المدنية الكلية الثالثة إلى الحالات التي أعفى بموجبها القانون الطبيب من المسؤولية، سواء الجزائية أو المدنية منها، التي حددتها المادة (17) بالآتي: «عدم ارتباط الضرر بالأسباب المحددة بالمادة رقم (6)، ووقوع الضرر بسبب فعل المريض نفسه أو رفضه للعلاج أو عدم اتباعه للتعليمات الطبية الصادرة إليه من المسؤولين عن علاجه، أو نتيجة لسبب خارجي، واتباع الطبيب أسلوباً معيناً في العلاج مخالفاً لغيره في الاختصاص ذاته، ما دام هذا الأسلوب متفقاً مع الأصول الطبية المتعارف عليها، وأخيراً إذا حدثت الآثار والمضاعفات الطبية المتعارف عليها أو غير المتوقعة في مجال الممارسة الطبية وغير الناجمة عن الخطأ الطبي».

المساءلة المدنية

أما من ناحية المساءلة المدنية، فتضيف البدواوي: «لم يفرق القانون بين المخالفة اليسيرة والجسيمة، وبالتالي يحق للمتضرر اللجوء إلى قاضيه الطبيعي بشأنها، بيد أنه قيده في رفعها باللجوء المسبق والعرض على لجان المسئولية الطبية وفقاً لأحكام المادة 18 منه، ولا تقبل دعاوى التعويض التي ترفع بسبب المسؤولية الطبية إلا بعد اللجوء والعرض على لجان المسؤولية الطبية وفقاً لأحكام هذا المرسوم بقانون»، ما مؤداه أنه لا يشترط من المتضرر انتظار انتهاء اللجنة من أعمالها أو صدور التقرير لرفع دعواه، بل يكفي تقديم ما يفيد لجوءه والعرض على اللجنة فقط للمحكمة عند قيده الدعوى».

واستطردت قائلة إن القانون الجديد أباح الصلحَ بين المجني عليه، أو وكيله الخاص وورثته أو وكيلهم الخاص وبين مرتكب الخطأ الطبي في أي مرحلة من مراحل التقاضي، ولو بعد صيرورة الحكم باتاً، بموجب المادة 35 التي تنص على أنه «للمجني عليه أو وكيله الخاص ولورثته أو وكيلهم الخاص طلب إثبات الصلح مع المتهم أمام الجهة الصحية المختصة في الجرائم المعاقب عليها بالمادة (34) من هذا المرسوم بقانون، التي تحيل الصلح إلى النيابة العامة، كما يجوز طلب إثبات الصلح أمام النيابة العامة، وفي جميع الأحوال تُحفظ الشكوى بناءً على ذلك الصلح».

لجان المسؤولية الطبية

جاءت المادة 18 من القانون لتحدد كيفية إنشاء اللجان وعملها، فنصت على أنه «تنشأ بقرار من وزير الصحة أو رئيس الجهة الصحية حسب الأحوال لجنةُ خبرة من الأطباء المتخصصين في كل التخصصات الطبية، تسمى لجنة المسؤولية الطبية»، وتحدد اللائحة التنفيذية كيفية تشكيلها وقواعد وإجراءات عملها.

في شأن متصل، قالت رئيسة الدائرة المدنية الكلية الثالثة إن المشرع الإماراتي أكد اعتبار التأمين من المسؤولية الطبية إجبارياً بالنسبة إلى جميع المنشآت الطبية ومزاولي المهنة لديهم، وفرض ضوابط محددة لتنفيذ هذا الإلزام مع حظر مزاولة المهنة دون إبرام تلك العقود، بموجب نص المادة 26 التي جاء فيها «يلتزم صاحب المنشأة بالتأمين على مزاولي المهنة العاملين لديه ضد الأخطاء الطبية، كما يلتزم بالتأمين عليهم ضد المخاطر الناجمة عن ممارسة المهنة أو بسببها، ويتحمل صاحب المنشأة كامل أقساط التأمين في كلتا الحالتين».

شكاوى التظلمات

حدد القانون طرقاً للنظر في شكاوى المتضررين من الأخطاء الطبية، وذلك من خلال اللجوء بداية إلى لجنة المسؤولية الطبية التي أنشئت بموجب هذا القانون على النحو السالف بيانه، لتقدير مدى وقوع الضرر من عدمه ومدى جسامته، ونسبة العجز، وفي حال التظلم من القرار الصادر من اللجنة، يقدم إلى اللجنة العليا للمسؤولية الطبية في غضون 30 يوماً من تاريخ إخطارهم قانوناً بما انتهت إليه اللجنة، وهو خلاف ما كان معمولاً به بالقانون السابق، لجهة نظر اللجنة العليا للمسؤولية الطبية جميع الشكاوى مباشرة.

 

ضمانات

على الرغم من أن جراح التجميل كغيره من الأطباء، لا يضمن نجاح العملية التي يجريها، إلا أن العناية المطلوبة منه أكثر منها في أحوال الجراحة الأخرى، اعتباراً منه بأن جراحة التجميل لا يقصد منها شفاء المريض من علة في جسمه، وإنما إصلاح تشويه لا يعرض حياته لأي خطر، ونظراً إلى انتشار جراحات التجميل، فإنه يتعين على الطبيب القائم بممارستها أن يكون على جانب كبير من الدقة، فضلاً عن إلمامه بالأبحاث والدراسات الخاصة.

ومن واجب الطبيب تبصير المريض وإمداده بكل البيانات المتعلقة بالعملية بعبارات يسهل إدراكها، ويذهب رأي في الفقه إلى أن التزام الطبيب في مجال جراحة التجميل هو التزام بتحقيق نتيجة، إلا أن أحكام المحاكم والرأي الغالب ذهب إلى أن من يسعى إلى التجميل يسعى إلى تحقيق نتيجة، ومن ثم فإن هناك قدراً من النتيجة الواجبة التحقيق.

 

غرامات

يكون الخطأ الطبي محلاً للتعويض أو الجزاء بصفة عامة إذا ترتب عليه ضرر ولم يقم الطبيب بتبصيره على نحو كاف، وقد يُقضى عليه بتعويض ما أصابه من ضرر نتيجة الإخلال بهذا الالتزام. ويقع عبء الإثبات في تلك الحالة على المريض الذي يدعي أنه لم يُبصّر على نحو كاف من قبل الطبيب، وتتراوح العقوبات في قانون المسؤولية الطبية ما بين الحبس لمدة تصل إلى عشر سنوات والغرامة حتى مبلغ 500 ألف درهم، إضافة إلى العقوبات التأديبية التي يجوز توقيعها على الطبيب، والتي تتمثل في: توجيه النظر، الإنذار، الإيقاف عن العمل لمدة لا تجاوز سنة واحدة، سحب التراخيص وشطب الاسم من سجل الأطباء.

ويمكن للمتضرر من الخطأ الناجم عن عمل الطبيب أن يلجأ إلى القضاء مباشرة وتحريك الدعوى المدنية، وإن لم يكن قد تحصل على حكم جزائي لطلب التعويض استناداً إلى التقارير الطبية والفنية المعتمدة.