على هامش اجتماعات المكتب الدائم للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب الذي يعقد في فندق البستان روتانا بدبي 4 - 7 سبتمبر الجاري، ينظم الاتحاد بالتعاون مع مؤسسة العويس الثقافية ندوة بعنوان «نحو استراتيجية ثقافية عربية» تتضمن ثلاث جلسات بحثية بجانب تنظيم ثلاث أمسيات شعرية على مدى فترة الاجتماعات.
وقد احتضنت مؤسسة العويس أول من أمس أولى جلسات الندوة شارك فيها كل من: الدكتور يوسف الحسن من الإمارات، الدكتورة نهلة الجمزاوي من الأردن، الدكتور عبد القادر أحمد سعد من السودان، أحمد شراك من المغرب، ومجدي بن عيسى من تونس، وأدارتها الكاتبة سلوى بكر من مصر.
استهل الجلسة الدكتور عبد القادر أحمد سعد بالحديث عن الاجتهادات الفردية ودور المؤسسات والأجهزة القومية في المجال الثقافي. وقال: إن العمل الثقافي العربي في رأي الكثيرين تسكنه إشكالية واضحة المعالم تتمثل في عدم وجود استراتيجية تقود وتوجه هذا العمل؛ فالدراس والمحلل يكتشف أن مجالات العمل الثقافي العربي لاتزال رهينة العشوائية والتخبط مع انعدام المشروعات طويلة المدى، بل هي تعتمد على المبادرات الفردية وربما الأهلية، فإذا أخذنا السودان مثالاً على ذلك فإن المتأمل في المشهد الثقافي السوداني الراهن يجد أن العديد من المؤسسات الخاصة بدأت في رعاية الثقافة ومنها مركز راشد دياب والمركز السوداني للبحوث والدراسات والتوثيق، إلى جانب العديد من الجمعيات والمراكز.
ومن وجهة نظر الدكتور عبد القادر سعد فإنه لن يكون ذلك بديلاً عن الأجهزة والمؤسسات القومية في وضع خطط ومشروعات للتنمية الثقافية، والاهتمام بقضية الاستثمار الثقافي، وذلك في عدة مجالات منها صناعة الكتاب، وتمويل وتشجيع التشكيليين والحرفيين وغيرهم من المبدعين لإنشاء الورش وأماكن العرض من أجل تسويق السلع الثقافية كالدواوين الشعرية والمجلات الأدبية والفكرية، إلى غير ذلك مما يندرج تحت شعار مشروع الإحياء الثقافي وتنشيط الذاكرة الثقافية، وأكد الباحث السوداني أننا في أمسّ الحاجة إلى ثقافة نادرة تعمل على تنمية المجتمع وتتفاعل مع أحداثه التاريخية وواقعه اليومي، ولن يكون ذلك إلا إذا ما تم بناؤه على استراتيجية واقعية نابعة من اللغة والتاريخ، وأن يتم ذلك في إطار خطط توجه جهود الناشطين، (أفراداً أو مؤسسات) إضافة إلى رعاية الدولة الرسمية المسؤولة عن الثقافة.
ديمقراطية الثقافة
أما الدكتور يوسف الحسن فقد أكد في كلمته أنه مع ولادة جامعة الدول العربية في مارس 1945 تم إنشاء «إدارة الثقافة» ووقع القادة العرب بالجامعة في ذلك الوقت الاتفاق الثقافي العربي، وعلى مدى سبعة عقود وإلى يومنا هذا لانزال نتحدث ونكتب ونؤلف في الاستراتيجية الثقافية العربية الشاملة، ولن يكون الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب آخر من سيطرحها في اجتماعاته وسنستمر ربما لعقود قادمة، ومن يقول إننا نحتاج إلى استراتيجية أقول له: إن لدينا الاستراتيجية، ولكننا لا نملك الإرادة السياسية لتطبيق هذه الاستراتيجية.
وتابع: بعد عشرين عاماً أبرمت الدول العربية ما يسمى بميثاق الوحدة الثقافية العربية، وفي عام 1970 ولدت منظمة اليونسكو العربية، المنظمة العربية للتربية وللثقافة والعلوم، وفي عام 1976 قرر وزراء الثقافة العرب في اجتماعهم في عمان، ومؤتمرهم التالي في عام 1979 تشكيل لجنة لوضع استراتيجية ثقافية عربية، وتشكلت اللجنة برئاسة الوزير الكويتي عبد العزيز حسين وضمت نخبة مميزة في مجال الفكر والثقافة من مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية من بينهم: الطيب صالح، كمال أبو المجد، شاكر مصطفى، محمد جابر الأنصاري، وغيرهم، وعقدت اللجنة عشرات من ورش العمل واستمرت في اجتماعاتها نحو ست سنوات، وحضر وشارك في ندواتها ما يقارب من 600 مفكر وكاتب وخبير عربي، وبعد ست سنوات من الاجتماعات وصلت إلى مجلد كامل في هذا المجال.
وفي عام 1985 أقر وزراء الثقافة في مؤتمرهم في تونس هذه الخطة الاستراتيجية للثقافة العربية وفق الظروف العربية الموجودة والفكر السائد في ذلك الوقت، وأشار الحسن إلى أن المبادئ الأساسية التي شملتها هذه الخطة هي: إن الثقافة من إبداع الشعب الذي ترتبط به وتعود إليه، وبالتالي فالتنمية الثقافية هي أحد أهم المبادئ التي تقوم عليها هذه الاستراتيجية، وحق الإنسان في اكتساب الثقافة وفي حرية التعبير، فالثقافة هي بعد أساسي من أبعاد التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كما تحدثت هذه المبادئ عن ديمقراطية الثقافة، وقومية الثقافة، وميادين العمل في الاستراتيجية والتي شملت ثلاثة محاور هي: ترسيخ الهوية الحضارية، ومواكبة ثقافة العصر، والحوار المتكافئ مع الثقافات الأخرى.
تجربة الإمارات
الكاتب أحمد شراك من المغرب أكد أن هناك استراتيجية ثقافية عربية، ومثال على ذلك تجربة دولة الإمارات في الاهتمام بالثقافة وإعطائها قيمة أساسية، وتجاوز عن الثروة المادية إلى بناء عقل الإنسان، وبناء الإنسان العربي، عن طريق الفعل الثقافي، وذلك عبر أنشطة متعددة مرتبطة بالثقافة والعلم والمعرفة، وتحفيز الكتابة العربية بمختلف أشكالها وأنواعها، كما تحدث شراك عن التجربة الثقافية في دولة المغرب، والثورات العربية التي لها دور في تحديد الاستراتيجية الثقافية العربية المقبلة.
القاموس السياسي
عن دور اليسار في الاستراتيجية الثقافية العربية قالت الدكتورة نهلة الجمزاوي من الأردن: عندما تميز الجالسون على يسار البرلمان الفرنسي بمعارضتهم للأنظمة البائدة ونصرتهم للثورة الفرنسية واستماتوا في الدفاع عن الحريات العامة وعن حق شعبهم في التعبير والتغير دخل إلى القاموس السياسي والفكري مصطلح «اليسار» بوصفه تعبيراً عن أصحاب الموقف الثوري الحر المدافع عن حقوق العامة ضد المهيمنة السلبية على الشعوب، ومن ذلك الحين نجد العيون تفتش عن دور اليسار إزاء كل مشكلة تحاصر الأمة وتنال من حقوقها وحقوق الشعوب، ومن ذلك فنحن نتطلع إلى دور اليسار العربي تجاه ما يحدث في الساحة العربية، ليس انحيازاً لليسار متفرداً في عملية الإصلاح، وإنما متضافراً مع التوجهات والقوى الفكرية السياسية القومية والدينية المعتدلة، معتمدين على الدور التاريخي لليسار في الوقوف على الأحداث بالتحليل العلمي القادر على التعامل الجاد مع تلك الأحداث واستثمارها بما يدفع بمصلحة الشعوب إلى الأمام نحو التقدم والحرية.
حرية التعبير
كما أكدت نهلة الجمزاوي أن الانقلاب الفكري التحرري هو ما نحتاجه بالفعل لكي يتخلص الوطن العربي من موقعه المسمى بشعوب العالم الثالث أو الدول النامية. وقالت: لم أر شعاراً واحداً يطالب بإلغاء العقوبات المترتبة على حرية التفكير والتعبير التي ما زالت تؤدي بالمفكر إلى السجن أو حتى الموت، ونحن بحاجة إلى حركة تنوير شاملة لتلك التي حملها رواد الفكر العربي الحديث منذ بدايات القرن التاسع عشر أمثال: رفاعة الطهطاوي وخيري الدين التونسي وغيرهم الكثير ممن ساهمت أفكارهم في تحقيق نقلة نوعية في تاريخ مصر والأمة العربية.
حركة الطليعة
وتحدث الكاتب مجدي بن عيسى من تونس عن معوقات تجديد الخطاب الثقافي العربي. وقال: إن اعتبار أي استراتيجية لتجديد هذا الخطاب لا شك أنها تمر عبر مراجعته والبحث عن معوقاته، وقد اخترت مثالاً على ذلك النموذج التونسي، ولا شك أن الكتاب الثقافي التونسي قد نشأ في رحاب المغامرة التجديدية الأولى مع خيري الدين باشا، أحمد بن أبي الضياف، هؤلاء الذين سافروا إلى الدول الأوروبية وانبهروا بما وجدوا وعادوا إلى البلاد لبناء مشروع حداثي سرعان ما أجهضه الاستعمار، وفي مرحلة التحرر الوطني نشأ نوع من التكامل السياسي والثقافي، ومثال على ذلك أبو قاسم الشابي ومحمود المسعدي، وهما من أعلام الثقافة والأدب التونسي، وعلى اختلاف اتجاه كل منهما كان الاتفاق حول تحديث الخطاب الثقافي وجعله رأس الحربة في المعركة ضد المستعمر الفرنسي، كما تحدث بن عيسى عن علاقة الثقافي بالسياسي، وتطور المجتمع التونسي والحراك الثقافي الذي حدث في تونس في الستينيات والسبعينيات ما أنتج حركة أدبية ثقافية جديدة تسمى «حركة الطليعة».

جولة
Ⅶالكتاب والمثقفون العرب الذين شاركوا في الندوة ممثلين لـ15 دولة عربية، استقبلهم في مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية بدبي الدكتور محمد عبدالله المطوع الأمين العام للمؤسسة، وناصر حسين العبودي عضو مجلس الأمناء، وعبد الإله عبد القادر المدير التنفيذي للمؤسسة، وتجول الوفد في المعرض الدائم لصور الفائزين بجائزة العويس الثقافية خلال دوراتها السابقة، في القاعة الكبرى للمعارض، واطلع الضيوف على مئات العناوين الصادرة عن مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية والتي تمثل كتباً عن الفائزين بالجائزة وسلسلة أعلام من الإمارات، فضلاً عن كتب الندوات وغيرها من الإصدارات التي كانت متاحة مجاناً للوفد الزائر.
درع تذكارية للاتحاد
أهدى الدكتور محمد عبدالله المطوع الأمين العام لمؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب ممثلاً في أمينه العام، حبيب الصايغ درعاً تذكارية تقديراً لدور الاتحاد، وبدوره تقدم حبيب الصايغ بالشكر لمؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية لاحتضانها أولى الندوات المقامة على هامش اجتماعات المكتب الدائم للكتاب العرب.
