يدرس مركز «عونك» للتأهيل الاجتماعي بهيئة تنمية المجتمع في دبي إلغاء حبس المتهمين المواطنين في قضايا تعاطي المخدرات وإحالتهم بدلاً من ذلك للعلاج والتأهيل من خلال التواصل مع الأجهزة المعنية من أجل إجراء تعديلات في قانون الإجراءات الجزائية في ما يتعلق بوجوب حبس المتهمين المواطنين في قضايا تعاطي المخدرات.

إذ إن إجراء الحبس يطال حرية المتعاطي الشخصية، ويسبب له خسائر كبيرة تتضمن تشويه سمعته وفقدانه مصدر رزقه، هذا ما أكدته الدكتورة هدى السويدي، مديرة إدارة الفئات الأكثر عرضة للضرر بهيئة تنمية المجتمع في حوارها مع «البيان»، موضحة أن 40 إلى 50% من أعداد المتعافين المنتسبين للمركز ينتكسون لأسباب أهمها ضعف الإرادة أو عدم وعي أسرهم.

وأضافت أن «عونك» يعتبر المركز المتخصص في توفير خدمات الرعاية اللاحقة للمتعافين من الإدمان والتي تشمل بالإضافة إلى العلاج، التأهيل الاجتماعي للمنتسبين وتوفير الاستشارة والدعم لأسرهم وتوسيع إدراك فئات المجتمع لمفهوم التعافي بالإضافة إلى نشر التوعية والثقافة المجتمعية حول مخاطر الإدمان.

احتضان المتعافين

وأوضحت السويدي أن المركز يعمل على احتضان المتعافين من الإدمان، وتوفير فعاليات وأنشطة بديلة لهم تشجعهم على استعادة أدوارهم الطبيعية في المجتمع، مشيرة إلى أن الوعي المجتمعي بمفهوم التعافي والاحتياجات النفسية لمن يمر بهذه المرحلة يسهم بشكل كبير في نجاح تجاوزه هذه المحنة، وفي دمج المزيد من المتعافين في المجتمع.

وأفادت أن 40 إلى 50% من أعداد المتعافين المنتسبين للمركز والبالغ عددهم 16 منتسباً في العام، ينتكسون لأسباب مختلفة أهمها ضعف الإرادة أو عدم وعي ذوي المتعافي بالتعامل المناسب معه، أو رفض المجتمع له، لذا يجب رفع الوعي بأهمية المشكلة، وإيجاد الحلول المشتركة مع الشركاء الاستراتيجيين والأهالي وأماكن العمل، وتكاتف المجتمع المدني بهدف ضمان عدم انتكاس المتعافي.

تضافر الجهود

وقالت إن تجاوز المحن النفسية والاجتماعية يحتاج إلى تضافر الجهود ولا تكفيه عزيمة الفرد مهما عظمت وهو ما ترتكز إليه خدمات مركز عونك، فبالإضافة إلى البرامج العلاجية المختلفة والتي تعتمد في جزء كبير منها على العلاج والمساندة الجماعية؛ فإننا نأخذ الأسرة والمجتمع في الحسبان، ونبحث في جميع تفاصيل حياة المنتسبين وظروفهم الأسرية والاجتماعية ونتعاون مع جميع المحيطين بهم لحمايتهم خلال هذه المرحلة، والتي يكونون فيها من أشد الفئات عرضة للخطر.

وأوضحت السويدي أن الوعي المجتمعي بشكل عام لدى غير المحيطين بالمنتسبين يلعب دوراً كبيراً في احتواء الفئات التي قد يهددها خطر الإدمان، وهو ما يجعل نشر الوعي إحدى أهم رسائل المركز، وأثنت على جهود فريق العمل، مشيرة إلى أنها تطمح إلى المزيد من خلال العمل يداً بيد مع الأهالي والبحث في تطلعاتهم واحتياجاتهم.

تعاون بناء

وأشارت السويدي إلى أن المركز يحرص على التعاون المثمر مع الجهات المعنية مثل مركز أبوظبي لعلاج المدمنين ومستشفى الأمل والجهات الأمنية من أجل تكامل الخدمات المقدمة لهذه الشريحة ولأسرهم، لافتة إلى أن الدعم يقدم أيضاً للمسجونين بغض النظر عن نوع القضية، ويحرص على تهيئة البيئة المحيطة حتى تضمن عدم عودته بعد قضاء المدة عن طريق برامج تأهيلية من أهمها برنامج العلاج النفسي الذي انطلق نهاية العام الماضي 2015.

200

لفتت الدكتورة هدى السويدي إلى أن 200 سجين في قضايا الإدمان كانوا بسبب الأدوية الموصوفة، وتم تقليلهم إلى 5 فقط من خلال التعاون مع شرطة دبي وهيئة الصحة في دبي حيث حث المركز الهيئة على تغيير النظم المعمول بها في صرف الأدوية المسكنة للألم أو الاكتئاب ومراقبتها بشكل أدق.

وقالت إن المركز أطلق برامج تعنى بالمساجين، حيث تم تعافي وتأهيل 50 مسجوناً وأسرهم ويتوقع حصولهم على إعفاء في شهر رمضان المقبل.

متعافون لـ «البيان»: الإدمان دمار سببه أصدقاء السوء

ما أبلغ العبر والعظات حينما تأتي على لسان من خاض التجربة بنفسه، ومن عايش الأمر بتفاصيله، وما أصدق العظات والتحذيرات حينما تأتي من شخص مجرب وعليم ببواطن الأمور، هكذا جاءت هذه الاعترافات والعبر من أحد الشباب المنتسبين لمركز «عونك» لتأهيل المتعافين من الإدمان، الذين خاضوا تجربة الإدمان وتجرعوا مراراتها ونتائجها الكارثية على مستوى الأسرة والمستقبل، وعلى الصعيد الشخصي يسرد حكايته مع الإدمان لـ«البيان».

حيث بدأت في مرحلة مبكرة منذ كان مراهقاً على مقاعد الدراسة في المرحلة الإعدادية يطمح إلى حياة يملؤها الأمل والسعادة بمستقبل مشرق حطمه أصدقاء السوء الذين أوهموه بأن المخدرات والمسكرات تجلب السعادة، واستمرت رحلته المريرة قرابة الثلاثين عاماً، حيث أدمن على تناول الكحوليات، نتيجة لافتقار الوعي آنذاك من خلال الأجهزة الإعلامية المختلفة.

فضلاً عن عدم اكتشاف أمره داخل محيط الأسرة نفسها التي كان فيها الابن الثاني بين 5 إخوة و5 أخوات، إلا أنهم جميعاً لم يشعروا بذلك نظراً إلى أنه كان حريصاً على أداء واجباته نحو أسرته وتلبية طلباتهم، حتى بعد أن تزوج وأنجب ولدان وابنة.

وأضاف أن السبب الرئيس لانخراطه في الإدمان في سن مبكرة هو افتقاره للتوعية، غير أنه مدين لزوجته بالعرفان والتقدير كونها سبباً رئيسياً ومباشراً في إقلاعه عن الإدمان، بعد أن لاحظت وجوده خارج المنزل لوقت متأخر من الليل وبحاسة الزوجة اكتشفت السبب فما كان منها إلا أن عالجته بحكمة، حيث أقنعته بضرورة الذهاب إلى المستشفى لتلقي العلاج المناسب لحالته والتخلص من هذه الآفة التي ستنعكس سلباً على حياته.

وهذا ما ساعده على الالتحاق بمركز «عونك»، الذي وجد فيه بالغ الدعم الرعاية النفسية والعلاجية وتجاوز مرحلة اكتئاب ما بعد الإدمان، ما شجعه على اتخاذ قرار حاسم بعدم العودة إلى الإدمان، حيث أخذ على نفسه عهداً بالإرادة القوية والعزيمة.

بكاء وندم

«إذا بكت المرأة فاعلم إنها تريد شيئاً، ولكن إذا بكى الرجل فاعلم أنه فقد كل شيء». هذه المقولة جسدتها دموع تائب آخر وهو يروي بدموعه مقتطفات من رحلة الضياع التي عاشها بسبب تعاطيه المخدرات، وما أدى به من دمار.

ووجه رسالة تحذيرية غلفها بدموع الندم لتصل إلى الشباب قبل الانجراف إلى عالم الإدمان ومستنقع الانحراف، ناصحاً كل مراهق ألا يثق في من يوهمونه بأنهم أصدقاء، بينما هم أعداء في صورة أصدقاء فلا تصاحبوهم أبداً، ولا تجالسوهم لأن ذلك بداية الطريق إلى عالم الضياع.

وأضاف أنه أدمن على جميع أنواع المواد المخدرة الصناعية منها والطبيعية، التي أكد أنه كان يشتريها من «الفريج» وقنوات أخرى، منذ مرحلة الإعدادية ما أدى إلى التحاقه بالأحداث مرات عدة لم تجعله يتخذ القرار بالإقلاع عن الإدمان بل امتد الأمر إلى وقوعه في مشاجرات عدة وشروع في القتل بسبب المخدرات، ودخوله السجن عاماً كاملاً فاضطر أهله لتزويجه عسى أن يكون ذلك رادعاً له إلا أن الأمر ازداد سوءاً وعاد إلى السجن 7 مرات بعد أن أنجب ابنة فانفصلت عنه زوجته وخسر عمله وكل ما يملك.

ويقول: «تبت إلى الله وتعالجت من الإدمان، وأصبحت أقرب إلى الله الذي أخذ بيدي إلى طريق الصلاح».

تطبيق ذكي

كشفت الدكتورة هدى السويدي عن عزم المركز إطلاق تطبيق ذكي يتم تحميله على الهواتف الذكية يمكن الأهالي من التعرف إلى الخدمات التي يقدمها المركز لتوعيتهم، كما يعمل على إعداد حقيبة تدريبية للأهالي لتدريبهم على كيفية التعامل مع العنصر المدمن في العائلة واكتشافه، وعدم الخجل من البوح بذلك أو التستر عليه، كما سيعمل البرنامج على تدريبهم على الانتباه للأبناء ومتابعتهم والخطوات اللازمة لذلك، انطلاقاً من دور الأسرة الجذري في حماية النشء.

5 خدمات إرشادية وعلاجية ونفسية للمتعافي

أوضحت الدكتورة هدى السويدي بشأن الخدمات المقدمة للمنتسبين أن المركز يقدم 5 خدمات، وهي إرشاد المتعافي والعلاج النفسي والاجتماعي ومتابعة الأسرة والمتابعة اللاحقة، إضافة إلى برنامج «12 خطوة»، وتتكامل هذه الخدمات مع التي تقدمها الجهات المعنية الأخرى مثل المنافع المالية بعد دراسة الحالة.

وتمكين الحالة ودمجها في المجتمع من أجل أن يصبح فرداً منتجاً في المجتمع من خلال توفير وظيفة يقتات منها، كما يعمل المركز على تسهيل استخراج الأوراق الثبوتية اللازمة مثل شهادة حسن السير والسلوك للمتعافين، فضلاً عن التعاون مع جهات عمل مثل مجموعة الفطيم، التي لا تشترط وجود مثل هذه الشهادة.

«12 خطوة» مسؤول عن التوعية بمكافحة المخدرات

تقول هدى السويدي إن البرنامج العالمي «12 خطوة» هو المسؤول عن التوعية بمكافحة كل أنواع الإدمان، حيث يتم تخصيص غرف لتأهيل المدمنين وتحمل كل خطوة مبادئ وقيماً أساسية وإنسانية ومجتمعية افتقدها المدمن خلال مرحلة الإدمان خاصة الطويلة منها، ويتم إعادة بنائها لديهم ليكتمل تعافيهم مثل الصدق والأمانة والروحانيات.

كما يتم إرشادهم بالعلامات التحذيرية للعودة إلى الإدمان، مثل المواسم والأعياد والمناسبات والإجازات بشكل عام، وأيضاً أوقات الفراغ ويتم التغلب عيها بإدارة الوقت واجتياز المواقف عالية الخطورة وتجنب بعض الأشخاص وغيرها من الأساليب، بحيث يقوم بإدارة الجلسة متعافٍ من الإدمان خلال الفترة المسائية في مبنى الهيئة، حيث يتشاركون نفس الخبرات، وهناك آليات معينة لقياس نتائج البرنامج من المشرف على المتعافي.

6 نساء خلف الأسوار بسبب المخدرات

تقول هدى السويدي: إن 6 نساء يقبعن في السجن بسبب قضايا الإدمان ويبكين على حرقة الفقد، والخسارات الموجعة، الأسرة والأولاد والصحة والأمان والكرامة وأشياء أخرى كثيرة ذهبت ولن تعود، ومع اختلاف قصصهن وتواريخهن الشخصية، وتواقيت سقوطهن، في حياة كل منهن حكاية جرتها إلى ما وصلت إليه وأحرقت كيانها ومستقبلها بنار التعاطي، ووصمت قلبها وجسدها بآلام لا نهاية لها.

وترى السويدي أن من أسباب العلاج توعية المجتمع والأسرة بأخطار المخدرات ومخاطبتهم من خلال المختصين واستقطاب الشركات المتخصصة في علاج المدمنين من الخارج، وعدم التستر على الفرد المدمن في العائلة أو تزويجه ظناً بأن ذلك أسلوب تقويم.