بحثتْ عن شقة مطلّة على موقع متميز في أحد أحياء مدينة الشارقة، وكما سمعتْ من أحد القاطنين في المبنى ذاته أن إيجارها معقول، لم تتردد، وبمنتهى الحماس والثقة، اتصلتْ برقم المكتب العقاري الذي طلب منها تحديد موعد لمعاينتها، وإن رغبت فتضاف رسوم تصل إلى 1500 درهم، وفى منطقة أخرى لجأتْ لحارس المبنى (الناطور) للاستفسار عن إعلان الشقة الشاغرة، لتكون الإجابة، اعتذر يا سيدتي فقد تم استئجارها، ولكن هناك شقة أخرى بالمواصفات نفسها، وسعر أعلى قليلاً سوف تكون شاغرة بعد يومين، يمكنني أن أحجزها باسمك وفقاً لدفعة مالية مقدارها 200درهم غير قابلة للاسترجاع!
تلك مشاهد عاينتها إحدى الباحثات عن شقة للإيجار لتجد نفسها بين فكَّي سطوة النواطير وجشع السماسرة، وتلاعب أصحاب مكاتب الإيجار، أما المالك فخارج اللعبة.
نفقات مفتعلة
وفى السياق يقول حسام يسري إن العمولات الخارجية التي تحيط بإيجار الشقق السكنية تحتاج إلى ضوابط ومعايير كي لا تتحول إلى لعبة يتحكم فيها السماسرة والنواطير بالتواطؤ مع الشركات التي تدير العقار، والتي قد لا ترجع في مساوماتها المتأرجحة بين زيادة متوسطة ومرتفعة، إلى صاحب العقار الذي يهمه في نهاية الأمر العائد الإجمالي والمتفق عليه سنوياً مع المكتب الذي يتحكم بصورة مباشرة في عرض الشقق السكنية، والتي تتفاوت أيضاً في أسعارها وفي البناية ذاتها، إلى جانب عمولة السمسار وعمولة الناطور وغيرها من النفقات الجانبية المفتعلة التي قد يتم اكتشافها ربما مع تحديد العقد السنوي، فهناك، يقول يسري، تحايل من بعض هذه المكاتب على قانون العقارات في مناطق الدولة، فمثلاً البنايات الكائنة في إمارة ما لابد أن تديرها مكاتب عقارية في الإمارة نفسها، إلا أن بعض المكاتب الموجودة في مناطق أخرى من الدولة تلجأ إلى إداراتها عن طريق الحيلة، إذ قد يؤجر القائم على المكتب من هؤلاء شقة صورية أرقام هواتف محولة على هواتف مكتبه الأصلي في الإمارة التي يعمل فيها، ويلزم المكتب كل مستأجر بدفع العمولة المبالغ فيها والمتفاوتة ما بين مستأجر إلى آخر.
ضريبة
ويعتقد محمد بركات أن ناطور البناية يعلم تماماً أن جميع طلباته سوف تكون مجابة دون اعتراض، بعد أن باتت «الإكرامية» من المسلَّمات من أجل أن يحفظ لك حقك في الحصول على الشقة المطلوبة، أو البحث عن أخرى تحمل نفس المواصفات وربما بسعر أقل، ولكن عليك أيضاً أن تمنحه المزيد من المال حتى تكتمل الصفقة على أكمل وجه، فإدارة العقار على الأرض من حقه تفويض مكتسب ولا رجعة فيه، ويصل الأمر إلى التواطؤ مع باقي نواطير المنطقة الذين قد ينكرون وجود شقق خالية في البنايات التابعة لهم.
بورصة
ويوضح سعد الصالح أن الاحتيال بات مستباحاً من قبل السماسرة الذين يقومون بنشر إعلانات مبوبة عبر الصحف والمواقع عن شقق للإيجار بمواصفات معينة، وعند التواصل مع صاحب الرقم على الإعلان تفاجأ أنه ليس السمسار المباشر لهذا العقار ولكن هناك سلسلة متلاحقة من السماسرة اعتادوا على استدراج المهتمين ومن ثم تحويلهم الى أصحاب العلاقة بعد أن يضمن كلٌّ منهم نسبته من السمسار المباشر، وبالتالي قد تصل نسبة العمولة إلى أكثر من 1500 درهم بالإضافة إلى 500 درهم في حال رغبت في الحصول على سمسار يرافقك للبحث عن شقة يديرها المكتب في الأساس، هو أمر يثير الدهشة والاشمئزاز لكمية المصروفات الملقاة على عاتق المستأجر قبل توقيع عقد الإيجار الذي قد يتفاوت في سعره أيضاً وفقاً لعمولة المكتب المباشر، في ظل فقدان التواصل مع المالك المباشر، وتحكم السماسرة وصمت المستأجرين.
مهمة مستحيلة
وترى لينا قاسم أن الحصول على شقة بإيجار معتدل دون واسطة السماسرة أو عربون النواطير مهمة مستحيلة، لا يستطيع إنجازها على الوجه الأكمل، إلا من قبل العارفين بخبايا تلك المهنة وألاعيب بعض مكاتب إدارة العقار، وكذا المحيطين بتحرك شبكة الأسعار وخارطة التسويق، إذ يحصل أن يتضاعف الإيجار أو يتطور بثلاثة أضعافه مقارنة مع سعر الإيجار في منطقة واحدة، بمجرد الانتقال من منطقة إلى أخرى داخل مدينة الشارقة، تناقض الأسعار يبلغ مبلغ الغرائبية والعجب، فتكفي مقارنة أسعار بعض الشقق المطروحة للإيجار على بعض المواقع الإلكترونية، مع سعر الإيجار المطلوب في بعض المناطق للوقوف على حدة الظاهرة ومعاينة معاناة المستهلك مع جشع السماسرة ومكاتب إدارة العقار.
حق مشروع
وتعتقد ماريا عطاالله أن انخفاض الإيجارات مرهون بالقضاء على السماسرة، مؤكدة أنهم يتلاعبون بالمستأجرين وبعض الملاك، وبالتي يصبح المستأجرون هم الضحية الأكبر لصراع بعض مكاتب العقارات والسماسرة، حيث يضطر الباحث عن شقة للإيجار في النهاية إلى القبول بالقيمة الإيجارية المقدرة والمضاف إليها العمولات لحاجته الضرورية للسكن، وللأسف فإن بعض المكاتب لا تلتزم بنسبة أتعابها بل تتقاضى أكثر من 5 آلاف درهم وبعض السماسرة يحصلون على أكثر من ذلك، بدعوى أن «الزبون» موجود وقادر على أن يدفع طالما أنه محتاج بشدة أو أن مخصص السكن لديه أكبر من قيمة إيجار الشقة، وطالما كان الباحثون عن شقق «كثر جداً» والشقق المناسبة نادرة، فإن أسعار السمسرة حق مشروع.
سطوة
يؤكد عمرو إبراهيم أن «الناطور» يمتلك صلاحيات لا حصر لها وخارج صميم عمله في حراسة ونظافة العقار، وهي مشكلة حقيقية تطال موضوع استئجار شقة سكنية بسعر معقول يحصل عليها «الناطور» بمسمى «إكرامية»، والتي تطورت إلى مبلغ محدد بتسعيرة موحدة تشمل كل المباني في المنطقة الواحدة، ولا يملك المستأجر إلا السمع والطاعة خوفاً على سلامة العلاقة خاصة ان «الناطور» هو حلقة الوصل بين المستأجر والمالك أو المكتب الذي يدير العقار.
تلاعب
يظل الوسطاء والنواطير في قفص الاتهام مسؤولين عن ارتفاع قيمة الإيجار، الذي تركز الطلب في منطقة ما، إلى مستويات قياسية، كما أن أغلب المستأجرين يعزون سبب تلك الظاهرة الملاك أنفسهم الذين يريدون جمع أكبر قدر من المال من وراء تأجير عقاراتهم فيقومون بإعطاء وعود لسمسار واثنين وثلاثة، إلى جانب بسط ذراع مكتب الواسطة العقارية الذي يدير العقار، لتحكم بسعر الشقق دون الرجوع إليه طالما انه يحصل على المبلغ المتفق عليه سنوياً دون زيادة أو نقصان.







