
لو أمعنا النظر إمعاناً متعمقاً في هذه القصيدة الرائعة المعبرة معنىً ومبنىً، قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، فتنة الإرهاب، لوجدنا الشاعر.
وهو المعروف برقة المشاعر، يلجأ لأول مرة في سبك قصيدته إلى لغة الحزم والتأنيب الشديدين في موضوع لم يعد الصبر والتأني في العمل والقول يجديان وينفعان في الحد منه، فقد بلغ السيل الزبى وفاق الإرهاب والإرهابيون كل تصور، لا سيما عندما لطّخت أياديهم الملوثة الحرم النبوي الشريف..
حاولوا تفجيرَ صَرْحٍ شامخٍ
قَدْ بناهُ المهتدي الهادي المُجابْ
مَسْجِدٌ أُسِّسَ بالتَّقوى ومِنْ
نورهِ النُّورُ غشا الكونَ وطابْ
ويخبرنا محمد بن راشد وهو يبدأ كلامه:
لَيْسَ للإرهابِ دينٌ أوْ كِتابْ
هُوَ فيما بانَ لي شِرْعَةُ غابْ
نعم، لم يترك الإرهابيون لأحد مجالاً أن يصفهم بصفة فيها شيء من لين القول، لأنهم يعملون كل شيء كما يقول الشاعر غير الصواب..
ولَهُ أتبْاعُ في تفكيرهمْ
كُلُّ شيئٍ مُمْكِنٌ إلاَّ الصَّوابْ
هُمْ مَعَ الشَّيطانِ في أفعالهمْ
بَلْ منَ الشَّيطانْ أنْكَى في الخطابْ
ويتساءل الشاعر ويتساءل العالم كله معه من شرقه الى غربه، لماذا هذا الجنون، وما هو الداعي لهذه الفظائع، وما الذي يجنونه هؤلاء الناس من هذه الفتن العمياء؟
خَبِّروني ما الذي يجنونَهُ
منْ جنُونٍ منهُ رأسُ الطِّفلِ شابْ
أيُّ فكْرٍ هوَ هذا فكْرُهُمْ
غيرَ قتلِ النَّفْسِ منْ غيرِ إحتسابْ
ويحدثنا التاريخ خلال الأربعين سنة الماضية أن الشيخ محمد بن راشد مر بتجارب عديدة في مواجهة الإرهاب والإرهابيين مواجهة عملية، وبالرجوع إلى الوقائع نجد بعض الحوادث المتصلة بهذا الإرهاب والتي حصلت في الإمارات عندما كانت الدولة تمشي بخطواتها الأولى نحو الأمام، وقمت شخصياً بالإشارة إليها في كتابات سابقة..
وأولى هذه المواجهات، دور الشيخ محمد بن راشد الفعّال والحاسم في إخماد فتنة المغرر بهم الذين اشتركوا في تنظيم سري باسم جبهة تحرير الخليج والجزيرة العربية، والثانية هي الجهد الكبير الذي بذله محمد بن راشد في إخماد الفتن التي تعرضت لها الشرعية الحاكمة في الشارقة مرتين متتابعتين.
وكان من أكثر المعجبين بهذا الدور هو المغفور له الشيخ زايد الذي كان يومي ويشير بالبنان إلى محمد بن راشد ويوكل إليه الأمور التي تحتاج إلى حسم وعزم، وكان محمد بن راشد عند حسن ظن شيخنا الجليل، رحمه الله، وكذلك موضع اعتماد والده الشيخ راشد بن سعيد، رحمه الله، وذلك لما يتمتع به من حسن إدارة وتدبير للملمات من الأمور..
تفاعل بالحدث
وتشهد هذه القصيدة، قصيدة فتنة الإرهاب، أن التفاعل بالحدث، حدث الاعتداء على المسجد النبوي والانفعال لدى الشاعر الشيخ محمد بن راشد، بلغا مداه وهو يعد كلمات قصيدته ويعبر عنها، لا سيما وهو يرى هذا الانتهاك المزري للحرمة النبوية، ولكن الشاعر بإيمانه العميق وبتربيته الإيمانية يخفف من غلواء هذه الجريمة الشنعاء في النفوس، ويقف أمام الشخصية النبوية معظماً سيدنا رسول الله، ويعتذر من السوء الذي أحدثته زمرة الفتنة ببيت يفيض منه الإيمان والصفائية والروحانية..
يا رَسولَ اللهِ عُذراً إنَّنا
في زمانٍ فيهِ أمرُ الرُّشْدِ غابْ
خطفَ الإسلامَ منَّا زُمرةٌ
فتحَتْ للشَّرِّ والفتنَةِ بابْ
وتعود بي الذاكرة وأنا أقرأ هذين البيتين اللذين ذكرتهما إلى زيارة للمسجد النبوي شرفني بمرافقته الشيخ محمد بن راشد، حفظه الله، بعد أداء العمرة في البيت الحرام، وكنا جمعاً من الرفاق نقف خلف هذا الشيخ الجليل القدر مؤمنين على الدعاء أمام مرقد سيد الأنام صلى الله عليه وسلم، ومبتهلين إلى الله تعالى أن يتقبل منا هذه الزيارة، ويمنّ علينا بالبركات ويجعله »صلى الله عليه وسلم« شفيعنا يوم الحساب، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم..
إيمان عميق
وعن نفسي التي خلا وفاضها من رصيد صالح أستعين به يوم الحساب، تذكرت ساعتها قول الإمام البوصيري يخاطب رسول الله، في إيمان عميق وروحانية عالية المدى ويقول له أنه إذا تقدم أهل التقوى والورع بصالح أعمالهم فإني لا أملك شيئاً منها غير أن أسكب أمام حضرة صاحب المقام العالي سيدنا رسول الله دموع الندم والأسف على ما فات..
وإن تقدم ذو تقوى بصالحة
قدّمت بين يديه عبرة الندمِ
والحقيقة أنني أشعر بأنه بالرغم مما في قصيدة فتنة الإرهاب من استنكار واضح للحدث الإرهابي الذي وقع بالقرب من الحرم النبوي في المدينة المنورة، وكذلك تجريم الإرهابيين والعابثين بأمن الناس، لكن القصيدة تشير إلى نفسية قائلها الشيخ محمد بن راشد الصافية وحبه العميق للشخصية النبوية ومكانتها العالية في قلب الشاعر، وتذكرت وأنا أقرأ هذه القصيدة، قصيدة عالية الجودة في المدح النبوي وهي القصيدة المسكية في مدح خير البرية التي عمل لها كاتب هذه السطور قراءة عندما نشرت، وأشير هنا إلى أبيات منها تفيض بالعذوبة والروحانية..
أَهْدى إليِّ الشعرُ رَيِّقَهُ
فجعلت لي في الشعر بُستانا
وغَرَسْتُ في مدحِ النبيِّ شَجا
وسَقيْتُه رَوْحاً ورَيْحانا
يا ظِلَّ وارفَةً بسيرَتِه
قد أثمَرَتْ جوداً وإحسانا
مخضودة لا شَوْكَ يَقْرَبُها
هي منهُ قافية وأوزانا
لأريجِها من وصْفِهِ عَجَب
طابتْ وطابَ فَطِبْتُ نَشوانا
وإلى نبيَّ الله أبعثُها
مِسكِيَّة اسماً وعنوانا
في حبِّه وبِحبِّه قَدَري
بِهُداه قد آمَنْتُ إيمانا
هو رحْمةٌ للناسِ أَرْسَلَه
ربُّ العِبادِ هدى وتبيانا
يا ربّ أكْرِم أمةً شَرُفَتْ
بِمحمّدٍ فضْلاً وغُفرانا
وعليهِ صلِّ وكنْ لأمّتِهَ
عَوْناً وبارِكْ رَبّ مَسْعانا
سموه يستخدم لغة الحزم والتأنيب الشديدين في موضوع لم يعد يحتمل الصبر والتأني
القصيدة تشير إلى نفسية قائلها الصافية وحبه العميق للشخصية النبوية ومكانتها في قلبه
