أكدت معالي الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي، وزيرة دولة للتسامح، أن الإمارات قيادة وحكومة وشعباً، تنطلق من ثوابت راسخة مبنية على أسس الاحترام المتبادل والتعاون مع الآخرين وتعزيز قنوات التفاهم والحوار والتواصل، والتأكيد دوماً على قبول الآخر فكرياً وثقافياً ودينياً وطائفياً، وذلك أن الدولة تؤمن ببناء الإنسان والإنسانية، وتحرص على انسجام وتناغم النسيج المجتمعي.
جاء ذلك خلال فعاليات جلسات الحوار بين حكماء الشرق والغرب بين مجلس حكماء المسلمين والطائفة الأسقفية الإنجليكانية، بعنوان «نحو عالم متفاهم متكامل»، بحضور معالي الدكتورة أمل القبيسي رئيس المجلس الوطني الاتحادي وبرئاسة شيخ الأزهر رئيس مجلس حكماء المسلمين، الدكتور أحمد الطيب، ومشاركة القس جيستن ويلبي، رئيس أساقفة كانتربري، رئيس الطائفة الأسقفية الإنجليكانية، وعدد من الشخصيات الدينية والثقافية والسياسية من مختلف دول العالم.
وتحدثت معاليها في الجلسة الثانية التي أدارها الإعلامي سامح فوزي نائب رئيس قطاع المشروعات الخاصة بمكتبة الإسكندرية في مصر، وحملت عنوان «مبادرات وتجارب في العيش المشترك والتسامح» عن استراتيجية التسامح في دولة الإمارات قائلة: «عندما نتحدث عن استراتيجية التسامح في دولة الإمارات فإننا نشير إلى البرنامج الوطني للتسامح، والذي يعتمد على سبعة أسس رئيسية، أولها الدين الإسلامي الحنيف، إذ إن الإسلام يؤكد ويحث على التسامح والتعايش والوئام واحترام الآخر، وينبذ العنف والكراهية والتطرف والعنصرية والتمييز وثانيهما، دستور الإمارات الذي نص على أن تكون علاقات الدولة مع مختلف الدول، قائمة على أساس الاحترام المتبادل والجميع سواسية أمام القانون، وحرية القيام بشعائر الدين مصونة بالقانون، وثالثهما، إرث زايد والأخلاق الدولية، حيث إن دولة الإمارات ملتزمة بالعديد من الاتفاقيات الدولية المعنية بالتسامح والتعايش وحقوق الإنسان ونبذ العنف والتطرف والكراهية، وخامسهما الآثار والتاريخ، حيث تزخر الإمارات بالكثير من الآثار التي تحكي المكان، وذاكرة أبناء الإمارات مليئة بالقصص التي تعكس واقع التسامح والوئام كقيم إنسانية خالدة، وسادسهما الفطرة الإنسانية، إذ إن هذه الفطرة السليمة مجبولة على التسامح والتعارف والتعايش واحترام الآخرين وقبولهم دون تعصب ولا كراهية ولا إقصاء، وسابعهما القيم المشتركة بمعنى أننا نتشارك كأسرة دولية في الكثير من القيم والمبادئ والمصالح التي تضمن للجميع التفاهم والتعاون والاحترام والتسامح والتعايش والانسجام.
محاور
وأوضحت معالي وزيرة دولة للتسامح، أن البرنامج الوطني للتسامح يتضمن خمسة محاور، أولها: تعزيز دور الحكومة كحاضنة للتسامح، ومن أهم مبادراته، المعهد الدولي للتسامح الذي تم الإعلان عنه أخيراً، وسيعمل على تقديم المشورة والخبرات اللازمة في مجال السياسات التي ترسخ قيم التسامح بين الشعوب، إضافة إلى»صوت للتسامح«، أي تفعيل أدوار مختلف أفراد المجتمع ليساهموا إيجاباً في نشر قيم التسامح محلياً وإقليمياً ودولياً، علاوة على»برنامج المسؤولية المتسامحة للمؤسسات«، إذ سيعمل كمقياس يقيس مدى تعزيز قيم التسامح والتعايش ودعمها داخل بيئة العمل في أوساط المجتمع، إلى جانب»ميثاق التسامح الإماراتي«الذي يقصد به وضع إطار عام لمختلف الجهات الحكومية ولأفراد المجتمع، بهدف ترسيخ قيم التسامح مثل مواثيق المعلم والطالب والمواطن والمقيم والموظف.
ولفتت معاليها إلى أن المحور الثاني هو ترسيخ دور الأسرة المترابطة في بناء المجتمع، وفيه سيتم إطلاق العديد من المبادرات المشتركة مع وزارة الداخلية، ووزارة تنمية المجتمع، ووزارة الثقافة وتنمية المعرفة، ووزارة التربية والتعليم، والهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، مشيرة معاليها إلى أن المحور الثالث يتجلى في تعزيز التسامح لدى الشباب ووقايتهم من التعصب والتطرف، ومن أهم مبادراته عقد»قمة رواد التسامح«، وهي عبارة عن قمة مخصصة لجميع الرواد في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، الذين يسهمون إيجاباً في نشر قيم التسامح في المجتمع، إضافة إلى»رابطة لمتطوعي التسامح«، سيتم تأسيسها مع مؤسسة الإمارات للشباب لتعزيز التواصل بين مختلف الجاليات والثقافات في الدولة، إلى جانب إضافة مبادئ التسامح للأندية الرياضية والطلابية في الجامعات والكليات والمعاهد والمدارس، علاوة على اختيار شخصية كرتونية مؤثرة لإبراز قيم التسامح والتعايش ونبذ التعصب والتطرف،
سلام
وأشارت معالي الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي إلى أن محاور»البرنامج الوطني للتسامح«، تتضمن»إثراء المحتوى العلمي والثقافي للتسامح«، والتي من أهم مبادراته الدليل الإرشادي الإماراتي للتسامح الذي سيحتوي على أهم المصطلحات والقوانين المحلية والدولية المرتبطة بموضوع التسامح والسلام ونبذ التطرف والكراهية، و»تأسيس موقع إلكتروني«للمراجع الموثوقة ذات العلاقة بالتسامح، و»إعداد البرامج الإذاعية والتلفزيونية«التي تنشر ثقافة التسامح، والاحترام، والحوار، والتفاهم، منوهة إلى أن المحاور تتضمن المساهمة في الجهود الدولية لتعزيز التسامح وإبراز دور الدولة كبلد متسامح، والتي من أهم مبادراتها»جائزة محمد بن راشد للتسامح«التي تهدف إلى بناء قيادات وكوادر عربية شابة في مجال التسامح، وتدعم الإنتاجات الفكرية والثقافية والإعلامية المرتبطة بترسيخ قيم التسامح والانفتاح على الآخر، و»المؤتمر الدولي للتسامح«الذي يهدف إلى استضافة الخبراء والمفكرين لتعزيز قيم التسامح في المجتمع الدولي ووضع الحلول لتحديات كل مرحلة، و»عقد لقاءات سنوية«مع سفراء الدول الصديقة والشقيقة لدى دولة الإمارات، و»عقد ملتقيات سنوية«مع سفراء الدولة في الخارج، و»المشاركة المستمرة في الأنشطة والفعاليات والاجتماعات الدولية" ذات العلاقة بموضوعات حوار الحضارات والأديان والتسامح والتعايش، ونبذ العنف والتطرف والعصبية.
شيخ الأزهر: الإمارات نموذج يُقتدى في الانفتاح المتوازن
أعرب فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، رئيس مجلس حكماء المسلمين عن اعتزازه الشديد بانعقاد جلسات الحوار بين مجلس حكماء المسلمين والطائفة الأسقفية الإنجليكانية، الذي يعد الأول من نوعه في الشرق العربي، معتبراً أن دولة الإمارات، نموذج يقتدى به في الانفتاح المتوازن والتطور المحسوب بدقة، والجمع بين القديم والجديد، والأصالة والمعاصرة، والتراث والحداثة، في انسجام دقيق، وتناغم يقل نظيره في نماذج الدول التي تحاول أن تأخذ طريقها نحو الرقي والنهوض، وذلك بفضل قيادتها الرشيدة، وحكمة القائمين على أمورها.
وقال : «ما أظن أن تاريخنا العربي المعاصر سبق أن سجل لقاء بين حكماء المسلمين وحكماء المسيحيين من أتباع الكنيسة الإنجيلية، وفي ظل اجتماع محدد الأهداف والغايات، كهذا الاجتماع الذي نعول عليه كثيراً، في اتخاذ خطوة جديدة على طريق بناء عالم متكامل ومتفاهم، للعمل من أجل تخفيف ما يعانيه الناس اليوم، من رعب وألم ودماء وحروب».
وشدد شيخ الأزهر على أن أكثر المآسي التي باتت تعاني منها البشرية في الوقت الراهن، ترجع إلى ما وصفه بـ«شيوع الفكر المادي، وفلسفات الإلحاد، والسياسات الجائرة التي أدارت ظهرها للأديان الإلهية، وسخرت منها ومن تعاليمها».
وأفاد بأن هذه الفلسفات والسياسات أخفقت إخفاقاً كبيراً في توفير بدائل أخرى غير الدين، تحقق للإنسان قدراً من السعادة، أو أملاً في حياة ذات مغزى وهدف، أو تضمن له حقوقاً كالتي تضمنها له الأديان الإلهية، وفي مقدمتها حق العدل والمساواة، وحق الحرية وحق الاختلاف، مؤكداً أن البشرية باتت تتطلع بشغف شديد إلى العودة لجوهر الأديان الإلهية وتعاليمها الإنسانية والخلقية، بعد أن استبدت التجارب الأخرى بمصائر الشعوب وحقوقها ومقدراتها، ورهنتها بسياسة القوة والغطرسة وفلسفة التوسع، وشهوة التسلط، وجموح الفردية والأنانية، بحسب قوله.
وأشار الطيب إلى أن التقدم العلمي المذهل لم يواكبه تقدم مــواز في الأخـلاق، والتطــور التقنــــي، وبخاصة في مجال صناعة الأسلحة الفتاكة، جاء خالي الوفاض من كل القيم التي تضبط خطواته في الاتجاه الإنساني الصحيح.
تقدم وتطور
وقال: «لوحظ أن الحروب يزداد سعيرها وتشتد وطأتها كلما ترقى العلم في سلم التطور، حتى صار التقدم العلمي واندلاع الحروب كأنهما حلقتان مترابطتان، يدعم كل منهما الآخر ويقويه، وقل مثل ذلك في ما يتعلق بالتقدم والتطور الذي حدث في ميادين الفلسفة والأدب والاجتماع والفنون، فقد تطورت هي الأخرى بعيداً عن فلسفة الدين، وفي غيبة من قواعد الأخلاق».
حلم
أكد شيخ الأزهر أن الدور الخطر الملقى على عاتق علماء الدين ورجاله، لتدارك الأزمات التي تخنق العالم، يكمن في «حلم الأخوة العالمية»، الذي يجب أن يبدأ من الأخوة بين رجال الدين أولاً، وهذا ما حرص الأزهر أن يتحرك في إطاره، حين بدأ أولى الخطوات العملية على هذا الطريق الطويل بزيارة رسمية لكنيسة كانتربري، وكنيسة الفاتيكان ومجلس الكنائس العالمي بجنيف، متوقعاً أن تسهم هذه الزيارات كثيراً في تخفيف آلام الفقراء والبائسين والمحترقين بنيران الحروب العبثية، والسياسات المنحرفة عن جادة الدين والخلق والضمير.
العدالة والسلم
بدأت جلسات الحوار التي تنتهي فعالياتها اليوم بكلمة لرئيس الطائفة الإنجليكيانية، أكد فيها أن اختيار الإمارات لإقامة هذا الحوار، يتناسب كثيراً مع ما اتخذته قيادة هذا البلد من خطوات جادة فى شأن حماية الأقليات وإتاحة الحريات الدينية، لافتاً إلى أن الأزمات التي يعيشها العالم حالياً، تؤثر في مختلف الطوائف، وتمتد من الأديان إلى القوانين تخص العالم. وقال : «لدينا جميعاً اهتمام بمجتمعات مزدهرة، حيث السلوك يكون صحيحاً بجانب إفشاء العدالة والسلم والعمل الجيد.

